علي فضيل… الصحافة والإنسانيّة في قلب واحد
في مطلع التسعينات من القرن الفائت، يوم كان الرصاص يلعلع في سماء الوطن المغدور، والرشّاش الحاقد يحصد رؤوس الأبرياء، وتعيش الصحافة المغلوبة على أمرها بين مطرقة الإرهاب الأعمى وسندان سلطة ضاقت ذرعا بالرأي المخالف لها، شقّ المرحوم علي فضيل بكل شجاعة طريق الإعلام الحرّ والأصيل عبر أسبوعية “الشروق العربي” بإمكانات متواضعة، تدفعها عزيمة فولاذية وإيمان صادق بالرسالة، وما هي سوى 10 سنوات حتى وضعت مولودها المبارك “الشروق اليومي”، قبل أن تتربع على عرش الإعلام العربي بتأسيس أكبر مجمع صحفي مغاربي، توشّح بمجلاته وإصداراته وجرائده ومواقعه وقنواته العديدة ومنصاته ومبادراته الخيرية.
ليس الكمّ هو العلامة الفارقة في حصاد ثلاثة عقود (خلال حياة المرحوم) من البناء التراكمي لصرح “الشروق” بكل أذرعها، بل خطّها التحريري المتميّز، ذلك التوجه المتفرّد الذي رسمه المرحوم علي فضيل لمؤسسته، وأسّس له ودافع عنه بكل صدق وبسالة، بل ودفع لأجله أثمانا باهظة عبر مراحل متوالية ومحطات متعاقبة، ذاق خلالها طعم العذاب والظلم والحرمان والحصار والتجويع والاعتقال والاختطاف وحتّى السجن، لكنّه ظل صامدا يرفض الانحناء أو المساومة على شرف المبادئ.

يذكر الجزائريون من جيل العشريّة السوداء كيف كانت “الشروق العربي” تختفي وراء الفنّ لتمرير رسائلها السياسيّة في زمن ملغّم، مؤازرةً للإرادة الشعبية ومناصرةً للمستضعفين ومنافحةً عن المصالحة الوطنية.
وفي عنفوان التيار الاستئصالي الجامح الذي عاث فسادًا في عشرية الدمار، وقفت “الشروق” برعاية مديرها العامّ سدّا منيعًا في وجه التغريب والعلمنة، تنافح عن الثوابت عارية الظهر إلاّ من سند قرائها الأوفياء، لتفوّت الفرصة التاريخية على المتربصين بقيم الشعب الجزائري، حين توهّموا أنه عهد الردّة الكبرى.
يوم صُدّت الأبواب في وجوه أنصار الهوية فلم يجدوا ملاذا يحتضن تحركاتهم ولا منبرا ينقل أصواتهم، كانت “الشروق” هي الحضن الدافئ والمنصة المتقدمة لهم في معركة الانتماء الحضاري.
سجل التاريخ لـ”الشروق” بقيادة علي فضيل أنها حاربت بقوّة تغريب المجتمع، وأجهضت رفقة المخلصين من أبناء الجزائر مخططات التفسيخ والجندرة والانحلال، يوم انتصبت شامخة ضدّ المساس بالأحكام الشرعية القطعية لقانون الأسرة في بداية حكم عبد العزيز بوتفليقة.
ستحفظ الأجيال أن “الشروق” بزعامة علي فضيل هي من تصدّت لتحريف المدرسة الجزائرية عن هويتها الأصيلة تحت شعارات الإصلاح المنحرف، يوم خططوا لإفراغها من روحها الوطنية وبُعدها الحضاريّ، ليجعلوا منها مصنعا ميكانيكيّا لتخريج الآلات البشرية التي لا لون ولا طعم ولا رائحة جزائرية لها!
في ذلك الزمن العصيب، وقفت “الشروق” بصرامة علي فضيل لتقول بصوت عال: لا لتغريب المدرسة، ستبقى جزائرية الهوية والانتماء، حيث واجهت بكل شرف مشروع فرنسة التعليم الذي حلمت به لجنة بن زاغو حتى سقط في الماء، وحمت تعاليم الإسلام والعربية والعلوم الشرعية والتاريخ في مقررات المدرسة ومناهجها من عبث المفسدين باسم الحداثة والعولمة والأممية.
ويوم أعادت نوريّة بن غبريط بجيشها الفرنسي العرمرم الكرّة الماكرة، لاستئناف المعركة القذرة، عادت “الشروق” إلى خطّ الصمود مرّة أخرى، وظلت تحارب مناورات تدمير الهويّة، حتى سقطت المؤامرة ومعها العصابة وأذنابها.
وحين تغاضى الإعلام عن نصرة خير الأنام، وبعضه تجاوب مع حملة الإساءة العالمية باحتشام، رمت “الشروق” بتوجيه علي فضيل كامل ثقلها في معركة غير متكافئة، لنصرة الحبيب المصطفى، لتسلّط الضوء على سيرة الإسلام والسلام، وتردّ المُعتدين على نحورهم.

ويوم وقع القدس الشريف وأقصاه المفدى محاصرا بين الاستيطان والتدنيس الصهيوني، وظلت غزة العزة تئنّ تحت وطأة الحصار الغاشم والخيانة العربيّة، استغاث الأشقاء في أرض الرباط يا مسلماه؟! فلبّى علي فضيل النداء، فاتحًا مؤسسة “الشروق” لتكون الحاضنة والمرفأ لانطلاق القوافل الإنسانيّة والمناصرين، فجعل منها مأوًى دائما لـ”رابطة القدس الجزائرية” في كل أعمالها، ودارًا مضيافة للجنة كسر الحصار عن غزة في كافة نشاطاتها، ثمّ رافقت بكل إمكاناتها الإعلامية والماديّة سفينة مرمرة الخالدة.
أمّا العلماء والدعاة والمشايخ والمصلحون من الذين طواهم النسيان، واندثرت أسماؤهم إلاّ بين قلة من النخبة، وهاب الناس ذكرهم لزمن طويل، حتى غفل عنهم أقرب الأقربين، فقد نفض علي فضيل عنهم الغبار في مؤسسة “الشروق”، فأحيا مناقبهم ورفع منازلهم وخلّد آثارهم إلى يوم الدين.
لا يسع المجال للإتيان على كافة مظاهر حضور “الشروق” ومواقفها في نصرة الهوية بأبعادها الوطنية والقومية والإنسانيّة، لكنها تبقى سجلا طويلا وحافلا وشاهدا على تاريخ الإعلام الحضاري الأصيل، يشهد بذلك أنصار المشروع الوطني من العلماء والنقابيين والمناضلين والطلبة وعموم القراء.
لم تكن تلك المواقف البطوليّة حروفًا تخطها الأقلام أو مقالات يدبجها الصحفيون أو عناوين جذابة تلفت إليها الأنظار أو مشاهد عابرة يلتقطها المصورون، بل كانت خيارا مبدئيّا واعيًا ومسؤولا، لم يكن أبدا تموقعًا مجانيّا، ناهيك أن يكون تجاريّا، بل اصطفافًا حضاريّا مكلفا، جلب لمؤسسة “الشروق” عداوة اللوبيات عبر كل المستويات.
ثم قد شاء القدر أن يترجل الفارس المغوار في منتصف الطريق مثخن الجراح، وما في جسده الإعلامي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم من الغادرين والظالمين والمتسلطين، لكنه قاوم ببسالة حتّى ارتقى واقفًا محتسبًا، فلا نامت أعين الجبناء!
بعد 6 سنوات (توفي في 24/10/2019) على رحيلك الموجع يا أستاذنا الأول، نقول لك بكل ثقة وأمل: نمْ قرير العين يا أسد الهويّة وحارس القيم، فقد انتقلت إلى جوار ربّك شريفًا بعدما أديت الأمانة كاملة، وشيدت عرينًا مهاب الجانب، سيظل قلعة صامدة لحماية الوطن في وجه المتربصين وعرّابي التغريب، ستبقى قبلة للأحرار في كل مكان وزمان، ومنارة حضاريّة لكافة الأجيال.
6 سنوات على رحيل الرئيس المؤسس عليّ فضيل بجسده، لكنّ الفكرة والمشروع والرسالة والمؤسسة باقية ومحفوظة بين أيادٍ أمينة، ستنمو أكثر مثلما حلم بها دومًا، وتظلّ على خطها الأصيل الذي رسمه بمداد الدم والعرق والقلم، لن تحيد ولن تنحرف، هو عهد الرجال يا عليّ… فعليك أزكى الرحمات.
مصطفى فرحات:
ذكرى وفاء لروح “الشروقيّ” الأول علي فضيل

الحياة مدرسة تجارب بامتياز، تضعك في اختبارات فجائية لم تكن بالضرورة مستعدا لها، وقد تجد نفسك كطالب يمتحن في مواد لم يدرس مقرراتها أصلا، توضع أمامه ورقة الأسئلة ويُمنح وقتا للإجابة عليها، قبل أن يأخذها منه مراقب الفصل، لستُ من النوع الذي يولع بتفاصيل التخطيط، ورغم أنني أملت في أن تفتح لي الصحافة عند تخرّجي أبوابها ككاتب مقالات سياسية وأدبية وفكرية، بعيدا عن عمل غرف الأخبار اليومي، لم أتوقع أن أعلق في شباك الصحافة وتصبح مركز اهتمامي وانشغالي، وتتمحور حولها حياتي المهنية، في وطني، ثم في غربتي.
25 سنة قضيتها مشتغلا في مجال الصحافة محررا للأخبار، ومشرفا على أقسام متنوعة، سياسية وثقافية واجتماعية، تعلمت فيها ممن سبقني الكثير ونقلت بعض تجاربي لصحافيين آخرين دخلوا عالم الصحافة بعدي، وانتقلت فيها بين الصحف الورقية والإذاعة فالصحافة الإلكترونية كانت كفيلة بأن تصقل روحي وعقلي وشبكة علاقاتي المهنية والاجتماعية، وتمنحني مرآة أبصر فيها ذاتي التي ما كانت لتكون كما هي عليه الآن، لولا عالم الإعلام بكل حسناته وعُقده وتعقيداته.
سافرت وكتبتُ في ميادين مختلفة وجالست مسؤولين سياسيين وأدباء ومفكرين ورجالا صنعوا التاريخ، ولئن كنتُ – ولا أزال – ممن لا ينظرون إلى أنفسهم بعين الرضا، إلا أنني مدين في كل فضل قد يُنسب إليّ – بعد الله سبحانه – لرجل فارق الحياة منذ أيام، لأنه أول من فتح لي باب الصحافة ووضع فيّ – وأنا حينها شاب يافع – ثقة لم يحظ بها من هم أكثر مني سنا وخبرة، لهذا الفضل اسم ولقب.. “علي فضيل”.. إعلامي جزائري أسس عددا من الصحف ذات الانتشار الواسع، وخطوت خطواتي الأولى في الصحافة على يديه، ومنذ ذلك الحين أحمل له امتنانا كبيرا لا يبلى مهما تقادم العُمر.
عملت في “الشروق” لسنوات، وكانت أكثر من مؤسسة، بل كانت عائلة كبيرة جميع أفرادها إخوة، رغم الاختلافات التي كانت تحدث بينهم، وتجاوز الود حدود العمل وأصبح بعضنا يلتقي خارج أوقات العمل.
بين “الشروق الحضاري”، وهو مشروع أسبوعية تهتم بالبعد الحضاري الجزائري وثوابته المتمثل في الوطنية والعروبة والإسلام، إلى غاية “الشروق اليومي”، اليومية الجزائرية التي كانت تُعدّ الأكثر انتشارا واشتهارا (وقد بلغ عدد سحبها اليومي رقما قياسيا قُدّر بمليوني نسخة)، سنوات، قطعتها في مجال الصحافة الأسبوعية “الموعد” -التي كان يُديرها المرحوم عبد القادر طالبي- وأسبوعية “الجزيرة” التي أسستها رفقة أخوين عزيزين، ويومية “البلاد” التي انتظمت فيها لسنوات وعملت فيها مع نخبة من الصحفيين المميزين، قبل أن أعود ثانية إلى أحضان “الشروق”.
هاتفت الـ”سي علي” في 2007، ولم يكن بيننا اتصال منذ سبع سنوات، فلم يردّ على اتصالي، وأدركت أنه لا يعرف أصلا هوية المتصل لأن الرقم غير مسجل عنده، كتبت له رسالة قصيرة “معك فلان.. أود محادثتك”. ثوان بعد الإرسال، جاءني هاتفه.. كلمته فوجدت تلك الحفاوة التي عرفتها عنه قبل سنوات. قلت له “أريد أن أزورك في مقر الجريدة للحديث معك.. متى سمح وقتك بذلك”. قال لي “أنت ابن المؤسسة وصاحب البيت، ومثلك لا يطلب موعدا.. تعال متى ما شئت”، قابلته يوما بعد ذلك في مقر الجريدة، وبعد سلام حار واحتفاء، أخبرته برغبتي في الالتحاق بجريدة “الشروق اليومي”، ففوجئت بقوله “أنا أعرف قدراتك والشروق ستستفيد من تواجدك في طاقمها”.

تحدثنا عن المنصب الوظيفي (نائب رئيس التحرير) والراتب، فلم يستغرق حديثنا دقيقة واحدة، أبدى فيها احتفاء وليونة ومنحني ما لم أتوقعه حينها. قال لي: يمكنك البدء من الآن. فقلت له: عذرا سي علي. أنا كما تعرفني رجل مهني ولا يمكنني أن أترك مؤسسة عملت فيها دون مراعاة أصول المهنة وما يتطلبه الالتزام الإداري. سأعلم الجهة التي أعمل لديها باستقالتي، وأعطيهم المهلة القانونية وأعمل معهم إلى حين انقضائها.. أريد أن أترك صفحتي معهم بيضاء، وكذا في كل مكان أعمل فيه”. استحسن ذلك وزاد من إكباره لي.. ومكثتُ المهلة المناسبة في الجريدة التي كنت أعمل فيها، قبل أن ألتحق بـ”الشروق” وأجد فيها عددا كبيرا من الزملاء الذين عملت معهم سابقا، وآخرون تعرفت عليهم حينما بدأت العمل ووجدت فيهم إخوة صادقين وأصدقاء رائعين وزملاء مميزين.
كانت “الشروق” حينها تمر بأزمة عصيبة بسبب مغادرة مدير تحريرها لتأسيس جريدة جديدة، وأخذ معه ثلة من صحفيي المؤسسة، وتوقع كثيرون أن ينهار هذا الصرح، فكان الفريق الذي استلم المشعل -وعلى رأسهم الزميل والأخ محمد يعقوبي- خير من رفع التحدي ولم يحفظ للمؤسسة استقرارها فقط، بل زاد إقبال القراء عليها وارتفع السحب إلى مستويات قياسية لم تعرف لها الصحافة الجزائرية المستقلة الفتية مثيلا.
عملت في الشروق لسنوات، وكانت أكثر من مؤسسة، بل كانت عائلة كبيرة جميع أفرادها إخوة، رغم الاختلافات التي كانت تحدث بينهم، وتجاوز الود حدود العمل وأصبح بعضنا يلتقي خارج أوقات العمل، نستمتع بمتابعة مباريات كرة القدم، حيث كان لمباريات “الكلاسيكو” الإسباني طقوس خاصة، وما زال الود قائما رغم أن بعضنا غادر المؤسسة، وبعضنا غادر البلد.
لم يكن هذا ليكون – بعد الله – لولا “السي علي”.. ذاك الرجل الطيب الذي حرص على إكرام علماء الجزائر، الميت منهم والحي، بإحياء ذكرهم واستضافتهم ومنحهم منبرا لم يكن أحد ليمنحه لهم حينها، ذلك الرجل الذي كان لا يقطع رواتب الزملاء المرضى ويتكفل بمصاريف علاجهم إلى أن يعودوا للعمل سالمين معافين، وذلك الرجل الذي لا يتحمل ضغط مباريات كرة القدم التي يلعبها المنتخب الجزائري (مثل مباراة الجزائر ومصر في أم درمان) حيث كان يجلس داخل سيارته ويتابع المباراة وهي تنقل عبر أثير الإذاعة، ويدخل علينا في غرفة الاجتماعات دخولا خاطفا يلقي بنظره المتوتر إلى الشاشة لثانية أو ثانيتين قبل أن يعود أدراجه إلى سيارته.
ذلك الرجل الذي كان لا يجد في نفسه غضاضة من الاعتذار والاعتراف بخطئه إن هو جانب الصواب في تعامله مع زميل أو في تقدير عمل قام به صحفي أو في الرجوع عن قرار اتخذه تحت تأثير الانفعال والغضب، كان “السي علي” – رحمات الله عليه – عماد بيت “الشروق” وركنه، ولئن غاب جسده فإن الأمل معقود على إخوانه من بعده، وبقية الزملاء، في أن يستحضروا ذكراه كي تبقى مؤسسة “الشروق” منارة إعلامية متوازنة، في زمن الاستقطاب والانقسام الذي تشهده الساحة الجزائرية، وأن يكون لصوت العقل والحكمة فيها منبر يحرص على الوحدة والتآلف كلما تنفخ منابر إعلامية أخرى في كير الفرقة والاختلاف.
حسين لقرع:
علي فضيل.. فتح لي أبواب الصحافة وأنا طالب جامعي

عندما قابلتُ الأستاذ علي فضيل في أواخر عام 1990 بمقرّ جريدة “المساء” التي كان نائبَ رئيس تحريرها، كان أقصى طموحي هو أن ينشر لي مقالاتي التي شرعتُ في كتابتها كقارئ عن الأوضاع السياسية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك، وكنتُ حينها طالبا في السنة الثالثة جامعي، لكن الأستاذ علي فضيل اختصر عليّ الطريق؛ فبعد أن نشر لي سلسلة مقالات في صفحة “الرأي” عرض عليّ التعاونَ مع جريدةٍ أسبوعية ستظهر قريباً وسيشرف على إدارتها العامّة، وكان لدعمه المعنوي الكبير أثرٌ بالغ في مسيرتي المهنية التي بلغت إلى الآن 29 سنة، للأستاذ علي فضل كبير فيها باعتباره أوّلَ من فتح أمامي أبواب الصحافة على مصراعيها وأنا لم أتخرّج بعد في الجامعة.
لم أشتغل في تلك الأسبوعية سوى أشهر معدودة متقطّعة قبل أن تبدأ مسيرتي الحقيقية فور إعلان الأستاذ علي فضيل، في أواخر جانفي 1991، تأسيس أسبوعيةٍ وطنية مستقلة شاملة أسماها “الشروق العربي”، وعرض عليّ الانضمام إلى طاقمها الشاب فلم أتردّد لحظة واحدة، وشرعنا في التحضير لها أسابيع عديدة إلى أن ظهر العددُ التجريبي في 11 مارس 1991، ثم العدد الأول في 11 ماي 1991، وبدأت الجريدة تصدر بعدها بانتظام وتكسب بسرعة جمهورا عريضا من الجزائريين، بفضل حنكة مديرها الذي تمكّن من الجمع بين المواضيع الشبابية والاجتماعية والفنية والسياسية في جريدةٍ واحدة، وكانت الواجهة فنّية واجتماعية، لكن الجوهر كان الدفاع عن ثوابت الشعب وقيمه ضدّ موجة الفرْنَسة والتغريب والعلمَنة التي اكتسحت الساحة في التسعينيات واتخذت من مكافحة الإرهاب والتطرّف ذريعة لشنّ حرب شعواء جائرة على قيم الجزائريين ولغتهم وتراثهم.
وبسبب هذا التوجّه الأصيل، لاقت “الشروق العربي” ومديرُها علي فضيل الكثير من النَّصب والأذى، إذ سُجن في جوان 1992 رفقة الأستاذ سعد بوعقبة بسبب مؤامرةٍ كيدية نسجها ضده فرنكوش السلطة الذين ترجموا للرئيس الراحل محمد بوضياف “صيحة السردوك” بوعقبة بشكل مغرِض وأضافوا إليها الكثيرَ من “عِندياتهم”، لأنّ خطّ الجريدة المتمسّك بثوابت الجزائريين ودعوتها منذ بداية الأزمة إلى اعتماد الحوار والمصالحة حلا وحيدا لها، لم يُعجب هؤلاء الاستئصاليين، فكادوا للجريدة، ونجحت المكيدة وأمر بوضياف بسجن الرجلين، وحكمت عليهما المحكمة الابتدائية بـ4 أشهر حبسا نافذا، وتعرّضت “الشروق العربي” إلى أول محنة قاسية، لكن التفاف جمهور واسع من الجزائريين حولها وتضامنهم معها خفّف عنها قسوتها، ثم فشلت مؤامرة الفرنكوش وحكم مجلس قضاء الجزائر ببراءتهما، وتصاعدت شعبية “الشروق العربي” حتى بلغ رقمُ سحبها 335 ألف نسخة، وهو رقمٌ قياسي لم تبلغه أيّ صحيفة في ذلك الوقت، وكان لذلك بالغُ الأثر في إحداث التوازن مع الصحف اليومية الناطقة بالفرنسية والتي اتخذت من الدعوات إلى الاستئصال والإقصاء ومعاداة الحوار والمصالحة الوطنية نهجا لها طيلة التسعينيات، وكادت تنفرد بالساحة الإعلامية في ظل توقيف عشرات الجرائد الناطقة بالعربية ظلما وتعسفا، لولا وجود “الشروق العربي” التي لم تتردّد لحظة واحدة في المنافحة عن دين الأمة وقيمها ولغتها، وكان مديرُها علي فضيل يكتب بين الفينة والأخرى في ركن “منشاريات” والصفحات الوطنية، ليشدّ أزرنا نحن الصحفيين الشباب ويساعدنا في التصدّي لهذه الحملة الشرسة على قيم الشعب وثوابته.
وبسبب الإصرار على الدعوة إلى الحوار من دون إقصاء والمصالحة حلا وحيدا للأزمة، تعرّضت “الشروق العربي” لمحنةٍ ثانية في 1997 بعد أن أقدم رئيسُ الحكومة آنذاك أحمد أويحيى على إيقافها ظلما وعدوانا بذريعة أنها لم تدفع مستحقات المطبعة، ولجأ علي فضيل إلى العدالة وكانت كل أحكامها في صالح الجريدة وتأمر المطابع الثلاث بالوسط والشرق والغرب باستئناف طبعها فورا، لكنّ أويحيى أمر المطابع بعدم تنفيذ قرارات العدالة، واستمرّ الإيقاف مدّة 17 شهرا جُوّعت فيها أسرُنا، وكانت “الشروق العربي” معرّضة خلالها للاندثار نهائيا من الساحة الإعلامية وترك المجال لأبواق الفتنة والدم وحدها، لكن علي فضيل لم يتراجع عن قناعاته، ولم يساوم أويحيى على العودة مقابل التخلي عن مواقفه الثابتة، وصبر على المحنة واحتسبها لله، حتى جاء الفرج وأقيل أويحيى وعُوِّض بإسماعيل حمداني في أواخر عام 1998، ولأنه كان يُدرك ما تعرّضت له “الشروق العربي” من ظلم وبغي وحقد أعمى، فقد سمح بإعادتها إلى الساحة الإعلامية، ومرّت المحنة بسلام.
خلال تلك السنوات، أدرك علي فضيل أن أسبوعيةً مهما بلغ انتشارُها لا تكفي للتصدّي للتيار التغريبي الاستئصالي الذي احتلّ الساحة سنواتٍ عديدة، وأنه لا مناص من إصدار صحيفةٍ يومية لإرواء ظمأ جمهورٍ واسع لا يجد حتى في الصحف المعرّبة ما يعبّر عن توجُّهاته وقناعاته، فأصدر “الشروق اليومي” في 2 نوفمبر من عام 2001، وأعادت تجربة أمِّها “الشروق العربي” واكتسبت شعبية كبيرة في وقت قصير، وأضحت الجريدةَ الأولى في الجزائر وإحدى أكبر الجرائد العربية.
وبعد فتح المجال للسمعي البصري تحت وطأة ضغوط “الربيع العربي” في 2011، سارع الأستاذ علي فضيل إلى انشاء “الشروق تي في” ثم “الشروق نيوز” ، وتربّعت على عرش الفضائيات الجزائرية أيضا كما تربّعت من قبل “الشروق العربي” و”الشروق اليومي” على عرش الجرائد، بفضل حنكة مدير المجمّع وحسّه الإعلامي الرفيع، لكنّ هذا النجاح الباهر جلب له متاعبَ كبيرة في عهد العصابة، بدأت منذ أكثر من سنتين ونصف حينما غضب السعيد بوتفليقة من مسلسل عاشور العاشر فأمر بوقف الإشهار العمومي تماما عن “الشروق اليومي” مع أنها أكبرُ صحيفةٍ بالوطن، فضلا عن تخفيض سحبها بـ90 بالمائة، ليعاقب بذلك جمهورها العريض وليس مديرها وحده، ويجوّع عشرات العائلات بعد أن دخلت الجريدة وموقعها الالكتروني والقنوات التلفزيونية الثلاث في ضائقة مالية خانقة وأضحت غير قادرة على صرف أجور صحفييها وموظفيها بانتظام، وبقيت آثارُ الأزمة إلى حدّ الساعة، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسة لتعقّد الحالة الصحّية للأستاذ علي فضيل؛ إذ أثرت فيه الأزمة والضغوط المستمرة أكثر من عامين ونصف بشدّة، إلى أن توفّي رحمه الله يوم الخميس 24 أكتوبر 2019 متأثرا بأزمته الصحية المستعصية.
خلال 29 سنة من التعامل مع علي فضيل، رأيتُ فيه رجلا فاضلا شهما كريما، دمث الخُلق محتشما، غير هيّاب ولا متردّد في الدفاع عن الحق وقيم الجزائريين، مناصرا كبيرا لفلسطين وقضايا الأمة العربية الإسلامية، مسامحا وليّنا في التعامل مع الصحفيين والموظفين، رفيقا بهم، صبورا يقابل الأزمات المتعاقبة وضغوطَ النظام الكاره للحرف العربي بالكثير من الثبات والهدوء والتمسّك بحبل الله، يشجّع المواهب والكفاءات ولا يبخل عليها بالنصح والتوجيه.
حسان زهار:
هكذا بنى علي فضيل صرحه الإعلامي منذ زمن “الشروق العربي”

يعتقد الكثيرون أن الراحل علي فضيل، رحمة الله عليه، بنى امبراطوريته الإعلامية الحالية “الشروق” انطلاقا من مساعدات الدولة أو جهات أخرى، ولا يتصورون أن الرجل بدأ من الصفر، وحين نقول الصفر فنحن نقول الصفر بكل ما يحمله من معنى.
قبل 34 سنة ومع بداية الانفتاح الإعلامي، أسس علي فضيل أسبوعية الشروق العربي، كأول عنوان في قائمة الصحافة المستقلة حينها، وقد كان لي الشرف حينها، وقد كنت طالبا جامعيا في معهد العلوم السياسية، أن كنت من المؤسسين الأوائل لهذا العنوان الكبير، العنوان “الأم” الذي ولد بعدها كل هذه العناوين الأخرى التي تعرفونها، سواء المكتوبة أو الإلكترونية أو المسموعة والمرئية، وهو العنوان الذي حقق من النجاح في وقته ما لم تحققه صحيفة أخرى داخل الجزائر وحتى في العالم العربي، لأنه كسر “طابوهات” كثيرة، كان الأستاذ علي فضيل يحرص على كسرها بحسه الصحفي العالي، وعلى رأسها “طابو” النقد السياسي، و”طابو” العلاقات الاجتماعية.
حينها اجتمعت بأقدار الله ثلة من الصحافيين الشباب، الذين كان للأستاذ علي فضيل الفضل في اكتشافهم، كما كانت له شجاعة المغامرة معهم، وهم جامعيون بلا خبرة إعلامية بالكامل، أكبرنا كان عمره 24 سنة.
كانت التجربة من البداية مدوية وجارفة، وكانت رعاية الأستاذ علي فضيل لكل حرف يصدر بالجريدة وراء ذاك التألق الكبير، إلى أن بدأت الجريدة تخرج من دائرة الخطر، بسبب قلة الموارد المالية، وتقتحم عالم النجاح من أبوابه الواسعة، حتى أن حجم الرسائل التي كنا نتلقاها بعد انتقالنا من المقر الأول بحيدرة إلى دار الصحافة بالقبة، تعد بعشرات الآلاف، تتطلب أن يتفرغ لها الطاقم العامل بالكامل على الأقل مرة في الأسبوع لكي يتم فرزها وقراءتها وتوزيعها على الأقسام، بينما كانت النسخ المطبوعة تباع أحيانا تحت الطاولة، وكان ذلك يسعدنا جدا، نحن الشباب الذين فتحنا أعيننا على عنوان بكل هذا السحر.
ولعل ما لا يعرفه الكثيرون، أن الشروق العربي، ومن خلفها الأستاذ علي فضيل وقتها والطاقم الذي اشتغل معه، بعد ما جرى في 1992، ورغم أن الجريدة كانت من بين العناوين القليلة التي دافعت على خيار الشعب (خاصة في ركني منشاريات الذي كنت أكتبه وصيحة السردوك)، ورفضت توقيف المسار الانتخابي، إلا أنها كانت مستهدفة من كل الأطراف، حتى أننا وقتها دفعنا أثمانا باهظة، كان فيها علي فضيل أبا للجميع، يتلقى الصدمات بصدره ما استطاع ولا يتأخر لحظة عن تقديم المساعدة.
كانت الاعتقالات التي تمارسها سلطة الأمر الواقع وقتها لا تكاد تتوقف، وعربات الدرك الوطني لا تكاد تغادر مقر الجريدة، يعتقل علي فضيل، ويعتقل الصحافيون وتكاد الشروق العربي تكون خالية على عروشها، لكنها تواصل العمل بالحد الأدنى من العمال، فقد كان التحدي أكبر من أن نتوقف أو نجبن، وكان علي فضيل أكبر من أن تؤثر فيه تلك الممارسات، حتى أني أذكر أنه عندما علم أني اضطررت للهرب إلى أحد الأحياء الجامعية لاستكمال أحد الأعداد بعد أن تم اعتقال جل الصحافيين بمن فيهم علي فضيل، قبل أن أسلم نفسي لدرك بوزريعة، التفت إلي وقال لي بالحرف: كنت أعلم أني تركت ورائي الرجالة.
كان علي فضيل يصنع الرجال لأنه من طينة الرجال، كان يشحذهم لمواجهة المصاعب لأنه واجه قبلنا تلك المصاعب فما استكان ولا تراجع، وحتى عندما كان سيف الإرهاب يقطف في كل مرة صحافيا أو صحافية من الشروق، كان هو دائما من ينتفض ويعلن المزيد من التحدي في مواجهة قوى التعتيم والخيبة.
الذين سقطوا من الشروق العربي كانوا كقطع من اللحم تقطع من أجسامنا جميعا، لكن ألم علي فضيل كان دائما هو الأعلى، طريقته في الانتقام هي الإصرار على المزيد من النجاح، المزيد من التحفيز لكي لا يتوقف صوت الشروق العربي في مواجهة ظلام الإرهاب والاستبداد.. وعندما عجزت كل محاولات خنق العنوان، وإجبار علي فضيل على رمي المنشفة، تولت سلطة أحمد أويحىى غلق العنوان، وتشريدنا أكثر من سنة، تحوّلت خلالها الأسبوعية إلى مجلة، اشتغل خلالها الطاقم الشروقي مجانا تقريبا، فقد كنا نأخذ أجورنا من عند الله ومن خلال وقفة الأستاذ علي فضيل معنا في الماضي، فكان الكل يبادر إلى أن يرد بعضا من دينه تجاه هذا الرجل العظيم.
وصراحة كنا نحتار وقتها في هذا الصمود الأسطوري الذي تمتع به الأستاذ علي في عدم الإذعان لفكرة غلق العنوان، وقد أغلقت كل الأبواب في وجوهنا، إلى أن أدركنا بعدها، أن وراء الأمر إصرار عجيب على النجاح، وخطة مرسومة بدقة لكي تكون الشروق العربي بداية الطريق الحتمي لمجمع ضخم لا يضاهيه في القوة والتأثير مجمّع آخر، وشيئا فشيئا، فهمنا أننا كنا جميعا جزءا من مشروع عظيم، مشروع رسمه علي فضيل في ذهنه، لكي يكون صدقة جارية له بعد الموت، تقال فيها كلمة الحق، ويدافع فيها عن المظلومين، ليصله ثواب كل ذلك وهو في القبر.
بشير فريك:
“الشروق”… نجاح لافت من رحم المعاناة

ونحن نسترجع الذكرى السادسة لرحيل الأخ الفاضل، المرحوم علي فضيل، طيب الله ثراه، سأحاول بتواضع، المساهمة في إحياء هذه المناسبة الأليمة، باسترجاع ما خزنته الذاكرة حول المرحوم، علي فضيل، وصرحه الإعلامي الحضاري والفكري، جريدة “الشروق” اليومية، قبل أن يحوّلها إلى مجمع إعلامي ضخم، ظل رقما محوريا في معادلة الحياة العمومية الوطنية، سياسيا وإعلاميا وفكريا وثقافيا، حيث وجد نفسه مجبرا على مواجهة حقول الألغام، التي تعج بها الساحة السياسية والإعلامية، منذ بداياته في أسبوعية “الشروق العربي”، التي أشرقت من المغرب العربي لتضيء الآفاق الإعلامية والثقافية الفكرية، إلى غاية المشرق العربي. ومع ذلك، زار السجن، نتيجة خطه الوطني المناهض لما حدث في جانفي 1992.
فبصرف النظر عما قرأته وعرفته عن علي فضيل، لاسيما مع بداية التعددية الإعلامية، في أسبوعيته الرائدة “الشروق العربي”، فقد كان أول لقاء لي معه في 1996، عندما زارني في وهران، وأنا على رأس الولاية، وكان برفقة الأخ الصديق، الكاتب الإعلامي المتميز، سعد بوعقبة، الذي تعرفت عليه سنة 1985، عندما كان رئيسا لتحرير صحيفة الشعب.
كان موضوع الزيارة هو التماس تدخلي من أجل استرجاع مبلغ ضخم آنذاك، لدى الموزع المعروف محليا، صاحب نشرية محلية بالفرنسية.. قمت بما أمكن لي، بناء على علاقات شخصية، لا رسمية. منذ ذلك الوقت، بقينا على تواصل خلال المناسبات والأعياد.
وبإنهاء مهامي في 1999، صرت أزوره في مقر الأسبوعية دوريا، إلى أن ظهرت فكرة إطلاق يومية “الشروق”، التي كان اعتمادها بحوزة المرحوم، علي فضيل، ولم يتمكن ماديا من إصدارها، فضلا عن التخوف من تشبع الساحة الإعلامية وفشل المشروع.
التقينا في مجموعة صغيرة في البداية بمكتبه، في المقر الحالي لجريدة “الشروق اليومي”، وكان الاتفاق على خوض التحدي ودخول الساحة الإعلامية بيومية “الشروق”، موازاة مع “الشروق العربي” التي تبقى ملكيتها لعلي فضيل حصريا.
كانت الجماعة من القامات الإعلامية الوطنية العروبية، يتقدمهم: سعد بوعقبة، عبد الله قطاف، بشير حمادي، رحمه الله، مصطفى هميسي، علي فضيل، بشير فريك، يوسف حمروش، رحمه الله، حددنا مبلغ مساهمة كل شريك، وشرعنا في اجتماعات تحضيرية، لإعداد مشروع وثيقة الشراكة، وتم تحديد مهام كل عضو من الأعضاء المؤسسين.
عقدنا سبعة لقاءات، وفي الوقت ذاته، كنت ألاحظ مجريات الحديث والنقاشات، والعلاقة بين الشركاء، وانتهيت إلى قناعة أن هذا الفريق لا ولن أنسجم معه، فقررت الانسحاب قبل التوجه إلى الموثق للإمضاء على عقد التأسيس والشراكة.
حاول الأخ سعد بوعقبة والمرحوم علي فضيل إقناعي بالعدول عن قراري بالانسحاب، إلا أنني صمّمت وغادرت، متمنيا طول العمر للمولود الجديد وظلت علاقتي بجميع الإخوة جيدة، بمن فيهم الذين رحلوا، رحمة الله عليهم.
انطلقت “الشروق اليومي” مع علي فضيل وعبد الله قطاف والمرحوم بشير حمادي وسعد بوعقبة، بانضمام شركاء آخرين، فحققت قفزة غير متوقعة في ظرف زمني قياسي، وأصبحت تتصدر الساحة الإعلامية بقوة، من خلال سبق الخبر ومصداقية المعلومة والخط الافتتاحي العروبي الوطني.

بعد خلاف الشركاء، تعثرت نسبيا لاعتبارات منطقية، إلا أنها سرعان ما انطلقت من جديد من وحي خبرة وحنكة ومثابرة علي فضيل، وحسّه الإعلامي والتجاري، حيث التفت حوله كوكبة من الأقلام الشابة المؤمنة بالرسالة الإعلامية، فارضة نفسها في نقل الخبر وتحليله، والتعليق والحوارات والروبورتاجات، وكشف عورات الفساد والمفسدين، وإيصال صوت من لا صوت له في الجزائر العميقة وطنيا، والدفاع باستماتة عن القضايا العادلة في فلسطين والعالم الإسلامي، بما فيها محنة مسلمي الروهينغا والصحراء الغربية، والتصدي للمتطاولين على الإسلام ورسولنا وقائدنا محمد “صلعم” إلخ…
أضحت “الشروق” قلعة من قلاع الهوية الوطنية، من خلال قناعات ومواقف رئيسها ومديرها، علي فضيل، كما شكلت منارة فكرية منيرة، من خلال تلك الصفحات الأسبوعية والدورية، التي وضعت تحت تصرف خيرة النخبة الفكرية الوطنية، من علماء أكاديميين جامعيين، وباحثين وسياسيين، في شتى فروع الفكر والثقافة، حيث استقطبت “الشروق” جحافل القراء من مختلف المشارب والأصناف، وبلغ السحب أرقاما قياسية غير مسبوقة، حتى في العالم العربي، حيث تجاوز سقف المليونين، عندما تصدت للهجمة الإعلامية المصرية على الجزائر وشهدائها، أثناء السجال الكروي الجزائري المصري الذي انتهى بواقعة أم درمان السودانية، التي اختطفت فيها الجزائر تأشيرة التأهل لكأس العالم لكرة القدم.
كان علي فضيل، رحمه الله، يشق طريقه بثبات، محققا مزيدا من النجاحات والانتصارات، مؤسسا مجمّعا إعلاميا ضخما، بتدشينه- لأول مرة في الجزائر- السمعي البصري، من خلال قناة “الشروق”، ثم “الشروق نيوز”، فارضة وبقوة نفسها على المشاهد الجزائري والعربي والدولي.
ولأن أعداء النجاح كُثر، والحسد مستشرٍ في المحيط الإعلامي الموبوء، فقد تعرض علي فضيل إلى مؤامرات ودسائس في السرّ والعلن، من رفاق المهنة أحيانا، وتوظيف رموز نظام بوتفليقة وعصابته ضده وضد مجمّعه، مشهرين سيف الإشهار أحيانا والمطابع العمومية أحيانا أخرى، معرضين نحو ألف مستخدم من صحافيين وتقنيين وعمال إلى خطر البطالة، فصمد وواجه نحو ثمانية أشهر من دون إشهار ولا طباعة، إلا أعدادا قليلة جدا، في حدود 5000 نسخة، بعد أن كانت بمئات الآلاف من النسخ، ولم يسرّح المستخدمين، وكان صبورا ينشر أمل الانفراج لدى الصحافيين وإطارات المجمّع، دافعا الأجور، رغم الإفلاس الذي برمجه السعيد بوتفليقة لمجمّع “الشروق” من أجل إخضاعه وتركيع علي فضيل.. ولكن هيهات هيهات.
شاءت الأقدار أن يرحل سي علي قبل 6 سنوات متأثرا بالضغوطات والمضايقات التي واكبت مسيرته الثرية، وأثرت على قلبه الذي توقف عن النبض بعد مقاومة بطولية لأعداء الوطن والوطنية والنجاح.. وعند ربهم يحتسبون.
لقد راهن المنافسون والحاسدون على انهيار مجمّع “الشروق” بوفاة مؤسسه، إلا أن الصرح لا يزال شامخا والبناء صامدا، بفضل النساء والرجال في مختلف مواقع المناصب للمجمّع، وهم مصرون على مواصلة التحدي والاضطلاع بالأمانة والرسالة التي ناضل وكابد من أجلها المرحوم علي فضيل.. فألف ألف رحمة على روحه الطاهرة، وألف تحية تقدير واعتزاز للفرق الساهرة على استمرارية صرحنا الإعلامي الفكري، وإلى الإمام.
عبد الناصر بن عيسى
لم يترك مجالا إعلاميّا إلا وطرق بابه بنجاح

قد يكون ألم الفراق موجعا، ولا يمكن للسنوات أن تكفكفه، خاصة إذا كان الراحل عنّا بحجم رجل جمع بين الأخلاق وقوة الحضور والثقافة العالية والذكاء الذي امتلكه الإعلامي الكبير، علي فضيل، موهبة واكتسابا، ولكن، إذا نظرنا إلى ما حققه من إنجازات إعلامية متميزة، نكاد نجزم بأن رسالة الرجل الإعلامية والاجتماعية اكتملت، حتى قلنا له في قبره: مرحى وطوبى لك، فقد كنت على الدوام عنوانا للنجاح، مهما كان نوع هذا المجال، سواء كان ورقيا أم إلكترونيا أم سمعيا بصريا.
بمجرد أن ظهر بصيص من الأمل لخوض الجزائر الصحافة الحرة، بعد سنوات الأحادية العجاف، حتى ودّع الأستاذ، علي فضيل، في قمة عطائه وعنفوانه العملي والشبابي الجرائد العمومية، التي كان مُسيرا ورئيس تحرير فيها من الشعب إلى المساء، وبثقة بالنفس، أبرق إلى الجزائريين المشتاقين إلى الإعلام الحر، أول عدد من “الشروق العربي”، في ربيع 1991، عندما كانت الجزائر تعيش شتاء أمنيا، بأعاصيره ورعوده الدامية، التي غرقت فيها.. لم يكن الأمر هيّنا، ولكن الذين مازالوا يذكرون صيحات “الشروق العربي” وأقلامها الرصاصية، يشهدون على أن الصحافة الحرة في الجزائر بدأت كبيرة.. بل كبيرة جدا، بفضل عدد من الصحف، ومن بينها “الشروق العربي”.
ولو عددنا الأقلام التي باشرت العمل وتعاملت مع “الشروق العربي”، وقادت بعد ذلك وسائل إعلام عربية وحتى غربية، لأحصينا قرابة الخمسين من رجال ونساء، بعضهم احترف مهنة المتاعب في دول الخليج، وآخرون جاوروا الأهرامات الثلاثة، وآخرون مازالوا إلى حد الآن يصنعون ربيع بعض الصحف والتلفزيونات، وحتى المواقع الإلكترونية في البلاد الأوروبية.
كان الجزائريون ينتظرون نسخ أسبوعية “الشروق العربي”، بما يشبه الظاهرة الثقافية والاجتماعية، فقد كانت “الشروق العربي” أول صحيفة في تاريخ الجزائر تطرق باب العائلات، وتلامس الأيدي الناعمة للجنس اللطيف، وبين الفن والآهات الاجتماعية، وأخبار نجوم الكرة، كانت “الشروق العربي” تعجن بإتقان طبخات سياسية، فجرت الكثير من الأقلام، حتى نكاد نجزم بأن كل من له حاليا عنوان إعلامي أو قناة تلفزيونية أو شرفة إلكترونية يطل منها، كان تلميذا تخرّج من مدرسة “الشروق العربي”، التي مازالت تطلّ إلى حد الآن على قرائها في شكل مجلة باهية الشكل والمضمون، وستحتفل في شهر ماي القادم بعيد ميلادها الثلاثين، لتكون الوسيلة الإعلامية الورقية الأكثر صمودا من بين كل وسائل الإعلام في الجزائر، ولم يحدث أن غادر اسم شروقي المؤسسة، إلا لأجل تأسيس عنوان آخر، أو ليتبوأ مكانا مرموقا في عالم مهنة المتاعب، الذي تحوّل إلى مهنة الألفة والمتعة والطمأنينة، مع الراحل، علي فضيل.
عانت “الشروق العربي” من الحواجز السياسية المزيفة، وكان في غالب الأحيان الوزير الأول السابق، أحمد أويحيى، هو من يضع هذه المتاريس، فقد كان يريدها جزءا من قاطرة الاستئصال، وكانت تريد النور مثل اسمها، وتمكن بقوة ما يملكه حينها من سلطة، من نسف حلم جميل كان يصحو عليه وينام عشاق الحرف العربي، إلى أن ظهرت “الشروق اليومي”، في نوفمبر من سنة 2000، لتكمل المسيرة، وتبلغ أيضا في ظرف وجيز عمر النضج وصناعة الحدث، بالدفاع عن ثوابت الأمة، قبل أن تحطم كل أرقام السحب في شتاء 2009، عندما بلغ سحبها المليونين، ولم تكن حينها الأهرام المصرية، تسحب أكثر من ثلاثمائة ألف نسخة.
أتمّ الراحل، علي فضيل، نجاحاته الإعلامية من خلال الموقع الإلكتروني لـ”الشروق اليومي”، الذي حاز عديد الجوائز على المستوى العربي، واحتل المركز الثاني عربيا، من حيث التأثير والمتابعة، وبصم على وجوده في المسابقات العربية الكبرى.. ولولا الطعنات الغادرة التي كانت تتلقاها “الشروق اليومي”، بين الحين والآخر، من نفس الأعداء، لنافست كبريات الصحف العالمية، وتفوقت عليها، ليس من حيث السحب اليومي، وإنما من حيث قوة تأثيرها، بعد أن صارت مواضيعها وسبقها الإعلامي وأقلامها مرجعا وصانعة للحدث، تقدم نموذجا راقيا يفتخر به كل الجزائريين الذين تابعوا بكثير من العزة معركة “الشروق اليومي” أمام أوزان الإعلام الثقيلة في مصر، في نهاية سنة 2009 وبداية سنة 2010، عندما ركبوا موجة توريث في بلادهم، على حساب مقدسات الجزائر، على خلفية خسارة الفراعنة مباراة في كرة القدم، كان الفوز فيها انتصارا سياسيا لحاكم مصر في ذلك الوقت، واعترف كبار الإعلاميين في مصر بعد أن وضعت تلك الحرب الإعلامية أوزارها، بأن “الشروق اليومي” خاضت المعركة باحترافية ورقي جعلا كل القوى الإعلامية العربية في الشام والخليج والمغرب العربي وحتى في مصر نفسها، تقف إلى صفها، وتعترف بنبل وأخلاق أقلامها وثقافتهم وذكائهم الإعلامي.
كان الأستاذ علي فضيل في أيام هذه المعركة يتنهد ويقول: “ليت الإعلام السمعي البصري في الجزائر أفسح لنا المجال لنطير مع الطيّارين دفاعا عن الجزائر”، ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى بزغت فرصة أخرى للتحليق عاليا في عالم الإعلام العصري، فكانت قنوات “الشروق” التي كان عليها أن تكون المدرسة والجامعة ومكان التخرج والعمل في نفس الوقت لشلة من الصحافيين، الذين خاضوا التجربة تحت إشراف الأستاذ الموهوب علي فضيل، الذي كان كلما حقق نصرا إعلاميا إلا ودخل معركة إعلامية جديدة، غير معترف بما يسمى باستراحة المحارب، وفي كل محطة، تتكرر نفس الحكاية، فكل المغادرين من وجوه قنوات “الشروق”، البيت الكبير، إنما لقيادة تجارب أخرى، بذخيرة حصلوا عليها من المدرسة التي تقدم من دون توقف.
الآن، وقد مرّت 6 سنوات دامعة برحيل فارس الإعلام الأول في الجزائر، ننظر يمينا وشمالا، وفي كل مكان، فنجد صدى الرجل أحرفا ذهبية في “الشروق اليومي” وربورتاجات هادفة في “الشروق العربي”، وفضاء لامعا في تلفزيونات “الشروق” ومواقعه الإلكترونية، وفضاءاته الملوّنة ومنصاته الافتراضية.
6 سنوات دامعة وحالمة من عمر أهل “الشروق”، أكملوا فيها مسار الألف ميل، وزادوا أميالا أخرى، ولن يكون لهم راحة بال ولا طمأنينة، إلا بالمحافظة على الإرث الثقيل، الذي تركه أخ وصديق عزيز، افتقدوه جسدا، ولكنه بينهم في قاعات التحرير، وفي مختلف الأقسام، وفي الذاكرة، وحتى في خرجاتهم الميدانية، وهم يحاورون المعذبين والمظلومين في الأرض، من أبناء الجزائر.
يختلط الدمع بالحبر وبالعرق، عندما نخطّ كلمات للذكرى، عن رجل بنى مؤسسة عملاقة لا تغرب عنها شمس المعارف والمصداقية، ولكن العزاء يبقى في صمود هذه المؤسسة، التي تمتلك شهداء ورموزا وأوفياء وقائدا خالدا.
محمد قيراط
المؤسس والمبتكر والمبدع…. مدرسة في إدارة وقيادة المؤسسات الإعلامية
ذات خريف من سنة 1977 توجه إلى الجزائر العاصمة بعد نجاحه في شهادة البكالوريا. جاء من بئر غبالو، ذلك المجتمع الريفي بعادته وتقاليدة إلى العاصمة حيث استقر به المشوار في الحي الجامعي طالب عبد الرحمن بإبن عكنون. سجل في معهد العلوم السياسية والإعلامية وتخصص في التنظيم الإداري.
عرفت دفعته (1977-1981) تنقلات ومحطات مختلفة بسبب تعدد مقرات وقاعات الدراسة، حيث تعددت أماكن التدريس من “جاك كارتتي” إلى العربي بن مهيدي إلى كلية الحقوق في ابن عكنون انتهاء بكلية الإعلام. من زملاء الدفعة المرحوم صالح قيطوني والمرحوم العاقل ياسر وعمر قيطوني ونور الدين بوزيان ومخلوف زرطيط وبوعلام رمضاني وصالحي حمود وزاوية محمود وخلية عبد الحميد وأحمد بيوض…كان بسيطا طموحا مثابرا وملتزما شغوفا بالعلم والمعرفة، كريما مخلصا يحب الجميع ويحب مساعدة الفقراء والمساكين.
أنهى دراسته وعلى خلاف تخصصه توجه لمهنة المتاعب وعمل صحافيا، حيث ألتحق بجريدة الشعب سنة 1982 وعمل في الإذاعة الوطنية وجريدة المساء قبل أن يؤسس “الشروق العربي”. صال وجال في دروب الصناعة الإعلامية في الجزائر تعرف على خلجانها ودروبها. ما يحسب للراحل وما يسجله له التاريخ بحروف من ذهب هو مهاراته الإدارية والقيادية حيث أستطاع أن يؤسس أكبر مجمع إعلامي في تاريخ الجزائر.
الجزائر التي كانت تفتقد لثقافة المجمعات الإعلامية وثقافة الاستثمار في المجال الإعلامي. المرحوم علي فضيل أستطاع أن يؤسس لثقافة جديدة ولإعلام متنوع وفتح المجال للطاقات الشابة لتوظيف مهاراتها وتفوقها في الميدان.
في ثقافة الصناعة الإعلامية عندما نتكلم عن مجمع هذا يعني إمكانيات مادية معتبرة، مقرات، كوادر بشرية متميزة ومنتج إعلامي متنوع ومتميز يستجيب باستمرار لاحتياجات الجمهور.
رؤى واستراتيجية المرحوم علي فضيل جاءت في الوقت المناسب لأن الجزائر والقارئ الجزائري والشعب الجزائري بصفة عامة كان بحاجة إلى إعلام جديد، أسلوب جديد في إدارة المؤسسات الإعلامية والخروج من ثقافة الإعلام الحكومي الرسمي الذي كان بعيدا كل البعد عن هموم وانشغالات المواطن الجزائري. إعلام أحادي عمودي من السلطة إلى الجماهير، يغلب عليه الروتين والرسميات وخطاب السلطة الذي انشرخت أسطوانته منذ عقود خلت. إعلام رسمي كان شغلة الشاغل هو “شرعنة” السلطة ونقل رسائل إلى عامة الشعب.

رؤية المرحوم كانت تختلف تماما حيث أنتهجت أسلوبا وطريقة تختلف عما تعود علية الشعب لعقود من الزمن. منهجية المجتمع تعطي التنوع وتوفر التوجه إلى قطاعات مختلفة من الجمهور وتعطي إمكانية الاهتمام بالمجالات المختلفة في الحياة اليومية للمجتمع. وهذا يعني أن المجمع بإمكانه التوجه إلى المرأة وإلى الشباب وإلى كبار السن والأطفال.
كما أن فكرة المجمع توفر الإمكانيات للاهتمام بالسياسة والرياضة والاقتصاد وقضايا المرأة والثقافة والمسرح. من جهة أخرى نلاحظ إهتمام المجمع بالقرى والمداشر ومناطق الظل التي لم تتغير أحوالها منذ عقود من الزمن ولم ينظر إليها إعلام السلطة الذي يلخص البلاد بالجزائر العاصمة وفقط.
علي فوضيل أسس لنظام إعلامي جديد في الجزائر رغم العراقيل والمشاكل. ففكرة مجمع إعلامي لا تأتي إلا من رجل له رؤية واستراتيجية ولهه مهارات في الإدارة والقيادة. جاء بشيء مختلف، شيء جديد ونمط جديد في رؤية الأشياء والقضايا والمجتمع بكامله بهمومه وتحدياته. إبن الريف إنحاز إلى حنينه لبيئته الطبيعية بيئة بئر غبالو، بيئة البساطة والكرم والمحبة والوئام والتآخي. هذه الصفات انعكست في فكر علي فضيل وجسدها المرحوم في الواقع من خلال المجمع الإعلامي الذي أسسه وأشرف علية وأداره باقتدار.
ما قام به المرحوم لم يفعله أحد من قبله. نجاح المرحوم علي فضيل تمثل في اهتمامه من خلال المجمع الإعلامي بقضايا الفقراء والمساكين والمهمشين، القضايا الكبرى والمصيرية لمجتمع كثر فيه الفساد وتدبير المال العام وتجاهل هموم ومشاكل المغلوب على أمرهم.
جعل المرحوم علي فضيل مجمع الشروق في خدمة الجزائر والتحديات الكبيرة التي كانت وما زالت تواجهها. كرم المثقفين والمبدعين والرياضيين وكل الذين تفوقوا ونجحوا وهزموا التحديات والصعاب. الرجل كان يحب التميز والتفوق والنجاح.
من خصال المرحوم أنه كان لا يؤمن بالمستحيل، كان طموحا إلى أقصى درجة كان يؤمن بقدراته وبقدرات من حوله. ميزنه أنه كان قائدا بأتم معنى الكلمة وهذه الصفة لا تتوفر إلا في من يتميزون بمهارات وسمات وصفات وهبات من الله. المرحوم فتح أبواب مجمع الشروق أمام الشباب ووجههم وشجعهم على المثابرة والعمل والإصرار على النجاح.
المرحوم بفضل خصاله الحميدة وثقافته الواسعة ومواهبه في الإدارة وقيادة الرجال أستطاع أن يخرج من الروتين ويأتي بالجديد. نعم أستطاع أن يؤسس مجمعا إعلاميا ناجحا ومن خلاله أستطاع أن يكون مدرسة جديدة في الإعلام تهتم بقضايا الشعب، وبقضايا الأمة وبقضية العروبة والإسلام وقضية اللغة العربية وفلسطين. كما كرم العلماء والمبدعين، وحفظة القرآن، والمتفوقين والناجحين. لم يضع الربح نصب أعينه لكن الربح بالنسبة له كان خدمة الوطن والمواطن.