-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شيخوخة الحداثة الغربية

عمار يزلي
  • 59
  • 0
شيخوخة الحداثة الغربية

العالم يشيخ منذ أزيد من جيل، ويزداد هرم شيخوخته مع الوقت ومع تنامي التنافس الاقتصادي بين القوى الكبرى وتكنولوجيات العصر الحديث وإيديولوجيا الرأسمالية والحداثة التي ابتدعها الغرب قبل نحو ثلاثة قرون.

تتجلى هذه الشيخوخة في تقلّص النمو السكاني في الغرب بشكل خاص والعالم بشكل عام، وانخفاض معدل الولادات، وانكماش القدرة على الإنجاب سواء لدى الذكور أو الإناث، لأعذار تتعلق بتأخر سن الزواج ولكن أيضا بسبب “العُقم” المؤقت، لأسباب يرجعها بعض المختصّين إلى نمط التغذية المخالف للطبيعة، هو مؤشر قوي على أن الهرم قد بدأ ينخر جسد العالم المتحضّر الحالي وأن الانكماش السكاني وانهيار العائلة ومسؤولية إنجاب الأبناء وتربيتهم هي بمثابة إعلان الموت البطيء لعالم ما بعد الثورة الصناعية.

الحداثة الغربية لما بعد عصر الآلة والإنتاج الرأسمالي الداعي إلى الربح السريع وبلا حدود، من كسرت القواعد التقليدية في المجتمع والفكر والثقافة والأدب والأخلاق والدين، بل وحوّلت العلمانية إلى “دين وضعي”، يعتمد على القوانين الوضعية التي تسنّها الدولة بذريعة التطور التقني والسرعة في الإنتاج وتقليص العوائق ومنها “عائق” الروابط الاجتماعية والدينية؛ فالأسرة التقليدية، القائمة على العائلة الموسّعة، ستنهار لصالح أسرة نووية: انتقل المجتمع المديني الصناعي من عصر العائلة إلى عصر الأسرة: من النظام العائلي والتربوي الذي تضمن التكاثف والتكاثر والاستقواء عبر الإنجاب والتناسل والتعاون في مجال الفلاحة والرعي أساسا، انقلب مع المجتمع المديني إلى فلسفة الأسرة النووية، وتقلَّص معه الإنجاب بدعاوى ترشيد الاقتصاد والقدرة على رعاية الأطفال وتربيتهم بحسب مستوى المعيشة.

حقّ أريد به باطل. هذا الباطل كان يراد منه تحويل المجتمع الحديث إلى “مجتمع أفراد”: مجتمع مفتّت، لهذا أنتجت هذا الثالوث العلماني مترابط الأطراف: الحرية والفردنة والعقلنة، ثالوث ظاهره الرحمة وباطنه من قبله التسوّس الاجتماعي، تسوّس ينخر جذع المجتمع ليصل لاحقا إلى الفروع ولكن أيضا إلى الجذور: الحرية ستجلب حرية بلا حدود وبلا ضوابط. هذه الحرية تكون باسم الحريات كلها ومن دون استثناء ولكن أيضا حريات الأفراد. هذه الأخيرة وإن كانت تسيل لعاب الجميع فرادى وجماعات في البداية، إلا أنها مع الوقت أظهرت أن المقصود كان تفتيت المجتمع وتقليص دور الأسرة، حتى تلك النووية التي أنشأها المجتمع الجديد على أنقاض العائلة الريفية التقليدية. الزواج لم يعد كما كان، وروح المسؤولية في تربية الأطفال بعد الانجاب تقلصت إلى حد كبير، لصالح “تشارك ثنائي” بدل الزواج المعروف.

سياسة تقليص الإنجاب والتي دعا إليها “مالتوس” كمنظّر للرأسمالية المعاصرة، كانت تدّعي أن نمو السكان يتزايد بمتوالية هندسية فيما ينمو الاقتصاد بمتوالية عددية، بما يعني أن المجتمع سيكون عليه تقليص عدد السكان المتسارع من أجل التمكن من العيش في مجتمع لا يملك الموارد الكافية لمواليد بلا حدود، فكانت سياسة الإملاءات بتقليص الولادات أو ما يسمى سياسة تحديد النسل أو أحيانا تنظيم النسل. حدث هذا حتى في الصين الاشتراكية التي دخلت الرأسمالية “الخضراء” من الباب الأحمر. تراجع الولادات الذي حدث في الصين في المواليد خلال جيلين أو أكثر، بدا نذير شؤم قبل سنوات، فقررت الصين التراجع عن هذا القرار. لقد أربكت سياسة الطفل الواحد الدولة والمجتمع برمّته حتى أن كلمات: العم والخال والعمة والخالة والأخ والأخت… كادت أن تفقد فعليّا في القاموس الصيني. سياسة الطفلين اليوم، تصحيح مرحلي من أجل تلافي الشيخوخة والانقراض. هذا في الصين ذات الكثافة الديمغرافية المنفجرة، فما بالك بالغرب الهرم اليوم المتهاوي والمتلاشي تدريجيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!