درسٌ آخر من أفقر رئيسٍ في العالم
خلال مقابلةٍ مع التلفزيون الروسي، قدّم الرئيس السابق للأورغواي خوسي موخيكا نصائحَ ثمينة للبشرية حتى تعيش حياة سعيدة، تتركز حول ضرورة توخي البساطة في الحياة، والتمتع بها بدون إفراط، وتقليل الاستهلاك، ومساعدة الفقراء، وتفادي حياة البذخ والترف والتبذير.. وأكد موخيكا أنه يتّبع نصائحه ولا يترك لنفسه إلا المبلغ الذي يكفيه ليعيش حياة كريمة، ولا يملك حساباتٍ مصرفية يدّخر فيها أموالاً..
هذه النصائح الثمينة التي قدّمها رئيسٌ سابق طالما احترمته شتى شعوب الأرض وأحبّته لبساطته ومساعدته فقراء بلده وأطلقت عليه لقب “أفقر رئيس في العالم”، تصلح “خارطةَ طريق” للجزائريين في عهد التقشف، هذا الشعب الذي يشكو الخصاصة ولكنه يبذّر أزيد من 10 ملايين خبزة يومياً، ويمتعض من الغلاء ولكنه “يُفجّر” ما قيمته 400 مليون دولار من المفرقعات في ليلةٍ واحدة؛ ويشكو الفقرَ وهو ينفق الملايير سنويا على السجائر المُضرّة بالصحّة، وعلى كمالياتٍ لا تُحصى..
لكن هذه النصائح تصلح أكثر لمسؤولينا؛ فمنذ أن تولى موخيكا رئاسة الأورغواي في 2010 وهو يتبرّع بـ90 بالمائة من راتبه الشهري لفقراء بلده، وطالما قال إن المبلغ الزهيد الذي يحتفظ به كل شهر يكفيه للعيش والإنفاق على ضرورياته، وكان متواضعاً جدا إلى درجة أنه فتح قصرَه الرئاسي للمشرّدين إلى غاية بناء دورٍ خاصة لهم. وعندما غادر الحكم في 2015، بقي وفيا لعادته في إنفاق معظم معاشه الشهري على الفقراء و”لا يترك لنفسه إلا ما يكفيه ليعيش حياة كريمة” ولا يملك حساباتٍ مصرفية ليدّخر فيها، ولا يخشى في ذلك الفقر، فلماذا لا يقتدي مسؤولونا به ويتنازلون لفقرائنا عن جزءٍ من مرتباتهم وهم الذين طالما صدّعوا رؤوسنا بالحديث عن التقشف ودعوا إليه الشعب؟ أليس الأولى أن يطبّق هؤلاء التقشف على أنفسهم أولاً فيكفّوا عن الغرق في التبذير والإنفاق الجنوني على الكماليات وهدر الأموال في مظاهر البذخ والمباهاة، وأن يتنازلوا لفقراء البلد عن جزءٍ من مرتّباتهم الضخمة؟
لو فعلتها السلطة وقامت باقتطاع نسبٍ من أجور المسؤولين السامين في مختلف المواقع، من وزراء ونواب وغيرهم، وأودعتها في الخزينة العمومية، ولو حاربت مظاهر البذخ والأبّهة الفارغة في الاجتماعات الرسمية للمسؤولين، وفي مواضعَ أخرى كثيرة يُهدر فيها المالُ العام، لكسبت مصداقية في حديثها عن التقشف، ولكانت نِعم القدوة للشعب في ذلك، أما أن تكتفي بدعوته إليه، وتنسى نفسَها، فلا قيمة لما تقوله.
نذكر أخيراً أن هناك من يشبّه الرئيس غير المسلم موخيكا بعمر بن عبد العزيز في عدله، وبساطته، وتواضع عيشه، وحبِّه للفقراء والمساكين، وهو تشبيهٌ لم يحظَ به أحدٌ من “أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ” الذين يحكمون 56 دولة إسلامية!