حوار مع الكاتب العراقي كه يلان محمد: رحلة لاستكشاف عالم النقد وغوص في الرواية العربية
منذ فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب قبل 35 عامًا، لم تحقق الرواية العربية تتويجا بهذا المستوى على الساحة العالمية بالرغم من زيادة إصداراتها. يتحدث كه يلان محمد إلى “الشروق أونلاين” عن الرواية العربية التي يتوقع أن يبلغ عدد كتابها في السنوات القادمة معادلا بل ممكن أن يفوق عدد القراء. كما يحدثنا أيضا عن ثالث فعل في الكتابة الروائية بعد كل من الكتابة والقراءة، ألا وهو النقد، وعما يضيفه.
كه يلان محمد كاتب وناقد عراقي صدر له مؤخرا “كهف القارئ”، وقبل هذا العنوان كتاب آخر بعنوان “مأدبة السرد” أين جمع حوارات أجراها مع روائيين عرب. كما ينشر كذلك عبر عديد المنابر الإعلامية نصوصا نقدية وقراءات في روايات، كما له مساهمات أخرى في الساحة الأدبية.
الشروق أونلاين : بداية، هلا حدثتنا عن تجربتك في مجال النقد الأدبي وكيف بدأت هذه الرحلة؟
كه يلان محمد : الطريق إلى هذا المجال بدأ بقراءة الأعمال الأدبية والاستكشاف للعالم كما يبدو في النص الأدبي وفي ذلك تتقاطع دروبي مع جلّ المهتمين بالأدب. وقد يوافقني كثيرُ من المتابعين بأنَّ النقدَ هو مرحلة لاحقة لتذوق النص الأدبي في رحلة القراءة. ومن ثمَّ ما تراه مكتوباً عن النص الإبداعي قد يثير الاستغراب ماذا يضيفُ النص الثاني إلى الأول ؟! هل يكشفُ كواليس الطبخة الإبداعية ؟ هذا الموقف المريب هو ما يقودك نحو ملعب القراءات المتعددة إلى أن تدرك بأنَّ النص الحيوي يضمرُ نواةً مفجرة لسلسلة من التأويلات والإحالات، ويجبُ أنْ لا يذهبَ بنا الظن إلى الاعتقاد بأنَّ ما يكتبهُ الناقد دائما يفوقُ قيمةً على ما يقوله القارئ غير المختص بشأن النص شفوياً أو ما يعبرُ عن رأيه سواء من خلال التعقيب أو المنشور.
نحن في زمن القراءات المُتجاورة لا مجال لممارسة الأبارتايد المعرفي، إذن النقد ليس معتركاً لتشابك المُصطلحات والتعقر المَفاهيمي بقدر ما هو مُحاولة لتقديم أدواتٍ تزيدُ من الحس الجمالي لدى المُتلقي بالطبع فإنَّ قراءتك للنص الروائي وأنت مدججُ بالوعي النقدي تُمكنك من تحديد مواصفات المعطي الأدبي، ومن العناوين التي أفادتني للانقلاب على النظرة الاختزالية للنص هو “تحليل الخطاب الروائي” سعيد يقطين، “المتخيل السردي” عبد الله إبراهيم، “تقنيات السرد الروائي” يمنى العيد، “أساليب السرد في الرواية الغربية” صلاح فضل، “الرواية والقيم” لطيف زيتوني، “الخطاب الروائي” ميخائين باختين، “في نظرية الرواية” عبد الملك مرتاض، ولا تنتهي قراءاتي لمؤلفاتٍ نقدية بالوقوف عند هذه المحطة من العناوين، آخر ما تابعته على المستوى النقدي هما دراستان عن المرحلة الذهنية لأدب نجيب محفوظ.
ومن نافلة القول بأنَّ من يرغب التحرك على أطلس النص الأدبي مُتطلعاً بالحس الاستكشافي فلابد من البحث عن المستندات الجديدة في الحقول المعرفية باستمرار وهذا ما يبعد عن القراءة جاثوم الرتابة والاجترار. ما يجدر بالذكر هنا أنَّ ما توصلت إليه بفضل متابعتي لكتب ميلان كونديرا كذلك ما تنشره الروائية العراقية لطفية الدليمي هو وجود المناطق المشتركة بين الرواية والعلم من جهة ودور المزاج الموسيقي في تركيبة العمل الروائي من جهة أخرى.
ما هو واقع النقد الأدبي في العالم العربي اليوم؟
قد يكون الحراك النقدي غير مواكبٍ لزخم الإصدارات الأدبية، لكن ذلك لا يعني بأنَّ النقد لم يعدْ جزءاً من المشهد الثقافي ولا يصح تقييد النشاط النقدي وفعالية العمل المعرفي بالردهات الأكاديمية لأنَّ اختمار العقل النقدي يتطلب التعافي من لعنة التدوير والخمول الاستهلاكي. والأهمُ من النقد هو نقد النقد حتى لا تكون هذه الآلية المعرفية محاكاةً لخطابات وعظية.
كيف يؤثر النقد الأدبي على تجربة القارئ وعلى الكاتب نفسه؟
لا يريدُ كل قارئ الانضمام إلى نادي النُقاد لكن مقعد النقد لا يتبوأه إلا قارئ نوعي يحدوه الشغف إلى رؤية النص وتأمل قيمته من زوايا متعددة نعم ثمة نخبة من المبدعين لديهم مساهمة في المساحة النقدية تقوم عملية الكتابة لدى هؤلاء على جدلية الإبداع وتعدين المفردات النقدية سواءُ بالاستناد إلى التجربة الشخصية أو التنقيب في غابة الأدب عموماً.
لا يُطلبُ من الروائي أن يكون متابعاً للمفاهيم النقدية، لأن مجال الإبداع ليس مختبراً للتأكد من مصداقية النظريات المجردة أو البرامج النقدية ولكن إذا أراد الأديب النهوض بمشروعه الإبداعي ويكتسبُ صوتاً متفرداً فلا مناص من قراءة الأعمال الروائية لمُعاصريه.

“كهف القارئ” للكاتب كه يلان محمد، من منشورات صفحة 7 بالمملكة العربية السعودية. حقوق محفوظة.
وكيف يمكن للنقد تطوير الأعمال الأدبية؟
قد أفاجئك برأيي إذا قلتُ أن النقد لا يلعبُ دوراً محورياً في تثوير النص الإبداعي، لأنَّ الناقد يحتفي بالمنجز ولا يصنعه ولا حتى يشارك في مخاضاته. لا أقصد بقولي هذا التقليل من قيمة النقد لكن لا محالةَ من الاعتراف بأنَّ النظريات النقدية قد يطويها النسيان في غضون سنوات معدودة ولا يقرأها إلا الأقلية فيما لا تغيب النصوص التي تتناول الهموم والتطلعات الإنسانية يبلى الزمن ولا تبلى هذه الأعمال.
وما يفرز بين الغث والسمين هو الزمن وليس النقد.
ألا يساهم الحكم الذي يصدره الناقد في توجيه القارئ مثلا أو التأثير على الكاتب في كتاباته اللاحقة؟
من أباح للناقد بإصدار الأحكام؟ حتى لو أطلق العنان لماكينة نظرياته على صفحات الجرائد أو في وسائط رقمية فرأيه لا يؤثر إلا في مجال محدود ومن يزعم بأن النقد هو يشكل التذوق أو مهمته تتمثل في إصلاح الذوق فلا بُدَّ من مراجعة أفكاره لأنَّ النص الإبداعي هو الذي يساهم في تطوير الذوق والحس فالإبداع أياً كان شكله هو اغتضاب للمألوف من اللغة أو اللون أو الألحان حسب تعبير هاشم صالح.
والغريب في هذا السياق أنَّ أصحاب العقليات النخبوية يستخفون بالمنابر الإلكترونية محتجين على فساد الذوق و ترهل المنشورات مع تدويرهم لمقولة الإمام امبرتكو إيكو الشهيرة ومن ثُم تراهم أكثر عباد الله بحثا عن الإعجابات.
بما أن هناك علاقة مباشرة بين الأدب والنقد، فأين هي الرواية العربية اليوم كما ونوعا؟
الصورة توحي لك بأنَّ عدد الروائيين في التصاعد باستمرار لدرجة يتوقع المتابعُ بأنَّه سيكون عددُ المُلحقين بركب الرواية قد يعادل إن لم يفقْ نسبة القراء في السنوات القادمة. وهذا يعودُ إلى طبيعة هذا الفن المشرعة أبوابه بوجه الجميع بمن فيهم الشعراء الذين غادروا من المتردم، ومن ثمَّ تتيحُ المنصات الرقمية فرصة إشهار المحاجات وتسريد الهموم الذاتية واليوميات والروائي كما يقول كامو هو مؤرخ اللحظة إذن كل ذلك قد يكون مادة لكتابة النص الروائي وبالتالي يتم تقديم أرواق الاعتماد في محفل الروائيين.
طبعا هذا المد الطوفاني في الكتابة ظاهرة عالمية لا تحجبُ قيمة الأعمال النوعية والمحاولات الرامية لحياكة النصوص بجودة عالية هنا يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى بعض الأعمال الروائية التي قرأتها أخيراً “بساتين البصرة” منصورة عزالدين، “الغرق” حمور زيادة، “نهاية الصحراء” سعيد خطيبي، “الجنة أجمل من بعيد” كاتيا الطويل، هذه العناوين تمثلُ برأيي علامات على أنَّ الرواية العربية تنحتُ بلاغتها الخاصة وإذا قرأها متابع غير عربي بلغة أجنبية لا يقولُ هذه بضاعتنا رُدتْ إلينا. أما النقد يستمدُ حيويته من النصوص التي تهزُ الركود اللغوي والإحساس المتبلد.
كيف يمكن أن تؤثر الأوضاع الراهنة في المنطقة، خصوصا الأزمات، على الأدب وعلى الكتّاب؟
الأديب ليس كائناً منقطعا عن واقعه وبيئته وبالتأكيد تلقي الأزماتُ بظلالها على تشكيلته الإبداعية. والدليل على ذلك أنَّ وقائع ما سمي بالربيع العربي أصبحت ثيمةَ في بناء الأعمال الروائية التي صدرت بعد هذا الحدث وقبل ذلك تناولت الرواية العراقية مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي والكوارث التي حلت بالواقع المجتمعي والكيان الإنساني ولا يكتفي النص الروائي برصد التحولات بل يطمحُ إلى استشراف المستقبل والتحديات القادمة وهذا ما تلاحظه في رواية “مشروع أوما” للطفية الدليمي. كذلك الأمر بالنسبة لرواية “الطريق الرابع” للكاتبة اللبنانية ناتالي الخوري غريب.
منذ نجاح نجيب محفوظ بنيله جائزة نوبل منذ 35 سنة، كيف تطور المشهد الأدبي العربي؟
فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل كان تتويجاً لمسيرته الإبداعية الحافلة بالتنوع والتجديد في الصياغة والأسلوب والباحث في عالمه الروائي يجد انعطافاتٍ في تجربة الكتابة بدءاً من “عبث الأقدار” وصولاً إلى أخر ما نشر له بعنوان “همس النجوم” أكثر من ذلك فإنَّ نجيب محفوظ على الرغم من حفره في البيئة المحلية مُستقصيا عن الروح الكونية كان متابعاً لحركة الإبداع العالمي مُتشبعاً بالوعي الفلسفي إلى الآن تحافظ آراؤه بشأن الرواية الجديدة على راهنيتها فهو يناقشُ آلان روب غريبه مؤكداً بأنَّ هذا الجنس الأدبي لا تستنفد صلاحيته بل يتسعُ فضاؤه لتناول المُغامرات الوجودية والمحن الإنسانية. وما يستهجنه الذوق هو تسارع بعض الأقلام لإصدار بيان الوفاة الإبداعي لمؤلف “ثرثرة فوق النيل” فيما لا يوجدُ في مكتبة الرواية العربية ما يوازي أعمال محفوظ مؤججاً للتفكير والتأويل.
يجبُ أن لا يُفهم من الحديث عن مكانة نجيب محفوظ على خريطة الأدب العربي المُعاصر بأنّه قد أخذ بالرواية إلى مطافها الأخير وقفل باب الاجتهاد الإبداعي هذه الرؤية لا توافق منحى التطور الأدبي إذ تتوالى أمواجُ من الأعمال الروائية بأنفاس واتجاهات مُختلفة والعودة إلى محفوظ لا تعني التكريس لثقافة الصنم.
ماذا عن النجاح البارز لكتّاب من العالم العربي الذين يكتبون بلغات أجنبية بالمقارنة مع نجاح الكتّاب الذين يكتبون بالعربية، كيف تفسر ذلك؟
حقق الأدباء العرب نجاحاً لافتاً من خلال كتابة أعمالهم بلغة ثانية هنا يمكن أن نذكر أسماءً بارزة “أمين معلوف، ياسمينة خضرا، كمال داود، ليلى سليماني، طاهر بن جلون” لاشكَّ أن الموهبة هي عامل أساسي وراء نجاح الشخصيات الآنف ذكرها.
كما أنَّ الكتابة بلغة غير مُثقلة بوصايا الرقيب تفتحُ مجالا أرحب للتنفس إبداعيا وتستجيب الثيمات المسكونة بنفحات الأجواء الشرقية لمزاج المتلقي الغربي إذ يريد معرفة مواصفات جغرافية مختلفة، وشكل مغاير من الحياة .
استنادًا إلى تجاربك النقدية، ما هي النصائح التي تقدمها للكتّاب المبتدئين الذين يريدون الولوج إلى مجال الكتابة؟
لا يستهويني أن أكون بموقع الناصح ولا ينقصنا وجود الوعاظ في مجالات متعددة وربما ما يعمق الأزمة في واقعنا هو الإزدياد في نسبة دعاة الحداثة والدين وحُراس الأدب والسياسة كما أضيف حديثاً أساتذة التنمية البشرية والذكاء العاطفي، من الأفضل لكل مبتدئ استطلاع الدروب كلها ولا يتبعُ غير دربه. وما أريد قوله في الأخير صحيح أن الرواية تفترسُ كل شيءٍ وهي مصهر للأفكار والثيمات والعقد البشرية والغاية من قراءتها المتعة قبل المعرفة لكن فهم النص الروائي وتحديد نبرته يستدعي القراءات الرديفة في الفلسفة والعلم والتاريخ والسيرة.