-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
فلاحون ينهون حيرة المواطنين بشأن الاحتفاظ بالأضاحي

حظائر مع التكفل التام لرعاية الخرفان المستوردة إلى يوم العيد

سمير مخربش
  • 249
  • 0
حظائر مع التكفل التام لرعاية الخرفان المستوردة إلى يوم العيد
ح.م
تعبيرية

تتواصل رحلة أضاحي العيد المستوردة حتى بعد خروجها من نقاط التوزيع، لتبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن عملية الاقتناء نفسها، عنوانها الكبير: “أين نضع الخروف؟”. فبعد الإقبال الواسع الذي سجلته منصة اقتناء الأضاحي، وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام ضرورة ملحة، تتعلق بكيفية الاحتفاظ بالأضحية خلال الأيام التي تسبق عيد الأضحى المبارك، خاصة بالنسبة للعائلات القاطنة وسط المدن والعمارات والطوابق الشاهقة، حيث تغيب الإسطبلات والمساحات المناسبة، وتتحول رعاية الخروف إلى عبء يومي يتطلب خبرة ووسائل خاصة.
وفي ظل هذا الواقع، برزت مبادرات ميدانية غير مألوفة قادها بعض الفلاحين ومربي المواشي، تتمثل في فتح إسطبلاتهم أمام المواطنين لاحتضان الأضاحي المستوردة مقابل مبالغ مالية، في تجربة تجمع بين الخدمة الفلاحية والحل الاجتماعي، وتخفف الحيرة التي رافقت الكثير من العائلات منذ شروعها في استلام خرفانها القادمة من الخارج.
وللوقوف على العملية ميدانيا، تنقلنا إلى أحد هذه الإسطبلات بمدينة سطيف، بالقرب من سوق المواشي المحاذي لسوق السيارات والمذبح، حيث قرر المربي إسحاق تحويل جزء من نشاطه إلى فضاء خاص لاستقبال أضاحي العيد المستوردة فقط دون الأضاحي المحلية. وبمجرد الوصول إلى المكان، بدت الصورة غير بعيدة عن الإسطبلات التقليدية، فالمكان منظم، وروائح العلف والفضلات الحيوانية تسيطر على المحيط، فيما كانت الخرفان المستوردة موزعة داخل حظائر نظيفة تخضع لرقابة دائمة.

إيواء وإطعام وحتى “الفسحة” مضمونة
استقبلنا إسحاق بابتسامة عريضة، قبل أن يقودنا في جولة داخل الإسطبل الذي يصفه من دون تردد بأنه “إسطبل 5 نجوم”. يقول وهو يشير إلى الخرفان: “الأمر ليس مجرد مكان لوضع الخروف وتركه، نحن نوفر له كل ظروف الراحة والعناية. هناك علف متوازن، نظافة يومية، متابعة صحية، وحتى التلقيح يدخل ضمن الخدمة”.
ويشرح محدثنا أن تكلفة الاحتفاظ بالخروف محددة بـ300 دينار لليلة الواحدة، وتشمل الإيواء والعلف والحراسة والرعاية البيطرية، مضيفا أن الخروف المستورد يحتاج معاملة خاصة بسبب الرحلة الطويلة التي قطعها قبل وصوله إلى الجزائر. ويؤكد في هذا السياق: “الخروف جاء عبر الباخرة وقطع مسافات طويلة، لذلك يستفيد مباشرة من دواء ضد الإجهاد ليساعده على التأقلم مع البيئة الجديدة، كما نقدم له لقاحا ضد مرض المرّارة، وهذه أمور ضرورية للحفاظ على صحته”.
ولا تتوقف الخدمة عند حدود الإيواء والإطعام والتلقيح، بل تمتد إلى ما يسميه إسحاق مازحا “تحويسة الخروف”، إذ يتم إخراج الخرفان إلى المراعي المجاورة، للاستفادة من الرعي والتفسح في الهواء الطلق، وهي تفاصيل يراها صاحب المبادرة جزء من “الخدمة الممتازة” التي يقترحها على الزبائن.
ورغم أن التجربة لا تزال في بدايتها، إلا أن الإقبال مرشح للارتفاع بعد توسيع عمليات الاستلام بولاية سطيف وما جاورها، خاصة من طرف العائلات التي لا تملك أي خبرة في تربية المواشي. أحد المواطنين الذين التقيناهم بعين المكان قال إنه لم يجد أي حل آخر للاحتفاظ بخروفه داخل شقة بالطابق الخامس، ولمدة زمنية ليست بالقصيرة، مضيفا: “لا أستطيع وضعه في الشرفة ولا داخل البيت، والخروف يحتاج عناية وأكلا ونظافة، لذلك فضلت تركه عند أهل الاختصاص إلى غاية يوم عرفة”.

العناية البيطرية ضرورية
وفي المقابل، يحرص أصحاب هذه الإسطبلات على فصل الخرفان المستوردة عن السلالات المحلية، وهي نقطة يعتبرها المختصون ضرورية لتفادي أي اختلاط قد يؤثر على الخصائص الوراثية للثروة الحيوانية الجزائرية.
وفي هذا الإطار، اتصلنا بالطبيب البيطري الدكتور سليم ناصر من بلدية بازر سكرة بسطيف الذي يقول في تصريح لـ”الشروق اليومي”: “عزل الخرفان المستوردة عن المحلية إجراء وقائي فقط، لا يحتاج إلى تهويل لأن التزاوج يبقى محدودا والنعجة لا تتقبله بسهولة لأن عليها تخفيض بعض الهرمونات وتكون مهيأة للتزاوج الذي لا يحدث بسهولة، لكن يفضل الفصل بين السلالة المحلية والأجنبية، لأن الخروف المستورد يحتاج إلى نظام غذائي خاص فلا يمكنه الشروع في أكل العلف المحلي مباشرة، بل على المربي أن يعطيه في البداية التبن والماء فقط، وبعد يومين يشرع في إعطائه النخالة المركزة وبكميات قليلة ترتفع تدريجيا تجنبا لأي تسمم معوي. والخطر الكبير يكمن في إعطائه الخبز أو قشور بعض الفواكه مثل البطيخ، مثلما يفعل بعض المواطنين، والتي تبقى عادة خطيرة جدا على صحة الخروف المستورد وقد تؤدي إلى نفوقه في الحين، ولذلك فإن الأمر في غاية الأهمية”.
ويضيف محدثنا: “إن رعاية الخروف المستورد ينبغي أن تكون بالاستعانة ببيطري مختص يتابع العملية عن قرب، لأنه يحتاج إلى عناية بيطرية خاصة، وهذا الخروف يبقى بحاجة إلى فيتامينات للتخلص من إجهاد السفر بعد المدة التي قضاها في الباخرة، كما ينبغي أن يستفيد من تلقيح ضد مرض المرارة، وبالتالي فإن الرعاية الجيدة والتغذية المتوازنة خلال هذه الفترة تساهم في الحفاظ على الخروف المستورد في أحسن الظروف ويفضل أن تكون بمتابعة بيطرية”.
وبين حيرة المواطنين الباحثين عن مكان آمن لأضحيتهم، واستغلال الفلاحين لخبرتهم في تربية المواشي لتقديم خدمات جديدة، تبدو هذه المبادرات وكأنها ولّدت نشاطا ميدانيا غير مسبوق فرضته طبيعة المدينة الحديثة وتغير نمط العيش. فالأضحية التي كانت توضع في المستودعات والمنازل والأحياء الشعبية، أصبحت اليوم تحتاج إلى إقامة خاصة بإشراف مختصين، في صورة تختصر التحولات الاجتماعية التي رافقت تفاصيل عيد الأضحى التي ترتبط اليوم بالرقمنة والعناية الخاصة.

…ولـ”المحلي” الرعاية ذاتها
غالبية زبائن الخروف المحلي يتركون خرفانهم لدى الباعة بعد التأشير عليه، ويعودون في يوم وقوف عرفة لنقل خرفانهم إلى منازلهم، لكن هناك من يقتني خروفه من ولايات بعيدة تُشدّ إليها الرحال في كل موسم عيد أضحى مثل الشريعة في ولاية تبسة والضلعة في ولاية أم البواقي وأولاد جلال والجلفة، وهو ما يجعل المواطن يلجأ إلى إسطبلات مماثلة حتى يُبعد منزله عن رائحة الحرفان خاصة في أيام الحر.
يقول نوبلي طاهر، الذي جاء إلى الإسطبل وفي صندوق السيارة خروف العيد، يبحث له عن مأوى آمن: “سافرت إلى مدينة الونزة بولاية تبسة واشتريت أضحية العيد، وأنا الآن أبحث عن إسطبل يتكفل بإيواء الخروف، بمقابل مالي وكفاني الله وعائلتي التنظيف اليومي والحراسة حتى لا يرمي الخروف بنفسه من الطابق الرابع الذي أقطنه بعمارة بحي الهضاب”.
بينما يبدو أصحاب الإسطبلات من موالين وفلاحين متفهمين لظروف المواطنين، وأسعارهم تبقى في المتناول، حيث يدفع المواطن مبلغ 3000 دج مقابل عشرة أيام من الرعاية يعيش فيها الخروف الحياة البرية المتعود عليها من رعي بالخصوص في سنة استثنائية من حيث الخصوبة.
أجواء العيد بدأت فعلا تسيطر على الجو العام، وفي الإسطبلات والمراعي والمستودعات الكبرى ترى الذين فرملوا جماحهم وكبحوا فضولهم، قد انطلقوا الآن لأجل اختيار الأضحية واختيار المكان الذي يأويها، بعيدا عن الشقق الضيقة، التي بالكاد تأوي الأسرة بكامل أفرادها، فما بالك أن ينزل عليها ضيف بثغائه ورائحته ومخلفاته لعدة أيام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!