عميروش لم يكن “مجرم حرب” وكريم بلقاسم أنقذ الثورة في المنطقة
حينما تجالس الملقب بكاتب سيرة العقيد عميروش، وصاحب اول كتاب عنه، الضابط “جودي أتومي” يخيل لك، انك تحاور عدة اشخاص، في آن واحد، قبل أن تكتشف أن صفات المجاهد الكاتب والمدير والرئيس السابق للمجلس الولائي، هي أوجه لشخصية واحدة متواضعة ومناضلة ووطنية.
صفق في 1952 لدرس عن معركة “التافنة” فتلقى صفعة قوية
كشف، المجاهد “جودي أتومي” – كما يحب أن يلقب – أنه بدأ النضال، في صفوف جيش التحرير الوطني، في سن مبكر، وما طبع ذكريات الطفل إبان هذه الحقبة، إلا الصفعة، التي نالها، على يد مدرسه بابتدائية سيدي عيش – مسقط رأسه – سنة 1952، حينما صفق خلال درس تناول معركة التافنة، وانتصار الأمير عبد القادر فيها، على الجيش الفرنسي، والتي اعتبرها تجنيدا معنويا، لطفل لم يتجاوز الـ 14 سنة. قبل أن يلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني، بصفة رسمية، ويغادر مقاعد الدراسة، في مجال التجارة، التي كان قد شرع فيها في الجزائر العاصمة، وذلك مباشرة، عقب انعقاد مؤتمر الصومام، بالرغم من رفض والده، الذي حاول إقناعه بالعدول عن الفكرة، خاصة وأن سنه كان لا يتجاوز الـ 18 سنة.
نسخ قرارات “مؤتمر الصومام في سن الـ 18
أكد المجاهد، “أتومي” للشروق، أن الحظ كان حليفه طوال مراحل حياته، كما أن قيادات الجيش حينها وضعت فيهم الثقة، وأعطتهم فرصا لتحمل المسؤوليات، كيف لا، وهو الذي وجه مباشرة، بعد تجنده إلى مركز القيادة الثالثة، بمنطقة “مزوارة” التابعة “لأكفادو“. كما كانت أول مهمة أوكلت له هي نسخ قرارات، وميثاق اهم حدث في تاريخ الثورة، وهو “مؤتمر الصومام“.
كلفه عميروش بنقل 100 مليون لمنطقة “البيبان“
ثم سرعان ما كلفه العقيد عميروش، الذي عمل تحت امرته، بمهمة دعم المجاهدين بالأوراس، بالأموال اللازمة، لشراء المؤونة والأسلحة، وذلك من خلال نقله لمبلغ 100 مليون سنتيم لمنطقة البيبان، كما عين بعد سبعة أشهر من التحاقه بالجيش، للمشاركة في المجلس الولائي الأول، بعد مؤتمر الصومام على مستوى منطقة “الأربعاء نايث إيراثن“، حيث أوكلت له مهمة كتابة محضر الجلسة، وهو المجلس الذي حضره حوالي 70 مسؤولا، من بينهم “كريم بلقاسم“، الذي أنقذ بفضل حنكته، حياة العديد من المجاهدين، وكذا مصير الثورة بالمنطقة، بعد كشف الإدارة الاستعمارية لمكان انعقاد المجلس.
كاتب سيرة العقيد عميروش
في حديثه عن العقيد عميروش، تلمس لدى المجاهد “أتومي” حبا وولعا كبيرا، بهذه الشخصية التاريخية، وهو الحب الذي ترجمه عمليا، سنة 1999. من خلال إصدار أول كتاب، في تاريخ الجزائر عن “أسد الصومام“، والذي كان حسبه ردا عن الإساءات، التي طالت هذه الشخصية، من قبل الضباط الفرنسيين، الذين وصفوه بـ“السفاح“، والتي أضحت متداولة – حسبه – حتى بين أفراد المجتمع الجزائري، دون أي تحرك يذكر من قبل السلطات الرسمية الجزائرية، وهو المؤلف الذي أماط اللثام عن هذه العبقرية القيادية المتفردة، في تاريخ النضال الجزائري.
عميروش كان غائبا في “الليلة الحمراء“
أهداه مسدسا رشاشا، كبديل عن السماح له بمواصلة دراسته بتونس. ووضع النقاط حول المغالطات التاريخية، التي صنفت العقيد في خانة “مجرم الحرب“، من خلال التعرض لحادثتي “الزرق” و“الليلة الحمراء” حيث قال بأن الأولى، كانت مكيدة من الإدارة الفرنسية، وقع فيها العقيد، اما الثانية فكان فيها عميروش غائبا عن الولاية، كما أشار المؤلف إلى صراع الداخل والخارج، الذي لخصه العقيد عميروش، في مقولة شهيرة قبل توجهه الأخير إلى تونس “سأذهب لتنظيف الأوضاع بالخارج وكل من لا يلتحق بالجبال لن نطبق قراراته مهما كانت رتبته” خاصة أمام وجود كتائب تتوجه للخارج للتزود بالأسلحة دون أن تعود، كما طرح المؤلف أسئلة عدة حول استشهاد العقيد في ظل الظروف السائدة آنذاك، هذا الكتاب، تلاه اثنان آخران حول هذه الشخصية، آخرها الموسوم “ساعات الحقيقة“، والذي ينتظر صدوره قريبا.
“أتومي” يغادر الجيش ويتفرغ للتحصيل العلمي
بعد الاستقلال مباشرة، أوضح المجاهد “أتومي” أنه سرح من الجيش بصفة إرادية، وذلك بغية استكمال مشواره الدراسي، حيث عين مديرا لمستشفى، وموازاة مع ذلك كان يزاول دراساته، التي مكنته من الحصول على شهادة ليسانس في الحقوق، وأخرى في الصحة العمومية بفرنسا. كما شغل منصب رئيس للمجلس الولائي، حيث عمل على مكافأة القرى والمناطق التي خدمت الثورة، قبل أن يتفرغ للكتابة التاريخية، التي قال إنها لا يجب، أن تكون فقط من قبل الفاعلين في الميدان. كما تأسف على وضعية الانسداد التي يعيشها المجلس الولائي لبجاية مؤخرا.