“شروق” إلى الأبد
آآآآآآه.. .لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. جفت الأقلام.. تنهّدت الأحلام.. ثارت الآلام.. دمعت العيون.. بكت القلوب.. اهتزّت العقول.. لكن بالصبر يستمرّ النصر.. بالذكريات الجميلة يُصنع الحاضر والمستقبل.. بتهدئة النفوس تطمئن الأفئدة.. بالأمل تضمّد الجراح وبالقوّة تتواصل الحياة، فهذه سنة الله في خلقه.
رحمة الله عليك يا أستاذي الفاضل الراحل علي فضيل.. لا أريد أن أكتب كثيرا، لأن الأنامل حزينة وفقدت طول النفس.. تستحق جرائد وكتب ومؤلفات وموسوعات وقواميس، وقد لا نفي بما تستحقه، ولا نعطيك حقك.. رحمة الرحمان الرحيم الغفار الغفور الشفيع الحليم وبكلّ أسمائه الحسنى، أسكنك فسيح جناته، وألهمنا جميل الصبر والسلوان.
أستغفر الله العظيم، من كلّ ذنب عظيم.. إنّا لا نسألك ردّ القضاء، وإنّما نسألك اللطف فيه.. لا راد لقضاء الله.. ما كتب على الجبين لن تزيحه اليدان.. رحمك الله برحمته الواسعة، وقد تركت لنا “الشروق”.. شروقنا.. ذلك “البيت الكبير الذي يجمع الجميع.. ألـّي ما تعشى فيه يبات للدفا”.. هكذا كنت تقول رحمك القادر القدير.
“الشروق” لن تغرب بحول الله تعالى ومقدرته، فقد قلتها يا أستاذنا مرارا وتكرارا، في عزّ الأزمات والمحن، “الشروق وقف”.. هي فعلا وقف لا يُباع ولا يُشترى، وهذه هي الخلطة السحرية لكلّ الشباب الذين شابوا في هذه الدار، وشبوا على الولاء والانتماء لها، دون انتظار جزاء ولا شكور.. وهؤلاء هم الشروقيون.
“أنت شروقي”، قالها المبدع علي فضيل رحمه الله، لكل من كان يستحقها.. فكانت كلمة السرّ، وعربون الطاعة والذود عنها.. كانت مفتاح النجاح والفلاح.. وكانت وسام العرفان والتقدير لتلاميذ كبروا في “الشروق” إلى أن أصبحوا “مشاريع” أساتذة، يخاطبونهم من يعرفونهم “كيف الحال يا شروق”؟
كانت “الشروق” اسم الشهرة لطاقات وكفاءات دوّنت أسماءها بحروف من فضة وذهب وألماس.. والفضل طبعا لرجل من معدن نادر، اسمه “أبو علي”، مثلما “يدلعه” السابقون من المخضرمين والرفقاء والأصدقاء الذين بدؤوا معه مهنة المتاعب والمصاعب والمصائب.
غرس “الغالي” شجرة عريقة أصيلة مثمرة متجذرة شامخة شافية.. شجرة طيبة من الثمرات المباركة لأشجار التين والزيتون والنخيل.. وهذه هي سنة الحياة.. غرسوا فأكلنا.. ونغرس ليأكلوا.. ليستمرّ الخير والتفاؤل والوئام والتلاحم والتضامن والتعاون والمودّة وكلّ ما يُرضي سبحانه تعالى، وطبعا من لا يشكر الناس الخيّرين لا يشكر الله.
في “شروقنا” تين وزيتون وتمر، وأحيانا يجفّ الريق و”يسماط” اللسان، لكن “حلاوتها في شقاوتها”، وإن الأزمة تلد الهمة، وبعد الضيق يأتي الفرج، ولن يتسع الأمر إلاّ إذا ذاق.. هكذا تعلمنا وواجهنا وكافحنا وتحدّينا وتصدّينا وانتصرنا مع أستاذنا الذي فقدناه، لكن ما قدّمه وتقدّم به سيجعله عندنا لا فاقدا ولا مفقودا.
تربّينا في “شروقنا” على أننا لا نستسلم أبدا.. ننتصر أو نستشهد.. رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيكم خطأ يحتمل الصواب.. نذود عن الوطن.. ندافع عن المواطن.. نقف مع القضايا العادلة والمصيرية ظالمة أو مظلومة.. لا نخشى لومة لائم في الحقّ والحقيقة.. نرى أنفسنا في المرآة من حين إلى آخر، حتى نقيم أنفسنا بأنفسنا، ونصحّح أخطاءنا.. نعتز بملاحظات وانتقادات أعزائنا وبهم ومنهم ومن أجلهم نقوّم وننقـّح وعندما يقتضي الأمر “نجرح ونداوي”.
هذه هي “الشروق”.. شروقكم منذ أن أسّسها الأستاذ علي فضيل بداية التسعينيات.. “شروق عربي”.. “شروق يومي”.. “قنوات الشروق”.. مسيرة شاقة دون شك.. لكنه مسار حلو ومثمر، جاد وحاد.. كان في بعض المنعرجات محفوفا بالمخاطر والألغام.. غيرة وحسد، لكن عين الحسود لا تسود.. وفي كلّ مرّة كان فقيدنا وفقيدكم يقوّي الرهان بالمفاجأة والإبداع والاختراع والسبق والتميّز والتألق، فكان النصر حتما مقضيا.
هي “الشروق”.. إشراقة إلى الأبد رغم كيد الكائدين والحاسدين.. وهذا هو مفتاح الاستمرارية التي كان “عليّ” يسلمنا إياه في السرّ والعلن من أجل فتح أبواب الابتكار والتجديد، فمن تجدّد وتعدّد لن يتبدّد إلاّ بقدرة قادر، فهو القادر على كلّ شيء، يقول للشيء كن فيكون.
.. كاذب ومنافق ومحتال، هو من ادّعى زورا وبهتانا، بأنه لم يتعلم في “الشروق”.. وأنه لم “يتدفأ” في هذه الدار الكبيرة.. وناكر خير وجميل هو من زعم أنه لم ينتفع من “إنسانية” وطيبة الراحل رحمة الله عليه وقلبه الكبير.. وهذه هي واحدة أخرى من أبجديات “سرّ المهنة” في “الشروق” التي دوّخت الذكيّ قبل الساذج!
كان يقولها بالفمّ المليان: “لا نجاح من دون الجمع بين العلاقات الإنسانية والمهنية”.. وطبعا، فقد وقفنا على هذا اللغز الذي لا يمكن فكّ شفرته إلاّ بالتعامل والمعاملة والتقرّب والقربى من الرئيس المدير العام لمجمّع “الشروق”.. منصب هام وكبير، لكنه لم يتبدّل ولم يتلوّن خاصة على من يعرف معدنهم ويعرفون أصله، إلى أن وافته المنية، رحمة الله عليه.
شخصيا كان عندما يحدثني يستعمل لفظة “الأخ”.. وليس هنا المقام والمقال لأكتب عن علاقتي الشخصية بالفقيد، ولكن لإضاءة متانة وجذور الروابط “الأخوية” بين أفراد عائلة “الشروق” من مديرها العام إلى نائبه إلى رؤساء التحرير إلى الصحفيين والمراسلين، إلى كلّ المسؤولين والإداريين والتقنيين وكلّ الموظفين بكبيرهم وصغيرهم في مختلف الأقسام والمصالح والولايات، لا فرق بينهم إلاّ بالتقوى، وبما أعطوا لشروقهم بلا حسيب ولا رقيب.
إنها العائلة العريقة التي “لا تحول ولا تزول”، مثلما يقول المثل الشعبي، سواء في الحفاظ على الأمانة، والأخوّة والتفاهم والودّ والشورى والمشورة.. أو في مواصلة المشوار بنفس الرويّة والرؤية والحكمة والتبصّر والوفاء وروح المجموعة ففي الاتحاد قوّة، وقوّة “الشروق” من قوّة تسامح علي فضيل، وصلابة الأخوّة بين كلّ “الشروقيين” الحقيقيين الذين لا يملون ولا يبخلون ويضحّون في السرّاء والضراء.
نعم، هو مصاب جلل، لا يقاوم إلاّ بالصبر والتضرّع إلى العليّ القدير، وبالدعاء للمرحوم والإخلاص له، وبالبقاء على العهد والوعد.. بمواصلة الدرب نتجاوز بحول الله حرقة الفراق ولوعة الأحزان.. وهذا هو قضاء الله وقدره.. فنم قرير العين يا أستاذنا الفاضل، فقد تركت وراءك رجالا ونساء “ولاد عايلة” و”تاع النهارات الكبار” مثلما كنت تصفهم..
سنحفظ جميعنا الأمانة ونصون الوديعة.. لن نخون ولن نبدّل ولن ننهزم ولن نبيع.. لن نتخاذل ولن نملّ من تعب المثابرة والكفاح ولن نتوقف عن الجدّ والاجتهاد.. لن نستسلم ولن نيأس ولن نقنط من رحمة الله، فهو معيننا ومنير طريقنا ومطهّر قلوبنا وعقولنا، فاللهمّ ثبّت كل الشروقيين على الخير ففيه فلاحنا وصلاحنا وخلاصنا.