-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ساركوزي يغرق في مياه المتوسط

عابد شارف
  • 4642
  • 0
ساركوزي يغرق في مياه المتوسط

غرق الرئيس نيكولا ساركوزي في مياه البحر الأبيض المتوسط منذ أن أطلق مبادرته لتشكيل مؤسسة جهوية تجمع بلدان المنطقة. ورغم طريقته في التعامل مع الأحداث المبنية على الإرادة السياسية، ورغم كل الهدايا التي قدمها إلى قادة بعض البلدان، ورغم محاولاته للتقرب من بعض القادة المغضوب عليهم، فإن مبادرة الرئيس الفرنسي لم تعرف تقدما ملحوظا منذ انطلاقها قبل سنة.

  • ولم يتمكن الرئيس الفرنسي أن يصل إلى نتيجة تذكر رغم أنه لم يتردد في استعمال جميع الطرق والوسائل. ولم يتردد مثلا في إقامة علاقات خاصة مع قادة ليبيا وسوريا، حيث زار دمشق واستقبل الزعيم الليبي معمر القذافي في زيارة كان لها صدى كبير في فرنسا. 
  • وقام السيد نيكولا ساركوزي بتوزيع عدد من الهدايا على قادة الضفة الجنوبية للمتوسط. وحصلت مصر على رئاسة المنظمة، وحصلت تونس والمغرب على وعود باستضافة إحدى مقرات المنظمة الجديدة أو بأحد مناصب الأمانة العامة. وأبدى نيكولا ساركوزي استعداده لتلبية مطالب الكثير من بلدان الجنوب شريطة أن يساعدوه على نجاح مبادرته.
  • لكن يجب الاعتراف أن المبادرة لم تتقدم كثيرا، رغم أنه تم تنظيم اجتماع لوزراء المالية للمنظمة قبل أسبوعين في بروكسل، كما أن المقربين من الرئيس الفرنسي يقولون أنه تم التحضير لعدد من المشاريع خاصة في ميدان الحفاظ على البيئة، ولم يبق إلا إعطاء الانطلاقة لتجسيدها.
  • ويقول المحللون أن هذا الفشل النسبي للمبادرة كان نتيجة لعدد من الأسباب، من أهمها العدوان الإسرائيلي على غزة. ويصعب فعلا العمل في منظمة تجمع البلدان العربية وإسرائيل على نفس الطاولة في الأشهر الموالية للجريمة الإسرائيلية في غزة، مما دفع كل الأطراف إلى التحفظ وانتظار أن تنسى الجروح.
  • ويقول البعض أن عدم تجسيد مشروع الرئيس الفرنسي يعود كذلك إلى الفارق بين بلدان الشمال والجنوب. والمعروف أن بلدان الشمال غنية، متقدمة، وأن مجتمعاتها مستقرة يحكمها القانون، بينما تبقى بلدان الجنوب تتميز بفقر سكانها، مع دخل ضعيف، واقتصاد أضعف، وعدم استقرار شبه متواصل بسبب انعدام القانون.
  • ويمكن كذلك أن نذكر مخلفات الأزمة المالية العالمية، التي دفعت بلدان أوربا إلى إعطاء الأولوية بمشاكلها الداخلية، كما يمكن أن نذكر طريقة نيكولا صاركوزي في التعامل مع الأحداث من ضمن الأسباب التي أدت إلى فشل المبادرة لحد الساعة. فالرئيس الفرنسي معروف أنه “عشاق ملال”، يستعمل أسلوبا خاصا للإعلان عن مبادرات كبرى ثم ينساها ليصنع الحدث بمبادرات جديدة.
  • لكن هذه الأسباب تبقى ثانوية، حيث أن الأسباب الحقيقية التي تمنع نجاح مبادرة الرئيس الفرنسي تتمثل في نقطتين: جمود بلدان الجنوب الذي يمنعهم من التعامل مع أي مشروع، وغياب مؤسسات ديمقراطية في بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط. وتعرف البلدان الأوربية من خلال تجربتها أنه لا يمكن إقامة تنظيم مشترك بين بلدان لا تتوفر على مؤسسات ديمقراطية. وكان البناء الأوربي أحسن تجربة تاريخية لذلك، حيث لم تدخل البيت الأوربي إلا البلدان التي كانت تتوفر على مؤسسات ديمقراطية، مع الإشارة إلى أن البناء الأوربي ساهم بدوره وبصفة قوية في تكريس الديمقراطية في بلدان مثل إسبانيا والبرتغال وغيرها.
  • عكس ذلك، نلاحظ أن بلدان الضفة الجنوبية مازالت تحتفظ بأنظمة بالية قديمة أثبتت عجزها، وهي الأنظمة التي لا تستطيع أن تتماشى مع مشروع عصري مثل الاتحاد من أجل المتوسط. وأكثر من ذلك، فإن عددا من بلدان الضفة الجنوبية أصبحت تسبح ضد التاريخ في محاولة لإقامة نظام قبلي (من قبيلة). فبعد الأنظمة الملكية المستبدة، وبعد عائلة الأسد في سوريا، تحاول كل من مصر وليبيا إقامة أنظمة وراثية فلكلورية لا يمكن أبدا أن تضمن لهذه البلدان دخول العصرنة.
  • وهذا ما يثير أكبر لغز في مبادرة الرئيس الفرنسي: هل يعتبر السيد نيكولا ساركوزي أن الأنظمة القائمة في الضفة الجنوبية قادرة على تجسيد مشروع طموح مثل الاتحاد من أجل المتوسط؟ ويبدو أن الرئيس الفرنسي يعتقد ذلك، ولعل ذلك ما يشرح لنا لماذا غرق الرجل في مياه المتوسط.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!