-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رمضان يدعونا لنراجع أحوالنا مع القرآن(1/2)

سلطان بركاني
  • 688
  • 0
رمضان يدعونا لنراجع أحوالنا مع القرآن(1/2)

يعود رمضان كلّ عام ليطرق قلوبنا ويأخذ بأيدينا ويلحّ علينا لنراجع قلوبنا وأحوالنا وواقعنا مع القرآن.. هذه الحقيقة التي كانت راسخة لدى سلف هذه الأمّة، فكانوا يقولون: “رمضان شهر القرآن”، وما كانوا ينشغلون في هذا الشهر بشيء انشغالهم بكلام الله؛ يتلونه بالنهار ويقومون به في الليل، لأنّهم فقهوا عن الله -جلّ وعلا- قوله: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ))؛ فرمضان ما حاز مكانته بين الشّهور فكان غرّتها إلا بالقرآن.

رمضان يعود كلّ عام ليسأل كلَّ عبد مسلم يؤمن بأنّ هذا الكلام الذي في المصاحف التي بين أيدينا هو كلام الله الواحد الأحد خالق السماوات والأرض، يسأله: كيف أنت مع القرآن يا عبد الله؟ أين أنت من القرآن؟ وأين القرآن منك؟ أين القرآن من قلبك؟ هل يتحرّك بسماع وتلاوة آياته؟ هل تجد الطمأنينة والسكينة بجلوسك أمام كتاب الله؟ أين أخلاقك من القرآن؟ أين عبادتك من القرآن؟ أين معاملاتك من القرآن؟

الإجابة عن هذه الأسئلة نعلمها ونجدها في قلوبنا وأحوالنا وبيوتنا وواقعنا.. قلّة قليلة منّا ظفروا بالحياة الطيّبة ووجدوا انشراحا في صدورهم وبركة في حياتهم وأعمارهم وبيوتهم، لأنّهم اهتموا بكلام الله تلاوة وحفظا وفهما وتدبرا وعملا؛ انشغلوا به وشغلوا به أبناءهم وعمروا به أوقاتهم وبيوتهم.. لا يفارقون القرآن ولا يفارقهم إلا قليلا، يسمعونه في هواتفهم وسياراتهم، وينتهزون كلّ لحظة فراغ ليهرعوا إليه.. هو أهمّ بالنّسبة إليهم من الطّعام والشّراب، بل أهمّ من الهواء الذي يستنشقون، والواحد منهم ربّما ينسى طعامه ولا ينسى ورده من القرآن.. هؤلاء موجودون بيننا يقتفون أثر الصالحين من سلف الأمة المرضيين.. لكنّهم -مع كلّ أسف- قلة، ولا ندّعي لأنفسنا أنّنا منهم.

الغالبية منّا قد اتّخذوا القرآن مهجورا.. منّا من هجر تلاوته، فلا يكاد يتلوه ويسمعه إلا في رمضان، وربّما لا يتذكّر القرآن إلا في الجنائز، حتّى إذا سمع صوت القرآن ينبعث من مكان ظنّ أنّ هناك جنازة.. يسمع الواحد منّا الأغاني كلّ يوم، ويتابع مقاطع الضّحك والإثارة والغرائب كلّ يوم، لكنّه تمرّ عليه الأيام والأسابيع ولا يفتح مقطعا يتلى فيه كلام الله، وكلّما وقعت عينه على مقطع يتلى فيه القرآن على هاتفه، تجاوزه سريعا.. المصحف الذي في رفّ الخزانة لا يكاد يلمسه إلا قليلا، والمصحف الذي في هاتفه لا يفتحه إلا نادرا.. ومنّا من يتلو القرآن وربّما يختمه كلّ شهر، لكنّه يتلوه تبرّكا، ولا يتدبّره ولا يهتمّ بفهم معانيه.. ومنّا من هجر العمل به، فتمرّ عليه الآيات التي فيها الأمر والنّهي، وفيها الترغيب والترهيب، كأنّها أنزلت لغيره وهو غير معني بها.

إنّنا لفي أمسّ الحاجة لأن نراجع أحوالنا وواقعنا مع القرآن؛ فإنّه ما تسلّطت علينا الهموم والغموم، ولا كثرت الأمراض النفسية من وساوس وهواجس، ولا تسلّطت علينا شياطين الإنس والجنّ، ولا كثرت الخصومات والخلافات وارتفعت الأصوات في بيوتنا وفي شوارعنا، ولا كثرت المظالم بيننا، ولا ذهبت البركة من بيوتنا وأموالنا وصحّتنا، إلا لأنّنا اتّخذنا القرآن مهجورا.. هذا هو أهمّ سبب فيما نحن فيه ونعيشه.. أين الدّليل على هذا؟ آيات أربع في كتاب الله، قرأناها وسمعناها، لكنّنا لم نتدبّرها ولم نعرض عليها واقعنا، يقول الله تعالى: ((فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)) (طه)، يقول حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنه-: “تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقي في الآخرة، ثم تلا: ((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى))”.

لقد أكرمنا الله بأثمن كنز في الوجود، به عزّنا ومجدنا وشرفنا وسعادتنا في الدّنيا، وبه نجاتنا وفلاحنا ونجاحنا في الآخرة: القرآن الكريم، الذي قال عنه المولى -سبحانه- إنّه قرآن عظيم: ((وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ)).. كتاب يهدي إلى الحقّ في ظلمات الطّريق ويبصّر العبد المؤمن بطريق الهداية والصلاح فيراه واضحا بيّنا مهما ادلهمّت الفتن وكثرت الخلافات والأهواء والآراء وتشعّبت السّبل: قال تعالى: ((قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ))، وقال سبحانه: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)).. كتاب يثبّت قلب من تمسّك به كلّما تلاطمت أمواج الفتن وتلألأت المغريات وطفحت الشهوات ومالت القلوب بأصحابها ذات اليمين وذات الشّمال: قال تعالى: ((الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)).. وقال سبحانه: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)).. كتاب تكفّل الله لحامله وقارئه ومتدبّره بأن لا يشقى في الدّنيا ولا في الآخرة: ((طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا)) (طه).. كتاب لا يخسر صاحبه أبد، لأنّه (أي القرآن) هو التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة لمن قرأه وحفظه وتدبّره وعمل بما فيه: قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)).. قال الإمام الشافعيّ -رحمه الله-: “من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة”، وهل من علم أعظم وأنفع من علوم القرآن؟

يتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!