حصار سيرت يتحول إلى جريمة كبرى
يتواصل حصار مدينة سيرت الليبية منذ ما يقارب الشهر. وتخضع هذه المدينة، التي تعتبر معقل الزعيم الليبي الأسبق معمر القذافي، تخضع منذ أسابيع طويلة لقصف مستمر وتدمير متواصل من طرف قوات المجلس الوطني الانتقالي، بمساندة طيران الحلف الأطلسي الذي يمنع القوات الموالية للقذافي من أي تحرك.
- وانتشر الخرب والدمار في سيرت، رغم صرخات الإغاثة التي أطلقتها المنظمات غير الحكومية، وخاصة منها الهلال الأحمر الدولي. وكانت القوات التي بقيت وفية للقذافي قد عرفت منذ أشهر أنها لن تستطيع أن تواجه قوات المجلس الانتقالي، لأن طيران الحلف الأطلسي يمنعها من ذلك. فتراجعت الوحدات الأكثر انضباطا وتنظيما لتتجمع في سيرت، حيث اختارت أن تفرض مواجهة لا يستطيع الطيران أن يتدخل فيها بكثافة. إضافة إلى ذلك، فإن سيرت هي معقل القذافي وقد أعطاها الكثير في الماضي، فكان سكانها أوفياء نوعا ما وساندوه.
وظهرت الوحدات الموالية للقذافي بوجه لم يكن معهودا. فبينما كان المجلس الوطني الانتقالي يقول إن مدينة سيرت على وشك السقوط، لم تكتف وحدات النظام السابق بالمواجهة بل شنت هجوما أجبر قوى المجلس الانتقالي على التراجع إلى مشارف المدينة. واختلطت الدعاية لدى السلطة الجديدة، التي كانت تقول إن أنصار القذافي لا يتحكمون إلا في جزء صغير من أحد أحياء سيرت، قبل أن يتضح أن هناك مقاومة حقيقية في المدينة.
وتحولت سيرت إلى رمز قوي جدا. وقال المجلس الانتقالي إنه ينتظر سقوطها ليعلن تحرير التراب الليبي كاملا. أما القوات الموالي للعقيد القذافي، فإنها تقاوم لأنها قضية حياة أو ممات، وليس لديها ما تخسر. ولعل العقيد القذافي نفسه يعتبر أنه في موقع عمر المختار، في مواجهة قوى أجنبية وأخرى عميلة لها، ولعله يعتبر أنه من الأفضل أن يسقط شهيدا ليبقى رمزا بدل أن يكون سجينا بين أيدي أعدائه، مما يزيد أنصاره قوة.
ولا شك أن هذا الوضع يحرج كثيرا قوى المجلس الانتقالي، التي تضاعف من هجماتها حتى تقضي على آخر رموز النظام القديم. وكلما طال الحصار، كلما زادت المعارك عنفا، مع تضاعف مستوى المقاومة، إلى أن تدخل ليبيا آخر مرحلة قبل الحسم النهائي. وتبقى سيرت تعيش الجحيم لأنه عليها أن تدفع الثمن: إنها مدينة القذافي، ومعقل عشيرته، ومنبع السلطة في عهده، وفيها تدفقت الخيرات وفي شوارعها كان يسيل نهر السلطة الليبية، ومنها كانت تصدر الأوامر، ولو رمزيا، لقمع المعارضين واغتصاب الحريات… ومن هذا المنطق، تعاني سيرت من القصف العشوائي الأعمى، واستعمال المدفعية الثقيلة والصواريخ ضد الأحياء السكنية، وتحطيم كل المباني التي يحوم فيها الشك أنها ملاجئ لعناصر من “كتائب القذافي”، وأخذ الثأر من طرف كل الذين كانوا يعانون في عهد النظام السابق، خاصة منهم المحاربون الذين انضموا إلى الثورة في آخر لحظة والذين يريدون أن يبرهنوا على شجاعتهم بالمشاركة في تحطيم المدينة.
وقد أدى هذا الوضع إلى زحف عدد من السكان خارج المدينة، حيث أن أكثر من ثلث المائة نسمة التي تعيش عادة في سيرت قد غادروها. ورغم ذلك، فإن الصمت بقي متواصلا حول المأساة التي تعاني منها المدينة، ولم يتحرك قادة الغرب الذين دخلوا ليبيا باسم حقوق الإنسان. ولما طالت المعاناة، أصبح من المستحيل السكوت عنها، خاصة بعد أن انتشرت أخبار عن ثلاثة طرق مختلفة لكنها تؤكد مدى المأساة التي تعيشها سيرت.
وقد تكلم مسؤولون في الهلال الأحمر الدولي، وقالوا إن الوضع في سيرت بلغ حدا لا يطاق، وأن المدنيين أصبحوا أول ضحية للوضع، وأن قواعد الحرب أصبحت غير محترمة، وأن القوى الدولية لا تحترم القرار الأممي الذي يكلفها بحماية المدنيين.
ثم جاء شهود عيان، ووصفوا ما شاهدوا، فتكلموا عن المستشفى الذي انهار فيه سقف قاعة العمليات، وعجز الأطباء عن القيام بواجبهم لأن الهواء مفقود. وأخيرا توزيع أشرطة فيديو شاهد العالم من خلالها كيف تم تحطيم المدينة، وكيف تم تدمير عمارات كاملة بسبب القصف أو الحرائق. وأصبح من المستحيل إخفاء هذه الحقيقة، إن ما يحدث اليوم في سيرت هو ما حدث بالأمس في الفلوجة، لما قامت قوى تدعي الحرية والديمقراطية بتدمير مدينة كاملة من أجل تكسير المقاومة، فدمرت المدينة لكنها صنعت رموزا لا تموت…