حضر رونالدو وميسي.. وغاب زرهوني ومليكشي
ألقيتُ يومَ الخميس الموافق لـ15 ربيع الأوّل الجاري، وبالتزامن مع ذكرى المولد النبويّ الشّريف، محاضرة في إحدى الإكماليات، حاولتُ التّركيز خلالها على ضرورة أن يتعلّم أبناؤنا التلاميذ علوّ الهمّة وبعد الطّموح من سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم، وأكّدت على ضرورة تحلّي طالب العلم بالجدية والنّظام وحسن استغلال الوقت وتقليص هامش اللّهو والعبث الذي تحوّل في واقع كثير من التلاميذ والطّلبة إلى أصل، بينما تحوّلت الجدية إلى هامش، وقدّمت للتلاميذ نماذج عن علماء الأمّة المعاصرين، الذين برعوا في مختلف العلوم، وأذهلوا الغرب في التخصصات التي أبدعوا فيها.
في نهاية المحاضرة، سأل المراقب العام للإكمالية التلاميذ الحاضرين، والذين يظهر من سيماهم أنّهم من الأخيار، عن أسماء لاعبي كرة القدم الذين تصدّروا قائمة أفضل اللاعبين خلال 2016م حسب تصنيف جريدة فرنسيّة مشهورة في هذا المجال، فكانت إجاباتهم موفّقة، وعدّوا كلا من رونالدو الفائز بالكرة الذهبية، ووصيفه ميسي، وأسماء أخرى لا أذكرها ولا أحفظها، وهم الذين كانوا قبل ذلك مشدوهين لأسماء العلماء الذين ذكرتها ولم يسمعوا بها من قبل…
هي محنة يعيشها كثير من طلبة المدارس وطلبة الجامعات، فضلا عن عامّة الشّباب، الذين يتابعون أخبار الكرة أولا بأوّل، ويهتمّون بجديد نجومها، ولا يكاد يفوتهم منها صغير ولا كبير، بل ويذهب بعضهم بعيدا إلى حدّ الاقتداء بهؤلاء النّجوم في أزيائهم وتسريحات شعورهم، وربّما يتطلّع بعضهم إلى أن يتمثّلوا جوانب أخرى في حياة بعض النّجوم، الذين لا يرعون دينا ولا خلقا، وتتحدّث الجرائد والمواقع عن مغامراتهم الطّائشة، إلى حدّ يصل إلى الشّذوذ وإلى العلاقات المحرّمة، ويكفي في هذا الصّدد أن نمثّل بما نشرته كثير من المواقع والصّحف مؤخّرا عن أحد هؤلاء المشاهير، أنّه أعلن رغبته في الزّواج من صديقته التي أنجبت منه طفلين!
شبابنا لا يهمّهم أن يكون اللاعب نصرانيا أو يهوديا أو ملحدا، المهمّ بالنّسبة إليهم أنّ كلّ ما يفعله هو من لوازم النّجاح والنّجومية. خاصّة وأنّهم يتابعون كيف يحتفي العالم بهؤلاء النّجوم، وكيف يحصلون على أموال لا يحصل عليها الرؤساء والعلماء والمخترعون.
إنّها نكبة عظيمة أن يتعلّق شباب الجزائر بأمثال كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، ويغيب عن أذهانهم أمثال إلياس زرهوني ونور الدين مليكشي؛ البروفيسور إلياس زرهوني، العالم الجزائريّ الذي اضطرّ للهجرة إلى أمريكا، وأصبح أستاذا في واحدة من أرقى جامعاتها أواخر السبعينات، وهو لا يزال في الثلاثينات من عمره، وتوجّت أبحاثه بابتكار أحد أنواع جهاز التصوير المجسم “السكانير”، كما استطاع المساهمة في تحويل صور “السكانير” العادية إلى صور عالية الدقة “High Definition”، وقد نال 8 براءات اختراع عن اكتشافاته في التصوير الإشعاعي، ومُنح الميدالية الذهبية للعلوم في أميركا.
أمّا البروفيسور نور الدين مليكشي، الذي ربّما لا يسمع به كثير من طلبة الجامعات فضلا عن غيرهم، فهو واحد من أكثر الباحثين العرب شهرة في أمريكا، وقد نال شهرته بفضل الاكتشافات العلمية التي كان وراءها، والتي ساهمت بشكل كبير في أهم مهمة علمية لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) على سطح المريخ، وهو الآن يملك أكثر من 16 براءة اختراع مسجّلة باسمه، تتعلّق أكثرها باختراعات لأجهزة وألياف بصرية متطورة وصغيرة وسهلة الاستعمال، تُستخدم في مجالات التشخيص في الطب وعلاج الأسنان والهندسة المدنية وعلم المحيطات.