عطس الأفلان.. فهل سيزكم الأرندي؟
أعادت استقالة الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني السابق، عمار سعداني، وانتفاضة خصوم الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، أعادت إلى الأذهان ما حدث ذات شتاء عام 2013، وهي العاصفة التي أسقطت كما هو معلوم كل من عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى، من قيادة حزبيهما بعد أشهر قليلة من إبعادهما من مناصبهما السامية في الحكومة والرئاسة على التوالي. البعض يربط عودة “تصحيحية” الأرندي إلى الواجهة برغبة بعض الوجوه المحسوبة على هذا الحزب في التموقع تحسبا للاستحقاقات المقبلة، في حين يذهب البعض الآخر إلى الاعتقاد بأن تحركات هؤلاء مدروسة، وأنهم لم يكونوا ليتحركوا لو لم يتلقوا الضوء الأخضر من جهات ما. فأي الطرحين أقرب إلى الواقعية؟ وهل بالضرورة عندما يعطس الأفلان يزكم الأرندي؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها.
تصحيحيو الأرندي يعودون للواجهة
مشهد جانفي 2013 يرتسم في الأفق
خلفت عودة خصوم الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، أحمد أويحيى، لحراكهم بعد أشهر من الهدوء، وتزامنه مع استقالة أو إقالة الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، انطباعا لدى الكثير من المتابعين، بأن شيئا ما يحدث بعيدا عن الأنظار قد يكون مشابها لذلك الذي وقع قبل نحو أربع سنوات، لقيادة نفس الحزبين.
فلم يمض على رمي المنشفة من قبل سعداني، سوى أسبوع واحد فقط، حتى خرج الطيب زيتوني ونورية حفصي ورفاقهما، مجددا للواجهة ببيان استلهموا فيه من أخطاء قالوا إن الرجل الأول في القوة السياسية الثانية في البلاد وقع فيها خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، كان أهمها موقفه الغريب من جماجم المقاومين الجزائريين المحبوسة في المتاحف الفرنسية، وكذا عدم مساندته لوزير التجارة، بختي بلعايب، باعتباره ممثل الحزب في الحكومة، في صراعه مع “الفساد”، في إشارة إلى ما عرف بقضية استيراد السيارات المستعملة.
وإن كان هؤلاء الغاضبين على أويحيى، قد سبق لهم أن شقوا عصا الطاعة على الرجل قبل وأثناء المؤتمر الخامس المنعقد في ماي المنصرم، ولم يحققوا هدفهم، إلا أن تزامن خرجتهم هذه المرة مع تنحي سعداني من قيادة الأمانة العامة للأفلان، أعطى بعدا لخطوتهم هذه، ودفعت البعض لإيلائها قسطا من الاهتمام.
ومما يضيف لخرجة خصوم أويحيى زخما سياسيا هذه المرة، هو تزامنها أيضا مع تصاعد الأصوات الداعية إلى عهدة خامسة للرئيس بوتفليقة، الذي دشن وعلى غير العادة، ثلاث زيارات ميدانية في ظرف 12 يوما، كانت الأولى لتدشين مبنى الأوبرا بأولاد فايت غرب العاصمة، في العشرين من الشهر الماضي، ثم الوقوف على مدى تقدم أشغال مسجد الجزائر الأعظم الأحد المنصرم، ثم “خرجة” ثالثة في الفاتح من نوفمبر بمربع الشهداء بمقبرة العالية.
كما تزامنت زيارات الرئيس الميدانية مع تدشين حملة قادها زعماء أحزاب موالية للسلطة، في صورة الأمين العام الجديد للحزب العتيد، جمال ولد عباس، الذي تحدث عن عهدة خامسة الرئيس بوتفليقة، وكذا إعلان وزير التجارة الأسبق، ورئيس الحركة الشعبية، عمارة بن يونس، استعداد حزبه لدعم عهدة خامسة، فضلا عن بيانات بعض الزوايا تدعو القاضي الأول للترشح في 2019، وهو ما يؤشر على أن قطار العهدة الخامسة يكون قد انطلق، حتى وإن كان موعد 2019 تسبقه استحقاقات أخرى لا تقل أهمية ربيع العام المقبل.
مثل هذا المشهد يحيل المتابع إلى الاعتقاد بأن الباحثين عن عهدة خامسة للرئيس لا يتمنون رؤية شخصيات سياسية وازنة تتبوأ مناصب مؤثرة، ولعل هذه القراءة تجد لها مرجعا يستأنس به، في حالة إبعاد كل الأمين العام الأسبق للحزب العتيد، عبد العزيز بلخادم، وكذا غريمه في التجمع الوطني الديمقراطي، الذي دفع بدوره لرمي المنشفة.
ويكون أن أويحيى قد حفظ الدرس جيدا منذ إعادة الاعتبار له بتعيينه مديرا للديوان بالرئاسة، ثم إعادته إلى قيادة حزبه، على عكس بلخادم الذي انخرط في مسعى انقلب عليه فخسر منصب المستشارية في الرئاسة وجرد من نفوذه في الأفلان، إلا أن وجود شخصية بثقله السياسي في المواقع التي يتربع عليها، قد يزعج أطرافا لها طموحات جامحة بالرغم من ما تملكه من نفوذ وجاه.
وإن كان الرجل الأول في القوة السياسية الثانية في البلاد لم يبد لحد الآن ما يشير إلى عدم انسجامه مع محيطه الرئاسي، إلا أن انبعاث الحركة التصحيحية التي تستهدف رأسه في الحزب، قد تدفعه للقيام بما يعطي الانطباع للطرف المنزعج من طموحه السياسي، بأنه (أويحيى) وفيّ لأولئك الذين أنقذوه في أكثر من مرة، وهذا يتطلب المزيد من الإذعان، وقالها الرجل وكررها “الترشح للانتخابات الرئاسية ليس من أولوياتي حاليا”، عبارة قالها في وقت سابق، لكنها لم تشفع له في محطة سابقة.
الناطق الرسمي باسم الأرندي شهاب صديق
“خرجات” التصحيحيين أصبحت موسمية وهدفهم الانتخابات

عادت الحركة التصحيحية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد أسبوع من استقالة سعداني من حزب جبهة التحرير الوطنمي.. هل الأمر مجرد صدفة؟
في الحقيقة؛ التجمع الوطني الديمقراطي، تعود على مثل هذه “الخرجات” من أشخاص لا يمتون بصلة للحزب ولا يملكون حتى بطاقة العضوية، ويحاولون في كل مرة استغلال المواعيد الانتخابية من أجل العودة مجدد إلى المشهد السياسي بحثا عن التموقع.. غير أن الأرندي رد عليهم بقوة والدليل خروجه من المؤتمر الأخير بقيادة جديدة حظيت بإجماع الأغلبية، والآن لدينا هياكل متماسكة وفاعلة، والمؤتمر ولّد للحزب طموحا وأهدافا ولن يؤثر عليه حتى ولو خرج بعض الأشخاص عن النهج، بحثا عن مناصب بعيدا عن النضال الحزبي الحقيقي الذي يتميز به الأرندي.
البعض يربط بين ما يجري هذه الأيام وما حدث في جانفي 2013، وهي المرحلة التي تنحى فيه أويحيى من الأمانة العامة للأرندي وسحبت فيها الثقة من غريمه في الأفلان، عبد العزيز بلخادم؟
لا أعتقد ذلك، ولا يمكن حتى المقارنة بين هذه وتلك، لأن الحزب في الفترة الزمنية الممتدة ما بين 2013 و2016، استطاع أن يحقق العديد من الانتصارات، بينما ما يعرف بـ”التصحيحية” كان وجودها دائما مرتبطا بمناسبات معنية، والكل يدرك ما هي، إنه اقتراب مواعيد الاستحقاقات، وبالتالي فإن أحسن رد على هؤلاء هو وجود “الأرندي” في الصفوف الأولى بهياكل متماسكة وشرعية، واستعداده لدخول التشريعيات المقبلة بقوة، لذلك يمكن القول إن خروج بعض الأشخاص عن السرب لن يؤثر على الحزب وعلى نتائجه المحققة.
رفضت حتى المقارنة بين ما حدث في 2013 وبين المرحلة الراهنة.. برأيكم ما الذي يميز المرحلتين عن بعضهما البعض؟
بالنسبة للأرندي، لا شيء تغير. النقطة الوحيدة التي يمكن القول إنها تغيرت أو بالأحرى نجحنا فيها، هي النتائج المحققة خلال المسيرة النضالية للحزب، الذي لم يبدل من أسلوبه، حيث تمكن من التطور والنجاح بفعل القيادة الشرعية المنبثقة عن المؤتمر الخامس، وهي التي ساهمت بقسط وافر في بقاء الحزب متماسكا وقويا، بالرغم من خروج بعض الأقليات عن الخط، واستغلالها لوسائل الإعلام للظهور مجددا على الساحة السياسية بعد ما فشلت على كافة الأصعدة.. إنها تحاول استغلال الحراك السياسي الذي يسبق كل موعد انتخابي، لتجد لنفسها مكانا في المشهد.
ماذا يريد بالضبط خصوم أويحيي، وهل لخرجتهم علاقة بالاستحقاقات المقبلة؟
بالتأكيد لها علاقة بالاستحقاقات المقبلة، فهؤلاء يريدون مناصب ويبحثون عن مكان لهم في الواجهة، ولو كان ذلك على حساب مبادئهم الحزبية التي يرفعونها في كل مناسبة، فهم يحاولون في كل مرة خلق البلبلة والفوضى داخل الحزب دون جدوى، لأن مناضلي التجمع الوطني الديمقراطي، من قيادات وإطارات على دراية بنوايا هؤلاء الأشخاص، الراغبين في استقطاب منافسي الحزب بالدرجة الأولى ومحاولة استمالتهم، والشيء الوحيد الذي يمكن قوله هنا، هو أن هؤلاء لن يستطيعوا بأي حال من الأحوال التأثير على مستقبل الحزب، الطامح لتحقيق نتائج كبيرة في التشريعيات المقبلة وكل الاستحقاقات القادمة، للتأكيد على مكانته الريادية في الساحة السياسية.
نسمع كثيرا عن الاستقالات في التجمع الوطني الديمقراطي.. هل يمكن أن نعرف ماذا يحدث بالضبط؟
في الحقيقة هذا أمر عادي.. الحديث عن استقالات وانشقاقات في هذه الفترات التي عادة ما تسبق المواعيد الانتخابية.. إنها مشاكل تحدث في كل الأحزاب السياسية تقريبا، وليست على التجمع الوطني الديمقراطي فقط، لكن الشيء الوحيد الذي أريد توضحيه هنا، هو أن استقالات بعض الأشخاص الذين لا يمكن حتى وصفهم بالمناضلين، راجع لكونهم وجدوا أنفسهم خارج القوائم الانتخابية. لهذا أقول وأكرر إن المناضل الحقيقي هو الملتزم والمؤمن بخط الحزب ومبادئه وقناعاته، والذي يريد المنصب فما عليه سوى تأكيد ذلك بكفاءته وليس بالطرق الملتوية، لذلك أقول إن ما يقوم به من يسمون “التصحيحيون” ما هو إلا مجرد محاولة لإثارة انتباه الخصوم ولو على حساب الحزب.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر سفيان صخري
أحزاب السلطة “أجهزة” تحركها مراكز نفوذ وصنّاع قرار

ما هي القراءة السياسية التي تقدمونها لعودة الحراك السياسي على رأس الأحزاب الموالية للسلطة (حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني)؟
واضح أن الحراك السياسي الحالي له علاقة مباشرة بالانتخابات المقبلة، خاصة وأن هذه الانتخابات هي ما سيُحدّد ويرسم المرحلة المُقبلة للجزائر، وأحزاب السلطة خاصة جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، يسعيان كعادتهما للتموقع في إطار إستراتيجية انتخابية، تستهدف البحث عن حصة الأسد في الاستحقاقات المقبلة، سواء كانت محلية أو تشريعية أو رئاسية.
هل تسلمون ببراءة استقالة سعداني من قيادة الحزب العتيد وبانتفاضة “تصحيحيي” الأرندي للإطاحة بأحمد أويحيى؟
لا يمكن التسليم أبدا ببراءة استقالة سعداني من الأفلان وتحرك التصحيحيين للإطاحة بزعيم القوة السياسية الثانية في البلاد.. فغالبية التشكيلات الموجودة حاليا على الساحة السياسية هي عبارة عن أجهزة وليست أحزابا.. ومعلوم أن أي جهاز لا يمكنه أن يتحرك دون وجود جهة تتحكم فيه عن بُعد، وبعبارة أخرى أدق، أقول إن أحزاب الموالاة تُعتبر أجهزة في يد السلطة السياسية، فالأخيرة هي التي تحرك الأمناء العامين وتدفعهم نحو الاستقالة أو البقاء، وهي التي تدفع خصوما أو مجموعات داخل هذه الأجهزة أي الأحزاب، حتى تظهر أو تنتفض على مجموعة أخرى، لتحقيق هدف السلطة السياسية، وهذا الحِراك يُمثل تحركات أطراف داخل مراكز صناعة القرار في البلاد.
ومن جهة أخرى، يمكن القول إن القراءة المنطقية لاستقالة سعداني، هي أن الرجل جيء به لتنفيذ مهمة معينة، وعندما أنجز هذه المهمة أجبر على تقديم الاستقالة، وأنا كذلك أستبعد أن يكون قد استقال بمحض إرادته أو لأسباب صحية، خاصة وأن أعضاء اللجنة المركزية قالوا وبصوت واحد، إنهم يرفضون هذه الاستقالة.
هل لهذا الحِراك (إن صحّ التعبير) أجندات أخرى؟
هذا الحراك أو سمّه إن شئت الصراع، ليس له علاقة بإجراء استحقاقات نزيهة وشفافة، تكون حصيلة تنافس نظيف وشريف لخدمة الوطن، ولكن الحراك الذي يسبق دائما مناسبات من هذا القبيل، عادة ما يكون غرضه التموقع المفيد والبحث عن الأولوية وحصة الأسد في كوطة الامتيازات التي اعتادت السلطة تقديمها لمحيطها.
وأعتقد أن المشكل في الجزائر، هو أن الكثير من الكوادر والنخب السياسية لا تأتي من أجل النضال السياسي وتحقيق المصلحة العامة أو النهوض بالمجتمع، وإنما تتصارع فيما بينها لتقاسم كعكة (الريع) بحثا عن منصب سياسي أو امتياز ما، أو تراهم يستعملون السياسة للاسترزاق وقضاء مآرب شخصية ضيقة.
شخصيا، أتأسّف كون أحزابنا بعيدة كل البعد عن الماهية الحقيقية لهدف الحزب، من تسطير برامج وامتلاك قوة اقتراح ومشروع مجتمع، وجعل الحزب أداة تُبنى من خلالها قوة الدولة، وتحولت إلى أجهزة في يد جماعات مصالح سياسية ومالية للظفر بمنصب سياسي، وحتّى رجال المال والأعمال صار لهم كوطة سياسية ولهم من يُحرّكهم.
في رأيكم، لماذا تُستهدف قيادات أحزاب موالية في هذا الظرف ولماذا؟ وهل نحن أمام سيناريو جانفي 2013، أقصد إقالة بلخادم وأويحيى “بيس”؟
عندما أقيل أحمد أويحيى من منصب أمين عام الأرندي قبل نحو أربع سنوات، تحوّل بعد مدة وجيزة إلى شخص مهم يفاوض رؤساء الأحزاب والفاعلين السياسيين، وعُيّن رئيسا للديوان وهو منصب مُهمّ برئاسة الجمهورية. وبالتالي هنالك توزيع أدوار من طرف السلطة السياسية.. فكثير من السياسيين يتقمص أدوارا في سيناريوهات معينة ومحبوكة، غير أن هذا يُسحب منه لاحقا بمجرد انتهاء المهمة الموكلة إليه، وفق تخطيط يرسم المرحلة المقبلة المرتبطة بالاستحقاقات السياسية، سواء كانت محلية أو تشريعية أو رئاسية، وللأسف رؤساء الأحزاب عندنا يُعطون أهمية أقل للانتخابات المحلّية في الوضع السياسي الحالي، رغم أنها أكثر أهمية، لارتباطها بتسيير الشؤون العامة، وفي الوقت الحالي التشريعيات هي الأهم عند رؤساء الأحزاب لارتباطها مباشرة بالرئاسيات المقبلة، ومن نتائج التشريعيات نتنبأ حتما بنتيجة الرئاسيات المقبلة.