-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جديد المناهج… شخصيات وطنيّة في الكتب المدرسية

عومر بن عودة
  • 97
  • 0
جديد المناهج… شخصيات وطنيّة في الكتب المدرسية

لم تعد المدرسة الجزائرية مطالبة فقط بتقديم المعارف والمعلومات للتلميذ، وإنما أصبحت مطالبة أيضا بتقديم نماذج حية من النجاح والتميز، وربط ما يتعلمه داخل القسم بإنجازات وطنه وشخصياته ومحطاته الكبرى.

وفي هذا الإطار تكتسي التحسينات التي مست البرامج والمناهج المدرسية أهمية خاصة، لأنها تعكس توجها نحو بناء مدرسة أكثر ارتباطا بالهوية الوطنية، وبالتاريخ الحديث والمعاصر للجزائر، وبالكفاءات التي صنعت ولا تزال تصنع مسار البلاد في مختلف المجالات.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا التوجه حضور شخصيات وطنية معاصرة في المحتويات المدرسية، من بينها الرئيس الراحل اليمين زروال، والعالم والباحث الجزائري بلقاسم حبة، إلى جانب نجم كرة القدم العالمي رياض محرز، بما يمثله من نموذج للنجاح الرياضي الجزائري الذي تجاوز الحدود الوطنية ووصل إلى أعلى مستويات المنافسة العالمية.

إن إدراج هذه الأسماء داخل الكتاب المدرسي يتجاوز مجرد التعريف بشخصيات جزائرية، فهو يحمل رسالة تربوية مهمة مفادها أن الجزائر تزخر بالكفاءات والطاقات القادرة على تحقيق التميز في السياسة والعلم والتكنولوجيا والرياضة ومختلف المجالات.

فالتلميذ الذي يتعرف على العالم والباحث بلقاسم حبة، وعلى مسيرته العلمية والبحثية، يكتشف أن الاجتهاد في الدراسة والبحث يمكن أن يقود صاحبه إلى العالمية، وأن الجزائري قادر على المنافسة في ميادين التكنولوجيا والابتكار وصناعة المعرفة.

والتلميذ الذي يتعرف على رياض محرز يكتشف نموذجا آخر من نماذج النجاح، فمسيرته الرياضية وما حققه من ألقاب وإنجازات مع الأندية والمنتخب الوطني، تقدم درسا في الطموح والانضباط والمثابرة وتحويل الموهبة إلى إنجاز، وهنا تصبح الرياضة نفسها مدخلا تربويا لغرس قيم العمل الجماعي، والالتزام وروح المنافسة الشريفة، والإصرار على النجاح.

أما حضور الرئيس الأسبق الراحل اليمين زروال في المحتويات التعليمية، فيتيح للتلميذ فرصة للتعرف على مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر، وفهم تطور الدولة ومؤسساتها ومسارها السياسي بعد الاستقلال، بما يساعد على قراءة التاريخ الحديث بصورة أكثر شمولية وتوازنا.

ولا تقتصر أهمية الإصلاحات الجديدة على الشخصيات، وإنما تمتد أيضا إلى إبراز محطات ومشاريع استراتيجية وطنية، ومن بينها مشروع منجم غار اجبيلات، باعتباره أحد المشاريع الكبرى المرتبطة بالثروة المنجمية والتنمية الاقتصادية للجزائر.

ويمكن لإدراج مثل هذه المشاريع في المناهج أن يمنح التلميذ فرصة لفهم العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والموارد الطبيعية والتنمية، وأن يدرك بأن ما يدرسه في القسم ليس منفصلا عن الواقع الذي تعيشه بلاده وعن المشاريع التي تراهن عليها في بناء اقتصادها وتنويع مصادر دخلها.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمقاربة، فغار اجبيلات ليس مجرد موقع جغرافي، وبلقاسم حبة ليس مجرد اسم لعالم، ورياض محرز ليس مجرد لاعب كرة قدم، واليمين زروال ليس مجرد شخصية سياسية، وإنما يمكن أن يتحول كل نموذج منهم إلى مدخل تربوي لبناء معرفة أوسع، وتنمية روح المواطنة، وتعزيز الثقة في القدرات الوطنية.

إن الطفل الذي يتعرف على عالم جزائري وصل إلى العالمية، ورياضي جزائري تألق في أكبر الملاعب، وشخصية سياسية طبعت مرحلة من تاريخ بلاده، ومشروع اقتصادي استراتيجي يمثل جزءا من مستقبل الجزائر، يتلقى رسالة واضحة مفادها أن النجاح ممكن والتميز ممكن، والجزائري قادر على صناعة الإنجاز في مختلف المجالات.

وهذا البعد مهم للغاية في بناء شخصية المتعلم، لأن التلميذ لا يحتاج فقط إلى معرفة “ماذا أتعلم؟”، وإنما يحتاج أيضا إلى أن يسأل: “لماذا أتعلم؟ وإلى أين يمكن أن أصل؟”.

ومن هنا، فإن حضور الشخصيات الجزائرية المعاصرة في المناهج يمكن أن يساهم في تعزيز ثقافة القدوة الوطنية، والانتقال من الاكتفاء بتقديم النماذج الأجنبية إلى إبراز النماذج الجزائرية التي استطاعت أن تترك بصمتها داخل الوطن وخارجه.

لكن الأهم من إدراج الأسماء هو كيفية تقديمها بيداغوجيا، فالأفضل ألا تقتصر المناهج على ذكر الاسم والوظيفة أو الإنجاز، وإنما تقدم للتلميذ قصة النجاح، كيف بدأ صاحبها؟ ما الصعوبات التي واجهها؟ ما الذي حققه؟ وما القيم التي يمكن أن يستخلصها المتعلم من تجربته؟

فالسيرة التي تتحول إلى قصة إنجاز قابلة للتحليل والنقاش، تصبح أكثر تأثيرا من مجرد فقرة تعريفية.

ومن هذه الزاوية يمكن للمناهج الجديدة أن تجعل من الشخصيات الوطنية والمشاريع الكبرى مداخل متعددة التخصصات، فبلقاسم حبة يمكن أن يكون مدخلا للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، ورياض محرز مدخلا للرياضة والقيم والانضباط، وغار اجبيلات مدخلا للجغرافيا والاقتصاد والثروات الطبيعية، بينما يمكن لشخصيات سياسية وتاريخية معاصرة مثل اليمين زروال أن تفتح المجال أمام فهم تاريخ الجزائر الحديث ومؤسسات الدولة.

إن تطوير المناهج لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الدروس التي تغيرت أو بعدد الشخصيات التي أضيفت، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق أهداف أكبر، بناء شخصية متوازنة، ترسيخ الهوية الوطنية، تنمية التفكير، تعزيز روح المبادرة، وربط المعرفة المدرسية بمشاريع الجزائر وتحدياتها المستقبلية.

فالمدرسة التي تقدم للتلميذ نماذج من العلماء والباحثين والمبدعين والرياضيين والشخصيات الوطنية، لا تعلمه فقط كيف ينجح في الامتحان، وإنما تعلمه أيضا كيف يحلم، وكيف يثق في قدراته، وكيف يمكن أن يكون له دور في صناعة مستقبل بلاده.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمناهج الجديدة، أن تجعل من التاريخ والعلم والرياضة والاقتصاد والثقافة مجالات يكتشف فيها التلميذ نماذج جزائرية ناجحة، وأن تحول هذه النماذج إلى مصدر للإلهام والتحفيز.

فالكتاب المدرسي ليس مجرد صفحات يتصفحها التلميذ، ثم يتركها بعد نهاية السنة الدراسية، بل يمكن أن يكون نافذة يرى من خلالها وطنه، ومخبرا يكتشف فيه قدراته، وبوصلة تساعده على تحديد موقعه في مشروع الجزائر المستقبلية.

ومن ثم، فإن إدراج شخصيات وطنية معاصرة مثل اليمين زروال، بلقاسم حبة، رياض محرز، إلى جانب محطات ومشاريع استراتيجية مثل غار اجبيلات، يمثل توجها يمكن البناء عليه نحو مدرسة جزائرية تجعل من القدوة الوطنية جزءا من التربية، ومن الإنجاز الجزائري جزءا من المعرفة، ومن مستقبل الوطن جزءا من أحلام التلميذ.

فالجزائر لا تحتاج فقط إلى أن يتعرف أبناؤها على تاريخ وطنهم، وإنما تحتاج أيضا إلى أن يتعرفوا على من يصنعون حاضرها ومستقبلها، علماء وباحثين ورياضيين ومبدعين وشخصيات وطنية، إضافة إلى المشاريع الكبرى التي ستشكل جزءا من مستقبل الاقتصاد الوطني.

وهكذا يمكن أن تتحول المناهج المدرسية إلى رسالة أعمق من مجرد نقل المعرفة، رسالة تقول للتلميذ إن وطنه يمتلك التاريخ والعلم والمواهب والثروات والطاقات، وإن دوره في المستقبل هو أن يضيف إنجازا جديدا إلى هذا الرصيد الوطني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!