على قدر أهل العزم
الأزمة المزمنة التي افتعلتها باريس وحكومة اليمين في فرنسا تجاه الجزائر، طمعا في تغيير توجه الجزائر الجديد وتليينا لمواقفها السيادية الاقتصادية والسياسية، وهذا منذ سنوات، ما فتئت تراوح مكانها، باحثة عن عون أوروبي وسند أكبر لها في محاولة ليَّ يد الجزائر، التي لم تعد تلك اليد المبسوطة كل البسط، ولا المغلولة كل الغل.
يأتي الرد الجزائر تباعا وعلى المنوال والمقابل ذاته، ومن دون ضجيج، والمعاملة بالمثل، هي خطوات للرد الحازم على كل إجراء تقوم به الحكومة الفرنسية.
في السياسة، يقال إنه ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون وإنما هناك مصالح دائمة. مع الجزائر، التي تتعامل بثنائية المبادئ والمصالح معا، خلافا لمبدأ المصلحة أولا وأخيرا، تجد نفسها تتعامل مع الجميع على أسس المصالح المشتركة وقاعدة “رابح رابح”، لكن أيضا مع مبدأ: الصديق أولى والأخ أقرب، من دون أيّ إخلال بمبدأ المصالح المشتركة، وأحيانا مقابل مصالح أخوية وجوار لا يقابل بثمن ولا بمقابل مادي، وهذا ما تقوم به مع الأشقاء والجيران عند الضرورة والحاجة والطلب. كان هذا دأب الجزائر منذ الاستقلال، عندما فتحت الجزائر حدودها مع الأشقاء في دول الجنوب، فكان التعامل والتعاون بطريقة التبادل البضاعي، من دون تقييم وفوترة: صيغ تبادل عيني بضاعي غير نقدي لا تخضع لتقييم.
مبدأ التعاون والتكافل والتآخي كان قائما ولا يزال، بل على العكس، لقد تطور بشكل غير مسبوق منذ خمس سنوات خلت، وهناك اقتصاد جديد ينمو عبر المناطق الحرة الحدودية ومن خلال التبادل التجاري بين دول الساحل، قبل أن يتغير نظام الحكم في بعض دول الساحل، وتتقلص هذه الحركة الواعدة، والتي ستعود حتما إلى طبيعتها الأولى عندما تزول الأسباب والدواعي.
مع الغرب، وأوروبا بالذات، نتجت هناك أزمة مع الحكومة الاسبانية، ودافعت الجزائر عن موقفها المبدئي ضد أي قرار يمس حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره والالتفاف على القرارات الأممية ومبادئها في دعم حرية الشعوب وتقرير المصير. كان موقف الجزائر مبدئيا، رغم العلاقات الاقتصادية الممتازة وقتها بين اسبانيا والجزائر، ولكن المبدأ كان حاضرا: لا للتعامل مع حكومة تخضع للابتزاز من قبل دولة مستعمِرة متآمرة. وكان للجزائر أن تمكّنت من إعادة علاقتها السابقة مع اسبانيا بعد تغير الموقف في الحكومة الإسبانية إثر الانتخابات الأخيرة، وبروز قوة جديدة في إسبانيا تناصر حقوق الشعب الفلسطيني والشعب الصحراوي.
مع إيطاليا، لم يتغير موقف الجزائر الثابت أمام موقف إيطالي ثابت تاريخي: تتعاطى الجزائر مع إيطاليا من بابين: باب الصداقة التاريخية الدائمة، وباب المصالح المشتركة القائمة على الاحترام وتبادل القيم وفائض القيمة معا.
أمام هذا، تجد فرنسا ذات التوجُّه الانتخابي اليميني، بين نار الرغبة في الإبقاء على مصالحها قائمة ولو على حساب مصالح الطرف الآخر، ونار الضغط غير المجدي على بلد لم يُجدِ معه ضغط، لا قديما ولا حديثا، فيما خلا مرحلة الضعف التي مرت بها، إذ كان البلد قاب قوسين من السقوط بين فكي عدو الأمس وأتباعه وعملائه ووكلائه في الداخل والخارج، لولا أن تداركه حظ الحراك الوطني الذي سيغيّر مسار التوجه ويعود بالسفينة وشراعها الممزَّق إلى بر الأمان.
الجزائر الآن، وهي تمتِّن علاقتها مع دول الجوار والأشقاء ومع آسيا، لن يكون بإمكان أحد، من تثبيط عزيمة الإبحار لديها، نحو مرافئ جديدة آمنة لمستقبل آمن وواعد ومستقلّ وسيادي، بعيدا عن كل الضغوط والفتن التي تحاول أيادي الإثم والخيانة إذكاءها لحاجة في نفس يعقوب.