-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حاتم الطائي الذي ذبحنا

الشروق أونلاين
  • 2906
  • 3
حاتم الطائي الذي ذبحنا

مجبرة أختنا الدولة وليست بطلة، وهي تحاول في الوقت بدل الضائع، أن تستعيد مقعدا صغيرا في قلب مواطن فقد الثقة في نفسه، فما بالك في التي حوّلت قلبه إلى مخزن للقنوط، يُشرّق كلما غرّبت دولته، ويغرّب إن أرادت هي أن تُشرّق!!؟ ومع ذلك، فإن بعض المحاولات التي يقوم بها بقايا المخلصين في بلد، صار يعلم كل أفراده أن لا حلّ له سوى العمل والاعتماد على النفس، بعد أن صدمت تقارير طاقوية الجزائريين، بعمر البترول الجزائري، الذي لن يزيد عن ربع قرن، وجب تثمينها وجعلها قاعدة وأسلوب حياة وليس استثناءً، فلقاء وزير الداخلية بالولاة، وإصراره على أن يكون إلى جانبه مدير الأمن الوطني، ووزراء يحملون حقائب تهم المواطن، مثل التجارة والبيئة والسفر شرقا وغربا وجنوبا، واعتراف الجميع بأن المسؤولين صاروا بعدين جدا عن المواطنين، وأن الجريمة استفحلت بشكل رهيب في المجتمع، وأن البيئة في تدهور مريع..

كل ذلك هو نقطة إيجابية أشبه بالاعتراف الذي هو دائما سيد الأدلة، أو التشخيص الذي يُمكّن من تشخيص الداء ووصف الدواء، رغم أن الكثيرين يظنون أن الحالة قد بلغت درجة الميئوس منها، وإذا كانت هذه اللقاءات في فحواها أن المواطن هو سبب انعقادها، وهو موضوعها وهدفها، فإن ما حدث في لقاء قسنطينة، نهاية الأسبوع، جعل المواطن يشاهد بأم عينيه عودة حليمة إلى عادتها القديمة، فلأول مرة منذ بداية العهدة الانتخابية المحلية، التي بلغت أنفاسها الأخيرة، خرجت شاحنات البلدية، وغسلت قلب المدينة التي أقيمت بها ورشات ليلية غرست الشجيرات وعبّدت الطرقات وطلت الأسوار والجدران في لمسات تزيينية، وتم رفع القمامة التي كانت من “أثاث” المدينة الدائم، وأجبر التجار الفوضويين المرابطين قرب مقر اجتماع المسؤولين وفنادق إيواء الضيوف على التبخر ليوم واحد فقط، وتم شل حركة المرور نهائيا لأجل استقبال وزير الداخلية والوزراء الضيوف الذين اجتمعوا لمشاهدة مشاكل المواطنين، وليس لارتداء نظارات ملونة تُبعدهم مسافات عن الواقع الأسود الذي يعيشه المواطنون في مدننا، ومنها عاصمة الشرق الجزائري على سبيل المثال.

لقد كانت دائما مشكلتنا الكبرى هي تغليط أصحاب القرار، فالأم تُخفي انحراف أبنائها عن أبيهم، ومساعد المدير يُخفي مشاكل العمال عن المدير العام، والمنتخبون المحليون يُخفون معاناة المواطنين عن رؤساء البلديات والولاة، والولاة يخفون الأزمات عن الرئيس وعن كبار المسؤولين، والذي يغرس شجرة ميتة في جنح الليل ليستقبل بها ضيفا مسؤولا، قادر على غرس ابتسامة مصطنعة واطمئنان خيالي على محياه، وقد يساهم في نسف ما تبقى من أمل، لأجل اللحاق بالركب العالمي الذي يسير بسرعة البرق، ونحن مازلنا نضحك على أنفسنا بمسحات ماكياج، رغم أن وجهنا الطبيعي هو الأجمل في العالم، باعتراف البلدان التي يركب لأجلها بعض الشباب زوارق الموت.

في إحدى زيارات رئيس الجمهورية السابقة لإحدى المدن الداخلية، قال أحد الولاة عندما انتقده الإعلام بصرفه الملاييرَ من أموال الشعب، في عملية تجميل فوضوية وارتجالية: إنه يستقبل ضيفا كبيرا وجب إكرامه، كما يفعل المواطن البسيط عندما يستقبل في بيته ضيوفا بالتنظيف والتزيين، وقال إن الكرم الحاتمي من صفات الشعب الجزائري، ولكن المشكلة في المبالغة في إخفاء العيوب، وإكرام خادم المواطن على حساب كل الموطنين، فإذا كانت الأسطورة العربية قد تحدثت عن ذبح حاتم الطائي لحصانه وتقديم لحمه لأحد ضيوفه، فإن حاتم الطائي على طريقة المسؤولين الجزائريين، قد ذبح ثقة المواطن.. حتى لا نقول المواطن ذاته!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • لبنى

    أصبت الحقيقة في المقاتل أستاذ عبد الناصر ، لكن من يسمع فالمواطن الجزائري الذي ترثيه أنت هنا كونه ضحية عمليات تجميلية ليلية يقوم بها مسؤول خداعا وتملقا لمسؤول اعلى منه هو نفسه الشعب الذي يخرج بالمئات للتهليل والتطبيل في لقاء الرئيس الذي يرى الكل سعيدا ومنشرح الصدر فيعود من حيث أتى مطمئنا ليقول:مازال واقفين ..
    عندما يرسم المطحون ابتسامة زائفة فكيف لمرتاح البال ان يقوم بالعكس من أجله ؟
    انشر الله يهنيك

  • مجرب عبدالقادر

    سيد الفاضل صاحب المقال من غشنا ليس منا. ما تقوله هو نتيجة الغش الذي اصبح من صفات الناس ومن لايغش فهو غير سليم و ان هو في المسؤولية فيهمش او يحال على التقاعد او تفبرك له الافاعيل و منهم الكثي.ر من وجدوا انفسهم في السجون اوالمصحات العلقية و ان كان الله رزقهم الثبات والصبر وقوة الكراكتير فتكون لاديبرسيون لزوجته او امه وابيه او احد بنيه.وما اقوله مجرب ميدانيا و ضحاياه اعرفهم شخصيا ومن اقربائي الذين اشهادهم كل يوم.الحقيقة مرة لكن رداءة الاداء للمسؤولين تؤدي بهم للغش حتى ينظرلهم بانهم اكفاء من رؤسائهم

  • أبو سهيل

    بارك الله فيك أخي عبد الناصر وزادك الله نصرا وتوفيقا والله لقد وضعت إصبعك على منطقة الورم السرطاني وبينت الداء وعلى الجميع الاستنهاض لإيجاد الدواء قبل فوات الأوان.