-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سورية: الفلسطينيون موقف اللا موقف

سهيل الخالدي
  • 3603
  • 1
سورية: الفلسطينيون موقف اللا موقف

من المعروف أن القيادات الفلسطينية على اختلاف فصائلها وأفكارها مراحلها السياسية وتوزعها لجغرافي ظلت طوال العقود تعيش في عنق الزجاجة متنقلة من مأزق إلى مأزق، وظلت القضية منذ مائة عام أكبر من السياسيين الفلسطينيين أنفسهم، وهذا وهذا بحد ثاته مأزق من المآزق التي تعرفها قضية العرب المركزية منذ قرن.

أما الأزمة الدائرة رحاها في سورية منذ 2011، فتضعهم في مأزق يختلف عما جربوه وخبروه.. فهم اعتادوا على الخروج النسبي من المأزق التي يواجهونها، وهم في عنق الزجاة الذي لم يخرجوا منه بعد، بالديبلوماسية حينا، بالايديولوجية تارة، بالإعلام طورا، وبالمال مرات، وبالسلام مرارا، وتحت الطاولة حينا.

وحتى يتضح المقال، نورد هذا المثال في السبعينيات كان الفلسطينيون يعون إلى قرار من القمة العربية التي عقدت في الجزائر “1973” يقضي بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد، و”عصلج” حسين ملك الأردن، وكاد الرئيس الجزائري هواري بومدين الواقف مع فلسطين ظالمة ومظلومة أن يغضب.. لكنه اقترح أن يبت في مؤتمر الدار البيضاء 1974 والحسن الثاني ملك المغرب لا يخرج عن رغبة ابن عمه الهاشمي الحسين بن طلال، وكلاهما تحت عباءة الغرب من واشنطن حتى باريس.

لكن الرجل الثاني في المنظمة صلاح خلف “أبو إياد” أدار الموضوع تحت الطاولة، فكون خلية فدائيين لاغتيال الملك حسين في الدار البيضاء، ودربها تدريبا عاليا جدا.. وما أن صار المؤتمر على وشك الانعقاد ولم تعد هناك أية إمكانية لتأجيله، حتى وزع أبو إياد أفراد تلك الخلية بأسلحتهم على عدة دول أوروبية والمغرب، وفي التوقيت المناسب أبلغ الدول الأوروبية بأن لديه معلومات عن فلسطينيين مغامرين يخططون لاغتيال ملك الأردن، ثم أبلغ الملك الحسن الثاني ببعض مالديه من معلومات، فاتصل الحسن بتلك الدول فأيدت مالديه من معلومات وأبلغته أنها اعتقلت بعضهم وهم في طريقهم إلى داره ومؤتمره الذي بدأ ضيوفه يفدون ومنهم إبن عمه الحسين الذي نصح بأن لا يعترض على القرار حتى يعرّض أولئك “المغامرون” حياته وحياة ملوك غيره للخطر.. وهكذا خرجت منظمة التحرير ظافرة من مأزق التثميل الذي كان الأردن بدعم الغرب وبعض العرب يستحوذ عليه أو يكاد.. وبالتأكيد أن القيادة الفلسطينية في لك الوقت، لم تكن تخرج من مآزقها لولا استنادها في كل مرة على دعم شعبي عربي واسع بل لا حدود له.

.

أما اليوم فمأزقها في سورية مختلف حتى في نوعية، فالقيادة في رام الله ليست على وفاق بشار الأسد ونظامه، بل إنه لم يعترف بها إلا مع بداية أزمة مع شعبه في مارس الماضي، وأما حركة حماس المهيمنة على غزة، فوجدت نفسها كأنها ستخسر دول الخليج العربي وأحوالها مقابل إيران وسورية ودعمها اللفظي والتعبوي في جوهره، فغادر أبو الوليد “خالد مشعل” دمشق التي كان مقره الرئيس، وحاول القيام بوساطة عبر الجامعة العربي بين النظام ومعارضيه بينما راح إسماعيل هنية من موقعه في غزة يعلن تأييده للشعب السوري، ولم يذكر النظام من قريب أو البعيد.

.

أما قيادة رام الله، فلم تظهر مواقف علنية يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، وهو أمر مفهوم، فليس لها وهي التي تعيش على أموال الدعم الأوروبي والخليجي، بل إن مفاتيح القضية تكاد تكون برمتها بيد الأمريكان، الذين ينادون صباح مساء بضرورة تنحي الأسد، فاغتصاب الأمريكان له ثمنه الباهظ.

.

أما الفصائل الفلسطينية المتواحدة في دمشق ويبلغ عددها عشرة، فقد أدخلها جمهورها الفلسطيني في مأزق، فقد اتفقت هذه الفصائل مع النظام بعد اندلاع الأزمة أن ترسل عددا من المدنيين العزل إلى حدود المناطق المحتلة من الجولان.

فأصلتهم إسرائيل نارا حامية وسقط الشهداء، وعند دفنهم في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، رشق الشبان الفلسطينيون قيادات الفصائل الموجودين في المقبرة بسيل من الحجارة وأصابوا قائد الجبهة الشعبية أبو ماهر الذي أغلق مكتبه في حي التضامن والذي كنت أمر من أمامه يوميا حتى تاريخ مغادرتي دمشق ولم يفتح، وربما نقل إلى مكان آخر بتلك المكاتب السرية جدا التي تشغلها الفصائل بعيدا عن العيون.

.

أما الجبهة الشعبية، القيادة العامة الأكثر التصاقا بالنظام فقد هاجم أولئك الشبان في يوم الدفن مقرها المسمى “الخالصة” وبدأوا بإحراقه ولم ينسحبوا إلا بعد أن قتلوا أحد مساعدي أحمد جبريل أمين عام الجبهة.

واضطرب المخيم، وبدأت الوجوه والأعيان بإمساك العصا من المنتصف بين النظام والشباب ولكن دون جدوى، فقد فتحت العائلات في شارع فلسطين وسند واليرموك والثلاين وغيرها للعائلات المهاجرة من باقي أنحاء سورية من حمص وحلب وأدلب وحتى من ضواحي دمشق.

وهنا اقترف النظام والمعارضة كل على طريقة أخطاء شنيعة، إذ لم يكف النظام عن قصف المخيم بل أنزل دبابته إلى شوارعه وأطلق رجال أمنه وشبيحته، وطلب من قادة جيش التحرير الفلسسطيني دخول المعركة إلى جانبه فرفضوا فتم اغتيال معظم وسط المخيم.. ولم يستطع أحد اتهام النظام لأن المعارضة قالت في نفس الوقت أنها تعتبر الفلسطين دخلاء، بل أنهم احتلوا سبعمئة ألف وظيفة هي من حق السوريين، وزادت تصريحات برهان غليون المائعة حول القضية الفلسطينية، وتصريحات عبد الحليم خدام حول الصلح مع اسرائيل أوضاع المعارضة سوءا عند الفلسطينيين، الذين أخذوا يشعرون بأن رأسهم هو المطلوب من الطرفين، ففي النهاية سيقدم الأسد التنازلات للدول الكبرى وعلى رأسها التنازل عن الموضوع الفلسطيني.

وتنازل سورية نظاما ومعارضة عن القضية الفلسطينية يعني الكثير، ويختلف عن تنازل العراق.. ففي سورية أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني يعيشون في مخيمات تمتد من إدلب في الشمال حتى درعا في الجنوب، وهم يطالبون بحق العودة إلى أراضيهم الفلسطينية، وعقدوا لذلك مؤتمرا دوليا كبيرا حضرته شخصيات حزبية جزائرية من عدة أحزاب، على رأسها عبد العزيز بلخادم، ويتوقع بعض شباب المخيم أن يلجأ الحكم القادم في سورية سواء كان من المعارضة أو استمرارا للنظام فإنه سير سليم إلى المنافي العديدة، كالبرازيل أو ما هو أبعد، كما فعل المالكي بالفلسطينيين في العراق، وبالتالي فإن حق العودة يستبعد حلمه كثيرا جدا.

وهكذا فإن حكمة الشعوب هي التي تحركت في ذات الفلسطين قوميا وبراجماتيا فانظموا إلى الشعب السوري الذي لا قيادة له.. وشكلوا مليشيات صغيرة تحاول منع العارضة ومنع جيش النظام من الدخول إلى أزقة المخيم، وكأن حربا أخرى بدأت شرارتها داخل هذه الحرب بين النظام ومعارضيه.. وقد تجري في المخيم مجزرة أكثر دموية من مجازر إيلول سبتمبر 1970 التي جرت في الأردن، ويذكرها جبلي كنقطة سوداء في تاريخ هذه الأمة والتي كان من تداعياتها وصول عائلة الأسد الى الحكم في سوريا.

والمثير في الوضع الفلسطيني في سورية الذي يتزايد سوءا ساعة بعد ساعة أنه لم تظهر مواقف علنية ومشهودة لفصائل كان تستعمل شباب المخيمات وقودا لطروحاتها فبدت حركة فتح التي يتزعمها “أبو موسى”، وحركة الجهاد الاسلامي التي يتزعمها “شلّح” وغيرها كأنها من حكايا الجدات التي لا وجود لها على أرض الواقع.

.

أما المثقفون الفلسطينيون الذين ارتبطوا بالنظام من جهة وبالصندوق القومي الفلسطيني من أمثال حمزة برقاوي وخالد أبو خالد وغيرها من مناوئي محمود عباس، فلم يعودوا يتواجدون حتى في مقرهم في ساحة الشهبندر، فقد راح ذلك الزمان الذي كان فيه المثقفون الفلسطينيون على اختلاف ايديولوجياتهم من ادوارد سعيد ومحمود درويش ويوسف الخطيب وناجي علوش، يصنعون تماسك العقل الفلسطيني وقت المآزق، فقد أضاع المثقفون الفلسطينيون في سورية عقلهم وفقدوا شعبهم.. فقد اتخذوا من اللا موقف موقفا، وكما يقول المثل الجزائري، “من أجل كروشهم أخلوا عروشهم”.

والغريب أن سياسة اللاموقف هذه التي يتبعها هؤلاء المثقفون تتفق جزئيا أو كليا مع سياسة اللاموقف أو الغياب التي تتخذها سلطتا رام الله وغزة وبعض الفصائل الأخرى.

وهذه السياسة تغني في جوهرها أنه لا توجد سياسة وهنا المعضلة، فقضية بحجم القضية الفلسطينية الموجودة منذ مئة عام في عنق الزجاجة وتنتقل من مأزق إلى مأزق، وزادها ما سمي بالربيع العربي وما سمي بالثورة السورية مأزقا على مأزق هي قضية لا تحتمل الفراغ السياسي.

والفراغ السياسي في الشرق الأوسط يعني انفجار الأمة العربية كلها وأعتقد أن هذا هو القادم، لأن لابد للمخيمات العربية وليس الفلسطينية وحسب، إن أول الخاسرين هم الأنظمة والمعارضات المؤجرة والماجنة وأصحاب الواجعة وأدعياء السياسة، والأهم مثقفو اللاموقف، وذلك لأنه في حالة اللاموقف تخرج الأوضاع الكامة أو أقل أسباب الخسائر التي يغطيها تماسك العقل تخرج أسبابها إلى العلن وفي الوطن العربي حالتان كامنتان يسبب اللاموقف خروجها إلى العلن فيخسر الجميع.

أول هاتين الحالتين هو: تعميم الوضع الفلسطيني فقد أصبح الشعب العربي كله لاجئا، كما هو حال الفلسطينيين منذ 1948 وأكثر سوءا فالشعب السوري أصبح لاجئا في أرضه وفي أرض الغير وقبله الشعب العراقي وقبلها الشعب اللبناني، أما الشعب المصري الذي لا يعرف قاموسه الاغتراب، صار مغتربا في مصر وفي خارجها، وصارت الشعوب العربية في ذلك الموقف الذي وصفه طارق بن زياد عند المضيق “البحر من ورائكم والعدو من أمامكم” و”أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام”.

نعم فالشعوب العربية تأكل اليوم على مائدة حكامها اللئام وليس أمامها من مخرج فالموت أمامها والجوع خلفها، واستطان المثقفون الفلسطينيون الذين كانوا طليعة الثقافة العربية، سواء منهم الذين تحت سلطة عباس أو سلطة الأسد للجوع الذي خلفهم فاستسلموا للعدو الذي أمامهم، فأقاموا حالة من التطبيع الفكري مع نظام الأسد ومع أي نظام أو سلطة وجدوا تحتها، بما فيها العدو الصهيوني نفسه.. وهكذا ضاع فلسطينيو المخيمات، فلا قيادة سياسية حقيقية “تلمهم” ولا قيادة ثقافية “تضمهم” فرتعت فيهم أجهزة أمن عائلة الأسد من “الضابطة الغذائية” حتى “عناصر أحمد جبريل”.

وثاني هاتين الحالتين هي وجود “حكام عرب لشعوب هندية” فالحكام العرب أصحاب المأدبة أي أصحاب النفط والثروات ذات الأرقام الفلكية، فرغوا منطقة الخليج العربي من الشعب العربي “حتى من شعبهم” وصارت الأغلبية في الكويت وقطر والإمارات وغيرها من الهنود والباكستانيين وصولا إلى الفلبين والبنغال، بعد أن كانوا من الإيرانيين الذين يملأون اليوم العراق الذي صارت اللغة الفارسية حية كاللغة الفرنسية في الجزائر لغة الحياة اليومية… هؤلاء الحكام الذين يصرفون أموالهم على الدسائس بين الدول العبرية، وكانوا يدعمون نظام الأسد نفسه لينشر أنواع الرذيلة في صفوف المخيمات الفلسطينية حتى ينتج جيل يتعاطى كل أنواع الموبقات، ولا يهتم لا بحق العودة ولا بفكرة الثورة.. وبالفعل فإن أي شاعر أو مثقف فلسطيني لا يستطيع أن يقيم ندوة أو أمسية في وسط المخيم ويحضرها خمسون شخصا.. لقد انتهى ذلك الزمان الذي كانت مدارج جامعة دمشق لا تتسع للشباب الفلسطيني والسوري في أمسيات درويش ومظفر النواب.. فالمثقفون الفلسطينيون ليس فيهم من هو غير مرتبط بالمؤسسات “الثقافية” الخليجية، حيث الهبات والأعطيات والمكرمات والمكافآت وسائر مسميات الرشوة.

وحتى لا يعتقد أحد أننا نظلم حكام الخليج التي تستعمل المال ضد القضية الفلسطينية، نقول أنه بإمكان موسح حج واحد أن ينهي إلى الأبد شيئا اسمه “مخيم” ويحول الفلسطينيين إلى شعب منتج لا يعتمد على الهبات، فالسعودية يفوق دخلها في موسم الحج الواحد 80 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي ليكون ميزانية دولة بكاملها، لكن السعودية وسائر دول الخليج أوغلت في اللؤم، فهي لا تريد للفلسطينيين أن يعيشوا على أراضيها كما هو حال الهنود والفليبنيين، لأنها تخافهم وتفضل أن تكوّن دولا بحكام عرب لشعوب غير عربية، ولا تريد للفلسطينيين أن يعيشوا مرتاحين في الدول المسماة “مضيفة”، فتساوي السورى باللجوء في بلده مع الفلسطيني الذي جاءه لاجئا قبل ستين عاما فقط.

وإذا افتقد الفلسطينيون في سورية صوت مثقفهم وشعرائهم كخالد أبو خالد وحمزة البرقاوي وعبد الرحمين غنيم وأحمد البرقاوي وغيرهم، فإن اللاجئين السوريين في وطنهم لا يسمعون اليوم أصوات إبراهيم دراجي من أصل جزائري والمستشار القانوني لمنظمة اللاجئين الدولية، ولا ابن الطيب تيزبتي من أصل مغرب وصاحب السمعة العالية في الفكر الفلسفي في العالم ولا صوت على عقله عرسان من درعا، وأمين عام اتحاد الأدباء والكتاب العرب السابق، وغيرهم كثير كلهم جميعا اليوم في حالة اللاموقف.

وهي حالة حبلها أقصر مما يعتقد أهلها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عمار

    ألغخوة الفسلطينيون ضيوف على سوريا وليسوا مجبرين على اتخاذ موقف مما يجري هناك أو الانحايز لأي طرف سوريا احتصنتكم فلا تسيئوا إليها مشعل وحمس باعوا سوريا مقابل حفنة من دولارت أمير قطر فظهر أنهم ألعن من أبو مازن وجماعة فتح وأن هؤلاء أشرف منهم كما أن الانحايز لطرف معين في صراع تدور رحاه في أي بلد يستضيف الفلسطيين يجر عليهم الوبال تذكروا ما حصل للفسلطينيين في الكويت عقب حرب الخليج الثانية ثم كيف نطل بهم وذبحوا وطردوا من العراق بعد غزو هذا البلد وقبلها أحداث الأردن ولبنان إلخ كل هذا يجعل للفلسطينيين لل