داعش والبكاء على صدام حسين
في هذه الأيام، يبكي العراقيون، على اختلاف مكوناتهم ومشاربهم وأعمارهم، رئيسهم صدام حسين، الذي يقال إن عملية إعدامه تمت بحضور سري لكل من الرئيس الأمريكي بوش الابن وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني وأحمدي نجاد رئيس إيران وكان رابعهم عدنان المالكي الذي وقع حكم الإعدام شنقا بتوقيعه الذي يشبه أنشوطة المشنقة.
يبكي العراقيون، سنة وشيعة، نصارى ومسلمين، عربا وأكرادا، صدام حسين، لأنهم في عهده كانوا أكثر أمنا وأمانا، وكانوا أكثر شبعا وريا.
صحيح جدا أن الرجل لم يكن حاكما عربيا نموذجيا كما يطمح العراقيون والعرب عموما، بل لم يكن الحاكم النموذجي الذي قالت به أدبيات حزبه، حزب البعث العربي الاشتراكي، فقد كانت له أخطاؤه الكبيرة والتي لم يستمع فيها إلى كثير من المثقفين العرب من حزبه ومن خارج حزبه حين حذروه منها، مثله في ذلك مثل كل الحكام العرب الذين ما أن يجلسوا على الكرسي حتى يضعف سمعهم لنبض الشارع، ويخف بصرهم عن رؤية مشكلات الناس وتغشى بصيرتهم وتغيم رؤاهم…
ومع ذلك، فالناس يبكون عليه بقلوبهم وعيونهم.. فهاهم النصارى في الموصل، شمال العراق، والذين لهم إسهاماتهم الكبرى في الحضارة العربية الإسلامية عبر قرون، يشردون لأول مرة في التاريخ من ديارهم، لا لشيء سوى أنهم عراقيون والعراق مهد الحضارات ومهد الأفكار والمعتقدات، فهذا هو عراق سومر وبابل ونينوى وذي قار والنجف.. مسلمون سنة وشيعة وآشوريون وكلدان.. فالعراق الذي صنع الحضارة العربية الإسلامية لم يكن فيه أبدا مجال للاقتتال الطائفي، وحين تقاتلوا في تلك الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، مازالوا يبكون الحسين حتى يوم الناس هذا.
وهاهم اليوم يبكون على صدام حسين الذي رفع شأوهم وبنى دولة عراقية خافتها الدول الاستعمارية الكبرى، فضلا عن الدول العربية، ولم تبكهم عليه أفعال المالكي وميليشياته المدعمة أمريكيا وإيرانيا والتي تتغطى بالمذهب الشيعي، بل أبكتهم عليه داعش التي تتغطى بالمذهب السني، التي قالت هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية أمريكا السابقة، إن واشنطن هي التي أوجدت داعش.
والمرء يحار وهو يتلقى عبر وسائل الأعلام هذا الكم الهائل من أخبار داعش وكيف صارت تتصدر نشرات الأخبار وهي لم تكن شيئا مذكورا قبيل أشهر. فهل التناقض الرئيسي لداعش هو نصارى الموصل، وما هو برنامجها هل هو برنامج الماضي أم برنامج المستقبل، ولماذا تزامن هذا الهجوم الوحشي الداعشي على النصارى في العراق مع الهجوم اليهودي الوحشي على قطاع غزة وحركة حماس الإسلامية. فالتوقيت جزء من العمل السياسي، كما ليس في السياسة صدفة بل حسابات.
لم يكن الشعب العراقي شعبا مهاجرا عبر التاريخ بل إن أوضاعه استقرت أكثر فأكثر في عهد صدام حسين. فرغم الأخطاء الكبيرة التي اقترفها الرجل خاصة بنظر المثقفين العرب، سواء لجهة حربه مع إيران أم لطريقة دخوله وخروجه من الكويت، فإن العراقيين كانوا آمنين بل كانت الطوائف الدينية والإثنية هي الأكثر أمانا واطمئنانا، وكان العراقيون أكثر شبعا وأكثر ريا.. أما الآن بفضل الاحتلال الأمريكي الإيراني وبفضل الفكر المذهبي الطائفي انتشر العراقيون في جهات الأرض وصاروا لاجئين، مثلهم مثل الفلسطينيين، وصاروا عرضة للإبادة الشنيعة، ويقول البعض إن صدام أباد حلبجة وحاكموه عليها، فماذا يقولون عن الذي أباد الموصل والفالوجة والأنبار والإبادات التي تتم بصمت في البصرة وغير البصرة من مدن العراق؟
لست في معرض الدفاع عن صدام حسين، فله رجاله وحزبه ومؤيدوه الذين يعرفونه ويعرفون نظامه بحسناته وسيئاته أكثر مني، لكني أتساءل عن داعش، هذه التي طلعت علينا كسهم مندفع من أكثر زوايا تاريخنا عتمة؛ في الوقت الذي كان يقال فيه إن ثوارا عراقيين مسلمين ونصارى سنة وشيعة وعشائر وقبائل كانت في طريقها إلى بغداد لإنهاء حكم المالكي الذي لا يدافع عنه سوى الأمريكيين والأيرانيين وحلفائهم في المنطقة؟
وتأتي داعش في ذات الوقت الذي يحقق فيه الشعب الفلسطيني انتصارا أخلاقيا كبيرا- بل ولعله عسكري في بعض المقاييس- على العدو الصهيوني وحلفاء هذا العدو في المنطقة ومنهم نظام المالكي نفسه الذي اجتث الفلسطيينيين في العراق وألقى بهم في صحراء بادية الشام.
فهل سيبكي العراقيون قرونا على صدام حسين كما يبكون الحسين بن علي؟
إن المؤشرات تقول إن الذين سيبكون طويلا كثيرا على هذا الرجل ويغفرون له أخطاءه وخطاياه ليسوا العراقيين فحسب بل العرب جميعا وأكثرهم بكاء هم الحكام العرب الذين سلموا العراق إلى التقسيم وصدام حسين إلى المشنقة، فهاهو مبارك يرى من سجنه مصر تذوب ونجاته المؤقتة من حبل المشنقة لا تبدو طويلة وكذلك غيره من الحكام العرب.. إنهم يبكون كثيرا وطويلا على رجل وإن أخطأ في سياساته، لكنه لم يخن شعبه ولم يسلمه إلى إذلال المنافي وسيوف داعش العمياء. وربما تكون داعش الأعلى صراخا وندما بعد أن تكتشف أن الأمريكان الذين صنعوها هم بروتس الذي يطعنها بعد أن يقضوا منها وطرا.. فهكذا كان الأمر مع طالبان في أفغانستان..