-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حذفُ العربية!

د محمد مراح
  • 106
  • 0
حذفُ العربية!
تعبيرية

نشرت وزارة التربية جدول المواد التدريسية التي مسها التغيير أو الإصلاح، ولم يُشر إلى أطراف العملية الإصلاحية التربوية والتعليمية الأخرى؛ أهمها المناهج وأساليب التعليم، هل مسها الإصلاح؟ وما منهجية هذا الإصلاح ومعاييره؟ والذي يطفو على ساحة التداول الرسمي والشبكي، هو إصلاح أوزان وأثقال في غالبه؛ تُصَرّْفَ فيها بمنطق الكمّ والثِّقل؛ أُعيد توزيعها عبر مساحاتها الحالية وأضيفت إليها مساحات جديدة تسع الأحمال والأوزان.
وقد يُذهب إلى أن هذه الجوانب ستُعرف في موسمها الدراسي المنتظر، لكن إغفال الإشارة إليها داع للقلق المشروع؛ إذ المشكلة الجوهرية التي أفرزت التوجُّه للإصلاح هما: كثافة معلومات المواد، وطرائق التدريس؛ فإذا كان التوزيع الجديد عالج الكثافة، رغم أننا لا نعلم البرامج الجديدة أو لم يُشَر إليها، وهي “الكل في الكل”، فإن الطرائق مغيَّبة إلى أبعد الحدود، ربما إلى حد إهمال الاهتمام بها، والدول الرائدة عالميا الآن في التعليم، حولتها إلى مخابر مفتوحة للتطوير والتجريب المخبري والميداني، وبنَتْ عليه كلّ رهاناتها لقيادة بلدانها علميا ومعرفيا ومن ثمّ مصيرها الحضاري في مشهده العالمي.
ومما يثير القلق في هذا الذي أخرجته الوزارة للمجتمع من إصلاح، أنه استجابة لضغوط الثقل البرامجي في المقام الأول؛ عمليات الحذف والأوزان. وأقْصُرُ القول على اللغات؛ فقد اعتمدت اللغة الإنجليزية رائدة اللغات التعليمية بما فيها اللغة الرسمية العربية؛ كما وزعت أوزان المعاملات بمعيار شكلي وهو “وطنية اللغة” وعدم وطنيتها. وهذا المنطق منح الإنجليزية صفة اللغة الوطنية الأولى.

كما برز هذا المعيار بشكل لافت للانتباه، وهو التسوية في الأوزان بين اللغات؛ دون اعتبار علمي ولا تاريخي ولا حضاري؛ فاللغة العربية لغة الحضارة الأولى عالميا لقرون، منحت الحضارة المعاصرة روحها العلمي، وهي أنفاس أرواح الأمة الجزائرية في كل مواثيقها منذ الحركة الوطنية، وأحد أكبر أهداف نضالها للتحرر، توزن على السوية بغيرها.
يضاف لهذا أن موس الحذف لم يعبأ بحذفها في شعبتي الرياضيات والهندسة، مع الفرنسية. وهو أقل ما يقال فيه أنه تعجُّلٌ، أو خطأ تقدير . لأن الفكر الوطني ستتداعى أفكاره واستنتاجاته. منها أن العربية، الوجه الأبرز للهوية الوطنية مع الإسلام، يمكن جزرُها عن الجسم الوطني في منطقة ما منه، وهو هنا “الرأس”، فيتحول الجسم الوطني إلى حالة “الموت السريري”.

وإذا رأى بعضهم في القول مبالغة؛ فإن الفكرة الثانية المتداعية للفكر ، أن قطعها من قمة الشُّعب العلمية “الرياضيات والهندسة” قطعٌ لأجيالها عن اللغة العربية؛ فالإنجليزية تنتظرهم في الجامعة لتكون لهم لغة العلم الوحيدة. وينقطعون البتة عن العربية، فتصير لهم شيئا غريبا. وهنا نكون قد أسَّسنا لغربة حضارية جديدة وأزمة نفسية عويصة؛ نتيجة فصام نكد يتلبَّس نخبة الأجيال. كما أن اللغة العربية مع الفرنسية يرسل رسالة مخيفة وهي التسوية بينهما كحجَّة لاجمة!
كما برهن الحذف على تناقض معيب؛ فإن يكن المبرر هو أن تكون الإنجليزية هي لغة العلم في الجامعة؛ فكيف أبقي على العربية في شعبة العلوم التجريبية، وتُحذف في الشعبتين العلميتين الأخريين؛ وهي التي سيذهب منها للجامعة طلابُ العلوم الطبية، التي تقف في المرتبة نفسها لتخصصات العلوم الهندسية والرياضية؟!
أما المشكل الأعمق في هذه العملية فهو حرمان الأمة من تطوير لغتها العالمية العربية لتعود إلى وضعها الحضاري الطبيعي؛ لغة العلوم. لأن التفكير الصائب والحضاري والوطني هو أن ننطلق معرفيا وعلميا في جو الحضارة العالمية بالتحكم في لغتها العالمية الأولى “الإنجليزية” مع رسم استراتيجية وطنية لتكون اللغة العربية لغة العلم في مدى زمني محدَّد ومدروس علميًّا، ومن ثمّ ندخل الحضارة والعالم بشخصية أصيلة ثرية، فالعربية مع الأصالة الوطنية التي صنعتها هويتنا عبر قرون التاريخ رسَّختها ثورة التحرير وقيمها الخالدة قيما حاكمة وموجهة للمعرفة والعلم عالميا تساهم مع التوجهات الأخلاقية في العالم، في إعادة التوازن بين العلم والأخلاق، وإنسانية الإنسان، وتقدير سخاء الكون مع الإنسان بإذن من خالقه سبحانه وتعالى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!