سقطات الدبلوماسية الجزائرية في عهد مدلسي
فضح ربيع الثورات العربية ضعف أداء الدبلوماسية الجزائرية، وكشف بما يدع مجالا للشك، أن المبرر الذي عادة ما ترفعه الجزائر كلما واجهت حراكا شعبيا أو ثورة في الشارع العربي، وهو “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، لم يعدد مبررا مقنعا أو شماعة تعلق عليها الجزائر إخفاقاتها الدبلوماسية.
-
تراجع أداء الدبلوماسية الجزائرية في عهد الوزير الحالي، مراد مدلسي، أصبح أكثر من لافت، إلى درجة أن صار العارفون بهذا القطاع الحساس يترحمون على الأيام الزاهية التي عاشتها الخارجية الجزائرية، في عهد الراحل محمد الصديق بن يحيى، الذي نجح بفضل حنكته في إنهاء واحدة من أكبر الأزمات الدبلوماسية، وهي أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، العام 1980 .
-
وبينما كانت الدبلوماسية الجزائرية تصنع الحدث على المستوى العالمي بحضورها وفعاليتها، انحصر دورها في عهد الوزير مدلسي، وانكفأت على نفسها، إلى درجة جعلت المتتبعين يتساءلون عن خفايا سلبية هذا الدور، على المستويات الاقليمية والجهوية والقارية، لدولة توصف بـ “المحورية” في المنطقة المغاربية والعربية والإفريقية.
-
وتتضح الصورة أكثر بتشخيص الكيفية التي تتعاطى بها الدبلوماسية الجزائرية هذه الأيام مع الثورات الليبية والسورية واليمنية، وقبل ذلك كيف تعاطت مع الثورتين التونسية والمصرية، اللتين قوضتا نظام المخلوعين، زين العابدين بن علي، وحسني مبارك على التوالي.
-
ففي الحالة التونسية، التزمت وزارة الشؤون الخارجية صمت الأموات، وبقيت تتفرج طيلة شهر كامل على ما كانت تعيشه الجارة الصغيرة، بمبرر واه لم يعد مستساغا ولا مقبولا في نظر المتتبعين، وهو مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير”، إذ من غير المقبول أن تحشر دول بعيدة مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أنفها في هذه القضية، في حين تستمر الجزائر في صمتها والنار تشتعل بالقرب من حدودها الشرقية.
-
ومعلوم أن نشاط الدبلوماسيات العالمية عادة ما يزداد ضراوة، في الأزمات حتى ولو كانت بعيدة، فما بالك إذا كانت الأزمة على حدودنا. وبحسب خبراء الدبلوماسية فإن الجزائر كان يتعيّن عليها أن تهبّ لدعم ثورة الشعب التونسي ضد الطغيان والديكتاتورية، منذ الوهلة الأولى، وتخصص مساعدة مالية كان يجب ألا تقل عن مليار دولار بالنظر للبحبوحة المالية التي تتمتع بها خزينة الدولة، لكسب ود الشعب والحكومة التونسية الجديدة، وهذا بغض النظر عن الخدمات التي أسدتها جارتنا الشرقية للثورة التحريرية، غير أن شيئا من هذا لم يحصل، بحيث ساد الصمت طويلا قبل أن تخرج الحكومة لتكشف عن مساعدة متواضعة بقيمة 100 مليون دولار.
-
وبالرغم من الاستياء الذي قوبلت به الكيفية التي تم التعاطي بها مع الثورة التونسية، إلا أن الخارجية الجزائرية لم تحفظ الدرس، وواصلت على ذات الموقف، بحيث لم تكلف نفسها عناء مساندة الشعب المصري في محنته وهو يصارع جنود داخلية حبيب العدلي، وحتى عندما سئل وزير الخارجية عن الموقف من ثورة ميدان التحرير، رد بإجابته المعهودة والجامدة: “ما يجري في مصر شأن داخلي”.
-
إن مصدر الغرابة والاستهجان في موقف الخارجية الجزائرية مما يعيشه محيطها المغاربي والعربي، يكمن في ضبابية الموقف، فهي لحد الساعة وبالرغم من مرور نصف سنة كاملة على اندلاع الأزمة الليبية، إلا أنها لم تتمكن من إصدار ولو بيان رسمي واحد يلزمها مؤيدا أو معارضا، واكتفت بالقيام بتسريبات مجهولة المصدر والهوية، تضمنت وجهات نظر لإطارات بالوزارة، الأمر الذي أعطى الانطباع بأنها تقف إلى جانب طرف ضد آخر، في وقت كان يتعين عليها إصدار بيان رسمي يؤكد موقفها، أكانت مع أو ضد أو أي حالة أخرى، فلماذا لا نستلهم مثلا من موريتانيا التي خرج رئيسها للعلن ليقول بأن نواقشط لن تعترف بالمجلس الانتقالي..
-
إن أسلوب الخارجية في التعاطي مع الأزمة الليبية ألحق أضرارا بليغة بسمعة الدبلوماسية الجزائرية، فمتى يعي مدلسي أن دور الخارجية لا يتوقف عند نفي ما يكتب عن الجزائر، بل يتعداه إلى صناعة الفعل.