دورات “روحية” لمنافسة الرقاة والنفسانيين!
بعيدا عن ظاهرة الدورات التكوينية لتخريج صحفي في 5 أيام، وحصولك على دبلوم في التمريض والحلاقة وغيرها في 3 أيام، وتكوين للتدريب على الزواج بـ 5 ملايين سنتيم، وتكوينات أخرى تدوم يومين فقط.. وغيرها كثير من التكوينات التي تسلب الباحثين عنها الملايين، مقابل بعض المعلومات التي يمكن للفرد الحصول عليها مجانا من “غوغل”، والجديد في هذه الظاهرة، ظهور تكوينات “غريبة” يشرف عليها مختصون في ما بات يعرف بـ”التنمية البشرية”، وهي تكوينات مكلفة جدا، لا نفهم معناها ولا مغزاها، إذ يصل ثمن دورة ليومين فقط حتى 15 مليون سنتيم.
دورات التنمية البشرية باتت منتشرة جدا على منصة “فيسبوك”، التي تشرف عليها أكاديميات تضم مدربين يقدمون دورات في مواضيع عديدة، تبدو غريبة علينا، ومنها دورات التشافي العميق والغوص في أعماق الرّوح، شحن الجسد بالطاقات النورانية، تنظيف العقل الباطن والهالة والروح والنفس، استخراج الرسائل الإلهية لرفع مستوى الوعي، “تنظيف الهالة والشاكرا”ت.. وغيرها كثير من المسميات التي لا يمكن فك شيفرتها من المواطنين العادييّن، إلى درجة أن إحدى السيدات سألت مدربة في هذه الأكاديميات، إذا كان بإمكانها إحضار “الجافيل والمنظفات” للمشاركة في دورة أطلقت عليها المدربة اسم “كنس الطاقات وتنظيف بوابات الطاقة والعراقيل الروحية”..!
والغريب في أمر هذه الأكاديميات التي اكتسحت مؤخرا منصات التواصل الاجتماعي، التي تستعين بمدربين من تونس ومصر ودول عربية أخرى، ويقبل عليها الجزائريون بشدة، أنهم يدخلون الرقية في دوراتهم، بينما يصل ثمن جلسة واحدة، بحسب ما رصدناه، إلى قرابة 4 ملايين سنتيم.
يهربون من الطب النفسي نحو التنمية البشرية
وتعرف هذه الدورات إقبالا كبيرا من المواطنين، المصابين بمختلف الأمراض النفسية، من اكتئاب وقلق ووسواس قهري وانفصام شخصية.. إذ تجدهم يفضلون هذه الجلسات الشفائية التي تتم على العلن، وبحضور عشرات الأفراد، بدل زيارة طبيب نفسي يضمن لهم السرية والخصوصية وبمبلغ زيارة لا يتعدى 2000 دج.. بمبرر عدم ثقتهم في الطب النفسي، بينما يقدمون كل ما يملكون لخبير مجهول يخلط الرقية مع التنمية البشرية وأمور أخرى.
ويحذر الأئمة على منابر المساجد، من هذه الظاهرة التي يعتبرونها دخيلة على المجتمعات المسلمة، مشددين على أن القرآن وتعاليم الإسلام أكبر علاج لمختلف الأمراض النفسية والجسدية والروحية.
القرآن.. شفاء ورحمة
وفي هذا الصدد، قال المنسق الوطني لنقابة الأئمة وموظفي الشؤون الدينية، جلول حجيمي، إن من أعظم المكاسب التي يحققها القرآن الكريم، ضبط الحالة النفسية والروحية للأفراد، وإضفاء حالة من الطمأنينة والسكينة عليهم.
وقال: “كثير من الجزائريين يحضرون دورات التنمية البشرية بحثا عن الصفاء الروحي والذهني، مقابل دفع الملايين، في وقت، المداومة على قراءة وحفظ القرآن الكريم، والمداومة على أذكار الصباح والمساء وقبل النوم.. تغرس في نفوس المسلمين، كل ما يبحثون عنه من استقرار وتوازن عاطفي ونفسي”.
وبحسبه، فالفرد المؤمن بقضاء الله وقدره، وبعدل الخالق وحكمته، لا يمكنه الدخول في حالة اكتئاب أو قلق، كما أنه من واجب المؤمن الصادق أن يكون “شاكرا عند الرخاء، صابرا عند البلاء”. وبالقرآن تتلاشى شوائب الفكر وتختفي وساوس الشيطان، وتطرد روح الشر وميول العدوان، كما أنه علاج للقلوب والعقول، وتوازن نفسي.
وقال إن مثل هذه الدورات التي يقبل عليها الجزائريون مؤخرا، التي تدعو إلى الاستعانة بالتأمل فقط، وبإمكانية تحقيق الثروة في ظرف شهر فقط، أو شفاء الأمراض الجسمية دون علاج، قد تساهم في تدهور الحالة النفسية للشخص أكثر، في حال لم يحقق كل هذه الأحلام في ظرف أيام بحسب وعد المدرّبين.
من جهة أخرى، حذر المختص في علم النفس، حسام زرمان، من ظاهرة فتح أكاديميات لتقديم تكوين في اختصاصات يفقهها الأطباء النفسانيون فقط، ومنها ما تعرضه إحدى الأكاديميات بالجزائر العاصمة، وهو تكوين لتصبح معالجا في التنويم الإيحائي والمغناطيسي، وذلك بعد تكوين يستمر لمدة يومين فقط في الجزائر العاصمة، وبمبلغ 15 ألف دج. وبحسب قول زرمان “كثير من هذه المراكز تقدم شهادات مزيفة لعلاج النفس، ولفتح أكاديميات”.
مدربة: نساعد المصابين بالاكتئاب والأزمات النفسية
ولرصد الظاهرة عن قُرب، تواصلنا مع أكاديميّة تدريب متواجدة بالبليدة، تقدم مختلف التدريبات والدورات النفسية، واستفسرنا من إحدى المُشرفات عليها عن ماهية هذه التدريبات ودرجة الإقبال عليها.
ومن بين الدورات أو كما يسمونها المناهج التي يقدمها هذا المركز والتي تدوم مدتها يومين فقط، أكدت محدثتنا أنها تتمثل في “منهج الرّيكي الياباني، مبادئ أوزوي للكتابة والتأمل، تمارين التفعيل، الشّحن الذاتي للأعضاء، علاج شكرات الآخرين، الأكياس السوداء، تقنيات هوي يين.. وهي عبارة عن جلسات تأمل وشحن الجسم بالطاقة الإيجابية، وأضافت في شرحها لهذه الجلسات العلاجية النفسية والهدف منها “هي ممارسات تساعد الفرد على الاسترخاء واستعادة نشاطه وقوته وسعادته، خاصة للمصابين بحالات اكتئاب أو ما بعد الصدمة النفسية”.
وكشفت محدثتنا بأن الإقبال على هذه الدورات في الوقت الراهن “ضعيف من طرف المواطنين، بينما نتلقّى اتصالات من مختصين نفسانيين للمشاركة فيها”. وقالت “تأتينا اتصالات من بعض المواطنين يتّهموننا بالشعوذة، والبُعد عن الدين، وبأنّ ما نقوم به حرام” وهذا راجع حسبها إلى حداثة هذا النوع من التدريبات في الجزائر وجهل الناس لمبادئها وقواعدها، وأضافت أن المدربين في هذه الأكاديمية، حاصلون على شهادات نفسية وتدريبات عالمية في هذه الأمور. بينما تبدأ أسعار هذه الجلسات من مليون إلى مليوني سنتيم، فما فوق.
دورات بأسماء وشعارات غريبة
واستهجن العديد من المواطنين، ظاهرة انتشار مثل هذه الدورات التكوينية، التي رأوها “غريبة” عن مجتمعهم وقد تشكل خطرا داهما. وفي هذا الشأن كتبت “خلود” بأن كثرة الإعلانات التي تصادفها في “فيسبوك” حول هذه التدريبات، تشعرها بقلق كبير، داعية السلطات المختصة إلى التدخل. بينما اعتبرت “أم معاذ ” بأن كل من هب ودب أصبح يدّعي العلم والتمكن من علاج جميع الأمراض وشفاء الهموم. بينما كتب مواطن تعليقا طريفا، مفاده أن كل من يشارك في هذه الدورات، يتخرّج بـ”شهادة مشعوذ”.
رزمان: ممارسات مأخوذة من الطقوس البوذية
وفي الموضوع، اعتبر المختص في علم النفس، حسام زرمان لـ”الشروق”، بأن الأكاديميات أو مراكز التدريب والتي باتت تنشر أفكارا غريبة عن مجتمعنا وعن مبادئ علم النفس الحقيقية “انتشرت وبشكل لافت مؤخرا”، ومؤكدا بأن أصحابها باتوا يحصلون على سجل تجاري ويمارسون مهنتهم تحت مسميات مختلفة، ومنها أكاديمية تعليم تدريب أو مركز تدريب، ثم تبدأ في تطبيق أساليب علاج يقولون إنها حديثة، وهي في الأصل مأخوذة من ديانات غير الإسلام، ومنها الديانة البوذية.
وقال “حتى الأئمة حذروا من هذه التدريبات، بعدما صنفوها ضمن نطاق الشرك بالله عز وجل”. بل وأكد أن بعض المدربين يستعملون تقنيات تدخل في مجال الغيبيات والشعوذة”، على غرار إخراج الأرواح، وتواصلها، وأمور أخرى غريبة”.
وأكد زرمان، أن بعض المدربين في هذه الأكاديميات حاصلون على شهادات في علم النفس، ويتابعون تكوينا قصيرا في هذه الممارسات، والبعض الآخر لا يملك أي شهادة جامعية، ماعدا شهادات التكوينات التي تحصّل عليها في هذا المجال.