-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عقوبات وابتلاءات

سلطان بركاني
  • 403
  • 0
عقوبات وابتلاءات
ح.م

في كلّ مرّة تحلّ فيها قارعة من القوارع ببلد من البلدان التي اشتهرت بظلمها وبغيها، ويُظهر فيها المستضعفون في الأرض فرحهم بمصابها؛ تنطلق الألسن والأقلام التي أشربت الفكر المادّي تستهزئ بالفرحين والشّامتين، وتذكّرهم بأنّ كثيرا من هذه القوارع أصاب ويصيب بلاد المسلمين أيضا، وأنّ البلد الذي أصيب يعيش على أرضه المسلمون، وغالب شعبه لا يَدَ له في السياسة التي يختارها نظام تلك الدّولة، ويختمون ردّهم بأنّ الدّول المتقدّمة تملك من الإمكانات العلمية والمادية ما يجعلها تحتوي الكوارث التي تصيبها، فلا داعي للفرح.

هؤلاء المعترضون الذين ((يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، وينظرون إلى الدّاعين إلى الاعتبار بما يصيب المعتدين على أنّهم سذّج وأصحاب تفكير سطحيّ، هم في حقيقة الأمر أحقّ وأولى بوصف السّذاجة والسّطحية، لأنّهم أبعد ما يكونون عن فهم سنن الله في تدبير شؤون خلقه، وعن التّمييز بين العقوبة والابتلاء.

عندما تطغى التّفسيرات المادية على العقول!

رغم توالي النّذر والآيات في السّنوات الأخيرة، إلا أنّ التّفسير الماديّ لا يزال يطغى على عقول كثير من المسلمين فضلا عن غيرهم، ولا يزال قطاع عريض منهم ينظرون إلى ما يحلّ ببعض الأمم الظّالمة بأنّه لا علاقة له بما تفعله تلك الدّول بالمسلمين، وهو في بعض الأحيان مكائد تدبّرها دول ضدّ أخرى في خضمّ التّنافس غير الشريف بينها.. ونحن لا ننفي أن يكون هذا احتمالا واردا، لكنّنا ننكر الاكتفاء بالنّظرة السطحية إلى القوارع والنّكبات؛ فالله –جلّ وعلا- إذا أراد أن يري البشرية آية من آياته في شغل ظالم من الظّالمين بنفسه ولو لبعض الوقت، ربّما يسلّط عليه ظالما مثله، كما قال سبحانه: ((وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين))، وقال جلّ شأنه: ((وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز))، وربّما يسلّط العليم الخبير سبحانه على الظّالم جنديا من جنوده التي لا يعلمها إلا هو سبحانه، ((وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَر)).

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً

معظم القوارع والكوارث التي حلّت ببعض الدّول والأمم الظّالمة، في زماننا هذا، لم تكن مهلكة، لكنّها كانت من آيات الله الدالّة على عظمته وقدرته، وأنّه سبحانه قادر على إهلاك الظّالمين بالظّالمين أو بجنوده التي لا يعلم كثيرا منها إلا هو سبحانه، لكنّه -جلّ شأنه- يريد أن يبتلي بعض عباده ببعض ويدفع بغي بعضهم ببعض، ويريد لأمّة الشهادة أن تعود إلى دينها وينصر بعضها بعضا.

لقائل أن يقول إنّ هذه الكوارث التي تحلّ فجأة ببعض الدّول الظّالمة، يمكن أن تصيب المسلمين في تلك البلاد، ويمكن أن تصيب دولا لا ترضى المظالم التي تقترفها الدّول الظّالمة في حقّ المستضعفين، ويمكن أن تطال تلك الكوارث دولا مسلمة، ويُبتلى بها مسلمون أبرياء.. وهذا وارد، نسأل الله العافية، لكنّه لا ينفي أن تكون الكارثة في أصلها عقوبة زاجرة –لا مهلكة- للدّولة الظّالمة لقاء ما تقترفه في حقّ الأبرياء، ورسالة واضحة لكلّ الرّاضين والسّاكتين عمّا تفعل، وتكون كذلك ابتلاءً لعباد الله المؤمنين، ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب)).. وهكذا يمكن أن نميّز بين القوارع التي تنزل بالأمم والأفراد بحسب أحوال تلك الأمم وأولئك الأفراد؛ فذات القارعة يمكن أن تكون ابتلاءً وتمحيصا لقوم، كما قال الله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ))، وقد حصل أن ابتَلى الله عباده المسلمين بأنواع وألوان من المصائب، كما حصل على عهد الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، حينما نزل الطّاعون بديار المسلمين، في وقت ساد فيه العدل وعمّ الصّلاح.. كما يمكن أن تكون ذاتُ القارعة عقوبة لقوم آخرين، كما حصل لكثير من الظّالمين في فترات مختلفة من التاريخ، وفي زماننا هذا حيث نرى النّكبات والكوارث التي تصيب الظّالمين بين الحين والآخر، ((وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد)).. والنّكبات ليس بالضّرورة أن تحلّ بكلّ من ظلم، فقد يملي الله لبعض الظّالمين ويؤخّرهم، حتى إذا حان الوقت الذي أراده المنتقم سبحانه، أصابهم بقارعة أو مكّن منهم بعض عباده، ((قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُون)).. الجبّار -جلّ شأنه- قادر على أن يهلك كلّ ظالم، لكنّه –سبحانه- يريد لأمّة نبيّه الخاتم –عليه الصّلاة والسّلام- أن تقدّم الأسباب ليمكّن لها في الأرض، ((وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) (محمّد، 4).

أخيرا..
من حقّ المظلومين والمنكوبين أن يستبشروا خيرا بكلّ قارعة تصيب كلّ ظالم في هذا العالم، مهما كانت القارعة هيّنة، لكنّ الواجب علينا ليس معشر المسلمين خاصّة أن ننتظر حلول عقوبات الله بمن يظلمنا ويظلم إخواننا، إنّما الواجب علينا أن يقدّم كلّ منّا أقصى ما يمكنه تقديمه لنصرة إخوانه، في كلّ مكان، ليس بالدّعاء فحسب، إنّما بكلّ أشكال النّصرة المعنوية والمادية، وبإعداد ما يمكن إعداده من أسباب القوة والتفوّق الماديّ والعلميّ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!