رفقا بأعمالكم أيها الفايسبوكيون!
لم يعد الفايسبوك، عند بعض العاكفين عليه، ميدانا للتباهي بألوان الأطباق والأكلات وأنواع الأثاث والسيارات وأماكن الرّحلات والنّزهات، فحسب، بما يكسر قلوب الفقراء وأصحاب الحاجات، بل لم يتوقّف الأمر ببعض مدمني هذا الموقع عند حدّ إشاعة الخصوصيات، والحديث عن أسرار البيوت وتفاصيل الحياة، حتى غدا ميدانا للتباهي بالأعمال الصّالحة التي يفترض أن تكون خالصة لوجه الله، ويحرص المسلم على إخفائها ما أمكنه ذلك.
تجد من يكتب على صفحته “سأغيب عن صفحتي خلال شهر رمضان، لأتفرّغ للعبادة وقراءة القرآن”، ومن يكتب: “نلتقي بعد عشر ذي الحجّة”، ومن يغرّد: “أنا في الطّائرة في طريقي لأداء العمرة وزيارة بيت الله الحرام”، وينشر صوره بعد ذلك في مختلف الأماكن؛ أمام الكعبة، وعند الصّفا، وفي المسجد النبويّ، وفي الرّوضة، ثمّ يختم المشوار بنشر صوره وهو في المطار بعد العمرة ويكتب قائلا: “عدنا إلى أرض الوطن، بعد أن أدينا العمرة، دعواتكم لنا بالقبول”، وهكذا في الحجّ.
تجد من ينشر صورة له وهو يحتضن والدته التي ربّما لم يكن يقترب منها قبل ذلك، ويكتب: “مع أغلى إنسانة في الوجود”!، وتجد من ينشر صور الفقراء الذين أحسن إليهم، وتجد من يحدّث أصدقاءه عن عدد المرّات التي ختم فيها القرآن الكريم في الشّهر الفضيل! والأغرب من هذا أن تجد من يذكّر أصدقاءه بالأعمال الصّالحة، بالصيام والقيام، ويكتب ما يُفهم منه أنّه حريص على تلك الأعمال، مع أنّ واقعه خلاف ذلك!
قديما، كان الصّالحون من عباد الله أحرص ما يكونون على إخفاء أعمالهم الصّالحة، إلى الحدّ الذي جعل أحدهم يقول: “ما لي وللنّاس، لو علمت مكانا لا يراني فيه الملكان، لذهبت إليه”. كان الواحد منهم ربّما يخفي عمله عن زوجته في البيت، فيتحايل عليها حتى تنام ثمّ يقوم ليصلي بين يدي الله، وربّما يقوم في ثلث اللّيل الأخير يصلّي لمولاه، فإذا اقترب الفجر عاد إلى فراشه وتظاهر بأنّه استيقظ في تلك السّاعة، وكان الواحد منهم ينطلق من بيته صباحا وهو قد نوى الصيام ويأخذ معه طعام غدائه حتى لا يعلم أهله بصيامه، ويتصدّق به في الطّريق، ثمّ يعود في المساء ليفطر مع أهله، وهم يظنّون أنّه إنّما يتناول عشاءه.. بل قد كان الواحد منهم إذا أصبح صائما يدهن شفتيه ويظهر النّشاط للنّاس حتى لا يعلموا أنّه صائم.
الحرص على إخفاء الأعمال الصّالحة من أمارات الإخلاص، والحرص على إظهارها والفرح بثناء النّاس، من علامات الرياء، والرياء يمحق أجور الأعمال ويجعلها هباءً منثورا، يقول النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “من سمَّع، سمَّع الله به، ومن يرائي، يرائي الله به” (متفق عليه)، ويقول: “إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر، الرّياء، يقول الله عز وجل إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدّنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً”.
الفايسبوك ميدانٌ مناسب للدّعوة إلى الخير والحثّ على الأعمال الصّالحة، لكن ليس بإشهار المسلم لأعماله، وإنّما بنشر الأحاديث والكلمات والأقوال التي ترغّب في الخيرات وتبيّن أجورها، وبعرض نماذج من سير وقصص عباد الله الصّالحين من الأوّلين والآخرين، ومع هذا وذاك يجتهد العبد المؤمن بينه وبين الله في امتثال ما يذكّر به غيره، وفي العمل بما يدلّهم عليه، ليحظى بأجر العمل وأجر الدّعوة والتّذكير، يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “من دلّ على خير، فله مثل أجر فاعله” (ابن ماجة).