-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صوت الحكمة والعقل مع صولة العقاب

سلطان بركاني
  • 605
  • 0
صوت الحكمة والعقل مع صولة العقاب

نازلة مروّعة تستحقّ أن تعلن لأجلها حالة الاستنفار ويُقنت لها في الصّلوات، ألمّت ببلدنا وبلدان أخرى في العالم؛ حرائق هائلة اتّسعت رقعتها لتشمل 5 قارات في العالم، ومسّت 33 بلدية في 17 ولاية من قطرنا الغالي، وأدّت إلى وفاة ما لا يقلّ عن 65 جزائريّا بين مدنيّ وعسكريّ، نسأل الله أن يتقبّلهم عنده في الشّهداء، فضلا عن الخسائر المادية الهائلة في الغابات والممتلكات العامّة والخاصّة.. نكبة يتفتّت لها الحجر ويتذكّر لها من تذكّر قول أمير المؤمنين عمر: “لو أنّ شاة هلكت بشط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنها”، مع حفظ الفارق بين شاة تعثر بسبب طريق عرة، وبين أجساد تتفحّم بلهيب نيران عاتية تواجَه -في الغالب- بالجرافات وخراطيم المياه!

فاجعة تألّمت لها القلوب الحية، لكنّها أبانت -ككلّ مرّة- عن المعدن النفيس للجزائريين الذين تداعوا ليغيث بعضهم بعضا، لكأنّهم جسد واحد إذا مرض منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر.. مثل هذا التلاحم لا يعجب جند إبليس والدجّال المعتاشين على التفرقة الذين يسعون في الأرض فسادا ويوقدون الفتن بين عباد الله، لذلك تراهم كلّما هدأت فتنة أوقدوا أخرى، وكلّما خبت نار أضرموا أخرى، وقد رأينا كيف بلغ بهم الأمر إلى حدّ التّخطيط والتّحريض على قتل وحرق شابّ بريء هبّ من ولاية عين الدفلى ليغيث إخوانه في ولاية تيزي وزو؛ حيث أبى شياطين الإنس إلا أن يهيّئوا الملابسات ليُلبسوه تهمة إشعال الحرائق ثمّ يغروا به الهمج الرّعاع الذين أحاطوا به من كلّ جانب ونكّلوا به وقتلوه وأحرقوا جثّته ثمّ ذبحوا الجثّة المتفحّمة بكلّ وحشية، ليختموا المشهد المروّع الذي لم يعرف تاريخ البشرية له نظيرا، بأخذ صور “السيلفي” مع بقايا الجثّة المتفحّمة!!

خيوط المؤامرة التي حيكت لإشعال نيران الفتنة بالتزامن مع اشتعال النيران في الغابات والبيوت وفي أجساد المنكوبين، تبدو واضحة، وهؤلاء الذين انقادوا للمؤامرة وفعلوا فعلتهم المنكرة، قد يوجد مثلهم ممّن لديهم القابلية للانسياق خلف المؤامرات في كلّ مكان وكلّ منطقة، فلا ينبغي أن يؤخذ بريء بجريرتهم، فضلا عن أن تدان ولاية أو منطقة كاملة بجرمهم، يقول الله تعالى: ((وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)).. إخواننا في منطقة القبائل أظهروا براءتهم من هذه الجريمة المنكرة، وعزّوا أهل القتيل ونادوا بمعاقبة المجرمين.

وكما أنّه لا يجوز أن تحمّل الجريمة ولايةً أو منطقة بأكملها، فإنّ المجرمين ينبغي أن يلاحقوا ويقبض عليهم ليمثُلوا أمام القضاء وينالوا العقوبة المستحقّة في أسرع وقت، ليرتدع غيرهم ويعلم الهمج الرّعاع أنّهم لا يعيشون في غابة يستفرد فيها القويّ بالضّعيف.. ينبغي أن يحاكم المجرمون ولو كانوا مئات، وينفّذ فيهم الحكم الشّرعيّ الذي بيّنه أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- حينما علم أنّ غلاما قُتل غيلة فقال: “لو اشترك في قتله أهل صنعاء لقتلتهم”، إلا إن بدا لأهل المغدور -رحمه الله- أن يعفوا عن القتلة.. تماما كما يجب أن يقدّم أمام العدالة المجرمون الذين أضرموا الحرائق التي أدّت إلى وفاة عشرات الأبرياء، لينالوا جزاءهم المستحقّ، حتى يرتدع غيرهم..

وهؤلاء الجناة وأولئك لا يجوز أبدا التستّر عليهم أو إيواؤهم، بل تجب الدّلالة عليهم والتبليغ عنهم، يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “لعن الله من آوى محدثا”، أي لعن الله من آوى ظالما أو سارقا أو قاتلا أو مفسدا في الأرض أو الدين، ما يعني أنّ التستّر على المجرم حتى يُفلت من العقاب جريمة وإثم عظيم، ومعلوم من دين الله -جلّ وعلا- ومن تجارب الواقع أنّ السّكوت عن المنكر وترك إنكاره من أعظم أسباب نشوب الفتن وحصول الفرقة، يقول الله تعالى: ((وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون)) (المائدة: 14).

الله جلّ وعلا يقول: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون))، والجزائريون كلّهم مسلمون ولله الحمد، وهم كلّهم إخوة مؤمنون، عربهم وأمازيغهم، وهم جميعا يدٌ على المجرمين المفسدين سواءٌ كانوا في تيزي وزو أو خنشلة أو تبسة أو في أيّ مكان آخر، لأجل هذا ينبغي لنا أن نحسب الحساب لكلّ كلمة تنطق بها ألسنتنا أو تخطّها أناملنا، فربّما تؤدّي إلى إذكاء مزيد من الفتن وإزهاق مزيد من الأرواح؛ فهناك من يتمنّى للجزائر ولكلّ بلد مسلم أن ينحدر إلى حرب أهلية كتلك التي حصلت في روندا بين التوتسي والهوتو، ومن يمكر بالمسلمين لينشغل بعضهم ببعض عن إدراك ما يخطّط له النّظام العالميّ وجنود الدجّال.

أهل العلم ينبغي لهم أن يتكلّموا في زمن الفتن ويقولوا كلمة الحقّ بالحكمة والعقل، لكنّ عامّة النّاس ينبغي لمن علم منهم شيئا وغابت عنه أشياء أن يسكت ولا يتكلّم فيما لا علم له به، ولا يرجم بالغيب، يقول الله تعالى: ((هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون))، ويقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك”، قالها عندما سئل عن النّجاة من الفتن.

أخيرا وعودا على بدء؛ ينبغي ألا ننسى أنّ هذه الحرائق أيا تكن الجهة المتسبّبة فيها، هي في النهاية بقدر الله وأمرُها بيده سبحانه، وهي في البداية والنهاية فتنة ينبغي أن تقرع قلوبنا بالفرار إلى الله والفزع إليه.. ينبغي لقلوبنا أن تتحرّك ولأحوالنا أن تصلح ونحن نرى الفتن تتوالى وتتوارد علينا كحبّات عِقد انقطع خيطه، ولا ينبغي أبدا أن تكون حالنا كحال من قال الله عنهم: ((أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُون)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!