رأيت مجاهدا يذبح نفسه.. فقررت أن أكون شرطيا – الحلقة الأولى
.. عندما كلفني رئيس التحرير محمد يعقوبي، بإجراء حوار صحفي مع عميد الشرطة “عمي أحمد الشرطي كنت أعتقد أنه مجرد شرطي بملاعب كرة القدم وأُحيل على التقاعد، لاأصطدم فيما بعد بهرم عملاق واجه أعنف مسيرات الجزائر السوداء وأعنف المباريات غضبا، بدءا من مسيرات الفيس وصولا إلى مسيرة العروش، رجل كُلف بتأمين الطرقات والشوارع زمن الرصاص والبارود، رجل أسندت له مهمة تأمين موكب تحركات الرئيس زروال زمن حضر التجوال، وزمن الحواجز المزيفة رجل أتعبه علي بن حاج، عباس مدني، الوزيرة حنون، خليدة تومي، أبريكا، “ياماها” وآخرون .. رجل كان عندما يدخل ملاعب كرة القدم تسكت الجماهير بل إنها تغني له .. “عمي احمد .. جيبولوا مادونا “هو باختصار رجل المطافىء عميد الشرطة أحمد بوصوف.
عندما رأيت مجاهدا يذبح نفسه
كيف أبدأ التفتيش في ذاكرة رجل عمره تجاوز 70 عاما، فكرت أن الثورة التحريرية هي أكثر ما يشتهي رجل كان شابا وقتها، لكني كنت مخطئة فبمجرد أن سألته اغرورقت عينا الرجل وراح يجيبني بسؤال قائلا: “لماذا تفتحي علي جروحا لا أريد أن أتذكرها؟ “.
فأجبته قائلة : إذا لم تحكِ أنت عن التاريخ فمن يحكي عنه؟.
توقف للحظات وكأنه لا يريد أن يتذكر أي شيء ثم رد علي قائلا: “كان عمري وقتها صغيرا وكنت رفقة عمي الذي كان معروفا في مدينة “بوليكاو” بنضاله ووطنيته، شاهدت بأم عيني مجاهدا جزائريا ألقت عليه القوات الفرنسية وقتها القبض، وخوفا من أن ينتزعوا منه أسرار المجاهدين سحب سكينا من جيبه وذبح نفسه ومنذ تلك اللحظة قررت الالتحاق بالثورة التي يموت لأجلها الرجال والالتحاق بالشرطة بعد الاستقلال.
وفي مرات عديدة استدعينا من قبل الدرك والشرطة والجيش الفرنسي بدعوى الاشتباه في قيامنا بتموين المجاهدين وتزويدهم بالمؤن”.
يصمت لحظات ويستنشق الهواء بعمق ويضيف قائلا: “نحن من عائلة مجاهدة وعائلة بها شهيدان اثنان، أخي الأكبر قتل وكان يعمل تاجرا في تفصيل وخياطة الملابس لأنه كان يمول المجاهدين بالأحذية والألبسة من أقمصة وسراويل ، إلى أن استشهد، أما أخي الثاني فإنه اختفى مباشرة بعد خروجه من معتقل “بوليكاو” ولم نعثر له على أي أثر ولا حتى عظامه ولا حتى المكان الذي اغتيل فيه.
شرطة الاستقلال تكونت من فدائيي ومسبلي الثورة
عندما بدأ يحكي لي عن أخيه الذي استشهد وأخوه الآخر الذي لا يعرف في أي مكان دُفنت رفاته، حاولت أن أجر عمي أحمد للحديث عن شيء آخر فسألته هل اختار أن يكون شرطيا أم أن الظروف دفعته لذلك؟
فرد قائلا: كنت طفلا صغيرا وكان يُعجبني رجال الشرطة في الشوارع وكنت أمضي أوقات طويلة وأنا أحدق فيهم، سحرتني هذه المهنة وبعد الاستقلال مباشرة لم أتردد للحظة في أن أكون أول من يلتحق بجهاز الشرطة وتم تشكيل أول فيلق للشرطة أغلبهم من الفدائيين والمُسبلين، كان وقتها جهاز الشرطة مكون من الشرطة القضائية والشرطة العامة وفيما يخصني، بدأت مشواري في فرق السلك الحضري وبعد شهور عديدة من الممارسة والعمل، أثرت انتباه واهتمام المسؤولين فتم تعيييني في قسم “السكرتاريا“.

كنت عاشقا لعملي، إذ عملت بجد وتفانٍ واستطعت أن أُكون نفسي وأن أساهم في العمل في كافة المصالح الخاصة بحفظ الأمن والنظام، خاصة فيما يخص تغطية مباريات كرة القدم ، كانت تسحرني ميادين كرة القدم وتزيدني همة وحبا للعمل .
وكانت تتعبني في بداياتي الأولى مبارايات مولودية وهران ومعسكر وكانت المباريات تشهد وقتها إخلال بالنظام العام، ومن المباريات الساخنة، استطعت تعلم الكثير وكسب خبرة كبيرة في كيفية تسيير الأمور والتعامل مع مثل هذه الأوضاع الصعبة، خاصة وأنني كنت مهتما كثيرا بكيفية تسيير وتغطية مباريات كرة القدم، ومن هنا بدأ عشقي لميادين كرة القدم.
الأرض كانت تهتز عندما يمر أمامنا بومدين
كان من الصعب علي أن أقاطع عمي احمد وهو يسترجع ذكرياته وكنت أنا أستمتع بحديثه وفجأة قال لي: أتدرين ما هو الزمن الجميل؟ وراح يحكي ويقول: “يا بنتي من من رجال الشرطة كان يجرؤ عندما يمر موكب الرئيس بومدين ويرفد رأسه، كنا نشعر وكأن الأرض تهتز تحت أقدامنا في وقت بومدين”.
في عهد بومدين كان للشرطي مكانة كبيرة، أذكر وقتها أنه من هيبة الشرطي كانت الأمهات تُخفن أبناءهن الصغار “اسكت جا البوليسي”، كان للشرطي هيبة، واليوم أصبحنا نقرأ في الجرائد عصابات تعتدي على مقرات الأمن؟.
في هذه اللحظات غيّر مكانه وتوقف للحظات ثم صاح بصوت عال “بومدين كان سيدا، كان رجلا، كان عظيما”.
ثمر راح يقول: كنا نقوم بتنظيم حركة المرور “بالسنتمتر“، كنا نمشي في الشوارع ونقوم بتحديد مكان كل شرطي في شوارع العاصمة، كان كل شيء في مكانه وكل شرطي يبقى في مكانه، إلى أن نطلب منه الرحيل، بومدين لم يكن يحب أن يرى شيئا في غير مكانه، كان يكره الأخطاء، لهذا كنا أشد الحرص على أن يكون كل شيء مُرتبا ومُنظما، كان الوقت بالنسبة لنا في تلك الحقبة محسوبا بالثانية، أي خطأ غير مقبول.
هذه حكايتي مع قيادة الأركان

لقد كنت من بين قائمة الناجحين الـ150، رفقة عدد من أبرز رجال الشرطة من بينهم الشرطي المخفي العزوني محمد – يسألني قائلا: كيفاه كان العزوني – ثم يضيف قائلا: تقرر تحويلنا إلى مناطق بعيدة ومغايرة عن تلك التي كنا نعمل فيها سابقا، وعلى إثر ذلك نقلت من معسكر لأجد نفسي في مدينة “تڤرت”، وبعد ذلك تم نقلي إلى وهران، وبعد مرور ثلاثة أشهر من الخدمة في مدينة وهران استدعيت للقيام بدورة تكوينية في الإنقاذ على مستوى الحماية المدنية بالعاصمة بثكنة خليفي ومدرسة برج البحري ، كان ذلك بتاريخ الثالث من مارس 1968 بالضبط، وفي كل مسيرة كنت أحط بها كنت ألقى الإعجاب من قبل المسؤولين، ولعل أبرز حدث ساهم في ترقيتي، عملي في مدينة “تڤرت”.
وبعد ذلك استدعيت للعاصمة ودخلت قيادة الأركان وكان ذلك رفقة شريف سلمان وبن حراث الذي كان مسؤولا عن المرور.
قلت للمسؤولين إن الشباب ثار في أكتوبر ضد البطالة
كنت أعلم أن عمي احمد أكثر واحد عايش العشرية السوداء، لكني كنت أخشى أن لا يجيبني عن أسئلة معينة سيما منها حقيقة ما جرى زمن الرصاص والبارود، تحفظ بعض الشيء، وحاولت أن “أرمي بسؤالي هذا” عمدا: عمي احمد إذا لم نسمع منك الحقيقة فمن سيرويها لنا؟.
سألني عن عمري عام 1988 وعندما أجبته، رد قائلا كيف سأبدأ لك الحكاية؟.
راح عمي احمد يسرد علي تفاصيل زمن البارود والرصاص قائلا: قبل هذا التاريخ كنا نستيقض على شعارات حزب “الباكس” الشيوعي المعارض للسلطة، شعارات مكتوبة على جدران المؤسسات العمومية والتربوية، ومن هنا بدأنا نشك أن شيئا ما سيتغير لكننا لم نكن نتوقع حدته، كل ما كان لدينا من معلومات هو إضراب وطني.
في الخامس أكتوبر اشتعلت النيران في سوق الفلاح “بباش جراح” وتنقلت إلى هناك وكنا نسمع من الجهاز اللاسلكي بمشادات “تريولي” وفي “بيلفور” وبإطلاق رصاص، وعندما وصلت إلى “باش جراح” وجدت النار في كل مكان، وكل المحلات مغلقة، طلبت من المواطنين إطفاءها ومساعدتي على ذلك، قمنا بإطفاء النار في سوق الفلاح ببلكور، وطلبت من النسوة أن يمددن بالماء من الشرفات إلى أن تصل الحماية المدنية، أصبحت رجل مطافئ، كنت كمن اشتعلت النار ببيته ويحاول إطفاءها، وكانت ملايين الأسئلة في رأسي، منها أي نوع من المتظاهرين هؤلاء الذين يحرقون البلد؟.
لم يكن الشعب يعرف شيئا عن السياسة، كان فتيل الاحتجاجات وقتها الندرة في ضروريات العيش كالعمل والسكن، لكن لم يكن للشعب مطالب سياسية.

عندما أخمدنا النار في سوق الفلاح جلست مع الشباب وحاولت أن أستفسر منهم لماذا هذه النار؟.
طلب مني بعدها المسؤولون أن أكتب تقريرا عما حدث ؟.
لم يكن للمتظاهرين وقتها من الذين تحدثت معهم أي شعارات أو مطالب محددة، بل كان العديد منهم يجهلون أسباب تواجدهم في الشوارع، وأضحى العديد منهم يرددون أي شيء يجول في خاطره.
وعلى خلفية ذلك وحينما تم استدعائي من قبل مسؤولين سامين للاستفسار وسماع رأيي حول خلفيات وأسباب هذه المظاهرات نظرا لاحتكاكي الدائم مع الشباب كان جوابي واضحا، وأذكر أني قلت لهم في أول تقرير يكتب حول حادثة الخامس أكتوبر: إن هؤلاء الشبان لم يتحركوا بدافع سياسي وهم ليسوا معنيين بالسياسة وأنهم يريدون ويطالبون بالعمل والسكن لا غير.
عندما تقترب النار من دارك!
يتوقف عمي احمد ثم يجمع يديه وتشعر أنه ذهب ليفتش في ذاكرته عن شيء من الماضي، يصمت مطولا، وكنت كلما أرفع قلمي للكتابة وأنحني برأسي على الطاولة ينتظر مني أن أحدق في وجهه كأستاذ يريد أن يحفظ التلميذ درسه: ثم يجيبني قائلا: كنتم صغارا في ذلك الوقت، انتبهي إلي يا ابنتي: ثم يسرد قائلا: بعد صلاة الجمعة كان كل شيء مخربا، نفايات من الأوراق، كل شيء مبعثرا، حرائق هنا وهناك، رماد في كل مكان، المعلومات والمعطيات الأولية التي وصلتنا، سمعنا أن أشخاصا يريدون أن يقوموا بتنقية الشوارع وتنظيفها وبدأ الكل يكنس، وكان أول من قاد مسيرة الخامس أكتوبر شخص اسمه عباس مدني، تلك المسيرة في الحقيقة كانت محاولة للتقدم إلى مديرية الأمن الوطني بساحة الشهداء، وبدأت تلك الجحافل وهي تنظف الشوارع من بلكور، وكنا نحن الشرطة نراقب الوضع وكانت لدينا معلومات تفرض علينا عدم تركهم يقتربون من المديرية العامة للأمن الوطني، وعلى مقربة من المقر، وإذ بجرار يطل مع قوافل الشعب وهم يكنسون الشوارع، وفجأة يدوي انفجار لحد الساعة لا أعرف إن كان دوي قنبلة أو صوت رصاص، يتوقف ثم يجيبني والله يا ابنتي لحد الساعة عندما أتخيل تلك الليلة أجهل ذلك الصوت ؟……. يتبع
في الحلقة القادمة تتابعون
قصة السراقين في الأفلان؟
أول شرطي يغتال بمزهرية من شرفة عمارة بباب الوادي
هكذا خمدت نار أكتوبر
من هنا بدأت قصة الحب والاحترام مع الجماهير
علاقتي بعباسي وبن حاج
أسرار الهجرة والتكفير وحرب “الطواغيت”
قصة “باب الواد الشهداء”