-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رجال الحرب يضيعون في زمن السلم

عابد شارف
  • 6055
  • 0
رجال الحرب يضيعون في زمن السلم

مع رحيل السيد عبد الله بن طوبال، تعيش الجزائر حدثا لم تدرك أبعاده لحد الآن بصفة كاملة. والسيد بن طوبال يجمع في مساره تقريبا كل القضايا التي بقيت عالقة منذ حرب التحرير، كما ترمز حياته النضالية إلى كل التساؤلات المتعلقة بالمسؤولين الذين كان لهم شرف ومسؤولية قيادة الثورة التحريرية.

وقد أشار كل من محمد حربي وعبد الحميد مهري في رسائل تعزية بعد وفاة السيد بن طوبال إلى ضرورة كتابة مذكراتهم من طرف المسؤولبن من جيل الثورة. ورغم أن القضية صعبة أخلاقيا، فإن هذا الجيل قد بلغ نقطة الوصول النهائية، ولم يبق أمامه إلا القليل. وإذا علمنا ضعف وهشاشة ما تعرفه الجزائر عن ثورة التحرير، فإن شهاداتهم تبقى ضرورية لتدوين أكبر ملحمة في تاريخ الجزائر المعاصر.

ومن المعروف أن السيد بن طوبال قام بتدوين مذكراته بمساعدة الأستاذ دحو جربال، لكنه لم يتم نشر ذلك الكتاب لحد الآن لأسباب تافهة لا علاقة لها بالمحتوى السياسي ولا بطبيعة ما جاء في الكتاب، ولا علاقة لها بحجم الرجل وتاريخه. ويشير هذا الفشل في نشر مذكرات السيد بن طوبال إلى ضعف المحيط الثقافي الذي كان يعيش فيه هذا الرجل، وضعف المؤسسات التي من الممكن أو من المفروض أن تتكفل بهذا العمل.

وكان السيد بن طوبال أحد أبرز قادة الثورة في مرحلة معينة، وبصفة خاصة خلال الجزء الثاني من عمر الثورة. فبعد السنوات الأولى التي كانت تتميز بنوع من اللا مركزية والتنظيم الضعيف، تحولت مؤسسات الثورة تدريجيا إلى آلة عسكرية وسياسة وإدارية قوية، وبرز على رأسها ثلاثة رجال أساسيين هم عبد الله بن طوبال وعبد الحفيظ بوصوف وكريم بلقاسم. وكان هؤلاء يشكلون مجموعة تزرع الخير والشر، حيث تتخذ القرارات الكبرى وتعين المسؤولين وتوزع المناصب، إلى جانب المبادرات السياسية الكبرى مثل تشكيل الحكومة المؤقتة وقيادة المفاوضات مع فرنسا وغيرها. ولم تسقط سلطة تلك المجموعة إلا مع الاستقلال، حيث اتضح أن هؤلاء قادة زمن الحرب لكنهم ليسوا قادة زمن السلم، فغابت أسماؤهم تدريجيا عن الساحة.

وأثناء توليهم المسؤولية، اتخذ الثلاثة قرارات أساسية، منها القرارات السياسية الإدارية الكبرى، ومنها القرارات التنظيمية الصعبة. ومن أهم تلك القرارات التي تبقى موضوع جدال لحد الساعة، اغتيال عبان رمضان، بعد خلاف لم تكن مؤسسات الثورة تعرف كيف تفصل فيه. وبقيت المؤسسات الجزائرية لحد الساعة لا تعرف كيف تفصل في النزاعات بطريقة سلمية وديمقراطية. وإذا تم اغتيال عبان رمضان في ظروف حرب صعبة من طرف رجال كانوا يعتبرون أنهم يكرسون الوطن ومصالحه، فإن قادة اليوم ما زالوا يستعملون طرقا مماثلة لحل النزاعات حيث ما زالت القوة تشكل الوسيلة النهائية للفصل في الخلافات وذلك دون أي عذر أو مبرر.

ومن جهة أخرى، فإن السيد بن طوبال كان رجل سلطة، مارسها في ظروف صعبة جدا. وأدى به ذلك إلى اتخاذ القرارات التي تكون قد مست بصورة جيل تحمّل مسؤولية كبرى، واجتهد حسب قدرته ومعرفته، فدخل التاريخ من بابه الواسع. ولم يكن له ذلك إلا بتوفر بعض الخصال التي صنعت جيلا قويا جدا. فكان السيد بن طوبال رجل النضال ثم العمل السري، وكانت له قدرة فائقة في التنظيم والتجنيد، وإدارة العمل العسكري والسياسي السري.

لكن الرجل ذاب مع الاستقلال، فلم يعرف كيف يتصرف في وقت السلم، فاحتل مناصب متواضعة لفترة قصيرة قبل أن يغادر المسؤولية. وانطبقت عليه وعلى أصدقائه القاعدة التي تؤكد إن رجال الليل لا يعرفون العيش في النهار، وإن رجال الحرب لا يعرفون تسيير مرحلة السلام. وأكثر من هذا كله، فإن فشل رجال مثل بن طوبال وبوصوف وكريم بلقاسم بعد الاستقلال يؤكد بالدرجة الأولى أن لكل زمن أهله، وأنه لا يمكن لجيل أن يأكل نصيب الأجيال الأخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!