حتى لا ننسى!
راعني أن أغلب الأحزاب والجمعيات والكثير من السياسيين والنقابات، لم يعودوا يكترثون لأحداث كانت مفصلية ومصيرية بالنسبة إلى تاريخ الجزائر الحديث، فهل سمعتم مثلا الكثير من القيل والقال في ذكرى تأميم المحروقات المصادف ليوم 24 فيفري، على نقيض كثرة “الثرثرة” و”الطرطرة” عندما يتعلق الأمر بقضايا أخرى قد لا تسمن ولا تغني من جوع؟
مصيبة هؤلاء أنهم لا يتفاعلون إلاّ مع الأحداث والحوادث التي تتناسب مع توجهاتهم ومواقفهم وإيديولوجياتهم، وتجدهم يخرسون و”يضربون النح”، عندما يتعلق الأمر بقضايا لا يجب نسيانها ولا ينبغي تناسيها أو تجاهلها، ولا داعي هنا لتقليب المواجع والنبش في الجراح!
عدم اهتمام الطبقة السياسية بذكرى الثورة وذكرى الاستقلال وذكرى تأميم المحروقات وذكرى يوم العلم وذكرى أحداث أكتوبر وذكرى ميلاد التعددية والديمقراطية، وذكرى استفتاء ميثاق السلم والمصالحة، وغيرها من الذكريات و”المذكرات” التي يجب التوقف عندها حتى لا نـُلدغ من الجحر مرّتين، هذا اللااهتمام هو “مؤامرة” ضد الأجيال المتعاقبة!
كيف يسمع جيل الاستقلال بجيل الثورة، إذا لم يحك الجيل الثاني للجيل الأول تفاصيل الاستعمار وبسالة الأبطال؟ وكيف يستوعب شباب اليوم الدرس مما حدث في 5 أكتوبر 88 وخلال سنوات “المأساة الوطنية” إذا أضرب من عايشوا كل تلك التراجيديا عن الإدلاء بما لم تره عين ولم تسمعه أذن؟
يُمكن لجيل الاستقلال أن يعيش “الثورة التحريرية”، ويقف على جرائم المستعمر، ومعاناة الأوّلين، إذا نقل المجاهدون والآباء والأجداد الواقع مثلما كان قبل أكثر من 60 سنة، مثلما يُمكن لشباب وأطفال اليوم أن يُشاهدوا بحواسهم ما واجهه الجزائريون خلال عشرية رسمها الإرهابيون بالدمّ والغمّ والهمّ، وهي الفترة التي تتمنى إلى الأبد كلّ الألسن التي عاشتها وسمعت عنها وقاومتها بالصبر والمكافحة ألا تعود ولو بنسخة أخرى!
لكن، الذي حصل لا تذكره الأحزاب، فهي لا تتفكّر سوى الانتخابات، وفي هذه المواعيد تحلل وتناقش وتحرّض وتيئّس وتطمئن وتفك عقدة من لسانها، لكنها لا تمارس وظيفة التذكير علّ الذكرى تنفع الجزائريين، في مختلف المناسبات والمحطات التي من الواجب تخليدها، ولا أقول هنا تحنيطها، لأن لا حاضر ولا مستقبل بلا ماضي!
القطيعة بين الأجيال، لا يُمكنها إلاّ أن تـُنتج المقاطعة بينهما، وهذه هي أخطر زاوية في أرشفة التاريخ وحفظه وتلقينه أب عن جد، حتى لا نضيّع الأصل والفصل، ويُصيبنا بعدها الهبل والخبل!