حينما تتسمّم آبار عين صالح ويتأجّج وادي ميزاب
عندما يتسبب التنقيب عن الغاز الصخري في تسمّم آبار عين صالح الصالحة للشرب، وتتأجّج منطقة غرداية بالأحداث والفتن ثم تسيّس بعد ذلك، فمن البديهي أن تشتعل منطقة الجنوب ويحصل ما يحصل، هذا كله والحكومة لا تزال تعتقد أنها تؤدي واجبها وفق حرية الشعب في اختيار مواقفه والاستجابة لردود أفعاله.
أكثر من أي وقت مضى، لا تزال هذه الحكومة تبتعد عن الحلول المجدية، بلعبها دور القاضي في ما يحدث من حراك في منطقة الجنوب الجزائري، وكأنها غير مسؤولة تماماً عمّا يحدث، حيث تتصور أن دورها ينحصر في تقمص دور الحاكم في النزاعات القائمة، متجاهلة بذلك أنها الجاني الفعلي الذي تهاون في تهميش رعيته، وأدار ظهره عندما كان سكان الجنوب حقاً بحاجة إلى قادته في المراحل الصعبة السابقة.
يجب على السلطة أن تقوم بتصحيح مواقفها الخاطئة، وذلك باستدراك ما فات من تهميش ثم تحويل كل ذلك إلى آليات حلول، بعد أن يكون هذا التصحيح مبنياً على مواقف موحّدة بينها وبين أرضية واقع سكان الجنوب، محاولة بذلك تفعيله بواقعية مدركة.
نعم، على الحكومة إضافة كل التغيرات الجذرية، بعدما تضع نفسها مكان الوصيّ الذي أدى إلى وقوع مثل هذه الأحداث، بكل شجاعة وتحمل المسؤولية، وأن تعترف بذلك أيضاً، لا أن تضع نفسها مكان القاضي، فهي الجزء الأساسي من التحولات التي تحدث دائماً، لأن رؤيتها السلبية هي سبب فشلها في إقناع الشارع الجزائري، وهذه الرؤية السلبية جعلتها فعلاً تبتعد عن طابور الحلول، وتقترب أكثر لصف المشاكل.
لقد أصبح من الضروري في الوقت الراهن التركيز على الحلول، والحلول فحسب، حيث يكمن رسوب السلطة في كسب ثقة سكان عين صالح وغرداية في الخطابات السياسية الفارغة، والذي يتلخص سببه كذلك في عدم برمجة توقعاتها بطريقة موضوعية، فالخريطة غير مطابقة لواقع أصحاب المنطقة.
إن البلاد وقعت فعلاً في مأزق الخطاب السياسي، الذي أصبح يتبجح به أصحابُ القرارات، ورؤساء أحزاب السلطة -وحتى المعارضة أحياناً- ليجمدوا به عقل أهل الجنوب بتصريحاتهم التي تصور لنا أن هؤلاء الزعماء يقطنون في كوكب آخر، بعدم استخدامهم أسلوب الثوابت الموضوعية لتحليل منطق خصوصيات المنطقة، وبالتالي فإن معظم الأحكام تبنى على ردود أفعال عاطفية وذاتية، وليس على قيمة الفكرة نفسها.
هذا كله ولا تزال الحكومة تتحدث عن أن صياغة الدستور سيحمل تعديلات حقيقية تتوجه إلى كل الشعب الجزائري لبناء مستقبل البلد عن طريق ممارسة الديمقراطية الحقيقية.
إنه لا يمكن لأي عاقل تصديق هذا الكلام، مقارنة بما يحدث، وهذا ما يبرهن بأن الإصلاح السياسي في الجزائر يواجه تحديات عويصة، وخاصة في منطقة الجنوب وذلك بعد التحوّلات التي انجرت من خلال التستر على المكشوف، والخوف من إظهار الحقائق، فهل هذه التقلبات هي نقمة لمستقبل جنوب البلاد؟ أم مجرد اضطرابات طبيعية تحدث في مثل هذه المواقف على شكل ضريبة يجب أن تدفع كي تقوم قواعد الإصلاح المنشودة؟ أم هو أمر آخر تماماً، يتلخص في كونه وسيلة لإعادة تجديد إيماننا بالديمقراطية؟