-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عن حرائق الغابات في الجزائر

عن حرائق الغابات في الجزائر

تُمثّل الغابات في الجزائر أكثر من مجرد مساحات خضراء شاسعة تُزيّن الجبال وتلطّف الأجواء؛ فهي الإرث البيئي الحي، والرئة النقية التي تتنفس منها البلاد، والدروع الطبيعية الحامية للأمن المائي والتربة ضد الانجراف وزحف التصحر، وكانت بالأمس فقط ملجأ الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار. إلا أن هذه المنظومة البيئية الفريدة تجد نفسها كل صيف وجها لوجه أمام كابوس متكرر ومرعب يُعرف بـ”موسم الجحيم”.
لعل ما يضفي على هذه المأساة طابعها الأكثر إيلاما ووجعا، هو أن الأمر لا يتوقف عند خسارة الأشجار واحتراق المساحات، بل يمتد ليخلف في كل موسم ندوبا دامية وفقدانا مفجعا لأرواح زكية من الجزائريات والجزائريين، من مواطنين عزل، وعمال غابات، وأفراد من أبطال الجيش والحماية المدنية، الذين قضوا نحبهم وهم يصارعون ألسنة اللهب دفاعا عن الأرض والأهالي. إن هذه الخسائر البشرية الفادحة تحول الكارثة من مجرد إحصائية بيئية إلى جرح وطني غائر يتجدد كل عام، ويضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية قصوى ترفض الاستمرار في حلقة العجز والندم ذاتها.
إن الحديث عن حرائق الغابات لا يمكن أن يُختزَل في تقارير موسمية تحصي الخسائر أو تكتفي بلعن الظروف المناخية القاسية، بل هو استدعاء لقصة أعمق وأكثر تعقيدا؛ قصة تقاطع فيها إهمال التاريخ، والتحوّلات الديموغرافية الجذرية، وقصور أدوات التسيير الإداري الكلاسيكي، أمام ظاهرة مناخية عالمية تتطلب ذكاءً ميدانيا وصرامة إستراتيجية لا مكان فيهما للارتجال.

1- الزلزال الديموغرافي
لكي نفهم جذور الأزمة الحقيقية، يجب أن نعود قليلا إلى الوراء لنقرأ التحول الديموغرافي الهائل الذي عاشته الجزائر منذ الاستقلال. بالأمس القريب، كان نحو ثمانين بالمائة من الجزائريين يعيشون في الجبال، والأرياف، والمداشر، منتشرين في شعاب الوطن كحراس طبيعيين للأرض. لم تكن الغابة بالنسبة لهم مكانا نائيا أو مجهولا، بل كانت بيئتهم الحية ومصدر رزقهم اليومي؛ فيها يرعون مواشيهم بعقلانية، ومنها يجمعون حطب الوقود الميت، وفيها يمارسون زراعة جبلية مستدامة كالزيتون والفواكه الغابية وتربية النحل، ويسترزقون من خيراتها. هذا التواجد البشري المستدام كان بمثابة “خط دفاع بشري دائم” ينظف الغابة ذاتيا ويمنع تراكم الأعشاب اليابسة.
غير أن عقودا من الهجرة الريفية الكثيفة نحو الحواضر والمدن الكبرى قلّبت الهرم رأسا على عقب؛ فأصبح اليوم ثمانون بالمائة من الشعب الجزائري متكدسين في المدن، وخلت الجبال والمداشر تماما من سكانها الأصليين. هذا الفراغ البشري القاتل ترك الغابات وحيدة في مهب العزلة، فأدى تدريجيا إلى ما يمكن وصفه بـ”تغول الغابة”؛ إذ تُركت الأشجار والأحراش تنمو وتتداخل بلا تقليم ولا تهيئة، متراكمة بعضها فوق البعض لتشكل على مر السنين مستودعات عملاقة للوقود النباتي الجاف تنتظر فقط شرارة عابرة لتنفجر في وجه البيئة والإنسان.

2- عقم الإدارة التقليدية
إلى جانب الفراغ الديموغرافي، تعاني المنظومة المؤسساتية المسؤولة عن قطاع الغابات من اختلالات هيكلية عميقة؛ أبرزها الاعتماد المطلق على التكوين الجامعي النظري الكلاسيكي لتوظيف إطارات ومسيِّري قطاع الغابات.
هذا النمط أفرز إطارات مكتبية تفتقر تماما إلى التكوين الميداني والميدان الصارم الذي يناسب طبيعة الغابة وقسوتها. وعلى عكس قطاعات أخرى كالحماية المدنية التي تمتلك مدارس وتكوينات تطبيقية ميدانية متخصصة، يعاني قطاع الغابات من فراغ تكويني شبه تام في إعداد مهندس أو تقني الغابات المعاصر.

 عقود من الهجرة الريفية الكثيفة نحو الحواضر والمدن الكبرى قلّبت الهرم رأسا على عقب؛ فأصبح اليوم ثمانون بالمائة من الشعب الجزائري متكدسين في المدن، وخلت الجبال والمداشر تماما من سكانها الأصليين. هذا الفراغ البشري القاتل ترك الغابات وحيدة في مهب العزلة، فأدى تدريجيا إلى ما يمكن وصفه بـ”تغول الغابة”؛ إذ تُركت الأشجار والأحراش تنمو وتتداخل بلا تقليم ولا تهيئة، متراكمة بعضها فوق البعض لتشكل على مر السنين مستودعات عملاقة للوقود النباتي الجاف تنتظر فقط شرارة عابرة لتنفجر في وجه البيئة والإنسان.

إن تسيير الغابات بمنطق إداري بحت، والاعتماد على آليات إطفاء كلاسيكية لا تتحرك إلا بعد وقوع الكارثة وفي عز الصيف، جعل الإدارة العامة للغابات رهينة لسياسة رد الفعل الموسمي. وحين يغيب العنصر البشري المؤهَّل ميدانيا، وتغيب استراتيجيات الوقاية الدائمة طوال السنة مثل فتح خطوط النار، وتنظيف المسالك الوعرة، وإدارة الكتلة الحيوية، تصبح المعركة محسومة لصالح النيران قبل أن تبدأ، وتكون الفاتورة باهظة من أرواح الأبناء ومقدرات الوطن.

3- معالم الحل الاستراتيجي الشامل
إن حرائق الغابات ليست قدرا محتوما، ودليل ذلك نجاح دول وتجارب عديدة في تقليص رقعة الاحتراق عبر استراتيجيات ذكية ومدروسة. ولكي تخرج الجزائر من هذه الحلقة المفرغة، لا بد من إحداث ثورة هيكلية متكاملة تقوم على ركائز أساسية لا غنى عنها:

1. ثورة في التكوين الميداني والرقمي
• إنشاء مدارس ومعاهد عليا تطبيقية وميدانية لتكوين مهندسي وتقنيي الغابات، يجمع التكوين بين الخبرة الميدانية الصارمة: قراءة التضاريس،و سلوك النيران، والبقاء وإدارة الأزمات، وبين الثقافة الرقمية المعاصرة.
• تخليص القطاع من البيروقراطية المكتبية وربطه مباشرة بغرف عمليات رقمية وذكية.

2. الرقمنة الميدانية كبديل ذكي لغياب البشر
• تعويض الفراغ السكاني في الجبال بنشر شبكات استشعار ذكية (IoT)، وكاميرات حرارية موصولة بالذكاء الاصطناعي لرصد الدخان في ثوانيه الأولى.
• الاعتماد على طائرات الاستطلاع المسيَّرة (الدرونز) لتمشيط المسالك الوعرة وتأكيد البؤر، مما يلغي الإنذارات الكاذبة ويوجِّه شحنات وجهود التدخل السريع بدقة مليمترية نحو نقطة الضعف قبل اتساع رقعة النار.
• إعطاء فرق المراقبة الميدانية وسائل تنقل خفيفة ومتحركة (دراجات نارية ودرونات) بدلا من البقاء في أبراج مراقبة ثابتة لا تحرك ساكنا.

3. إحياء الاقتصاد الغابي المستدام
محاربة “تغول الغابة” عبر إعادة ربط الإنسان بالمجال الغابي اقتصاديا؛ من خلال تشجيع الاستثمار المصغر في المنتَجات الغابية غير الخشبية كالعسل الغابي الحر، والأعشاب الطبية، والزيوت الأساسية، والسياحة البيئية المستدامة.
عندما يجد الشاب القاطن بالقرب من الغابة مصدرا حقيقيا للرزق فيها، فإنه يتحول تلقائيا من مجرد مشاهِد غير مبالي إلى حارس شرس ومدافع أول عن محيطه البيئي.

4. القبضة القانونية والردع الجنائي الصارم
• تفعيل القوانين الردعية وملاحقة المتسببين في الحرائق، سواء كان ذلك بفعل إجرامي متعمد لأغراض عقارية أو تفحيم غير قانوني، أو بسبب إهمال بشري فادح.
• اعتماد تحقيقات جنائية رقمية عالية الدقة لكشف أسباب كل حريق وعدم قيد الجرائم البيئية ضد مجهول، ليكون كل متسبب عبرة لمن يعتبر.

5. ترسيخ الوعي المجتمعي المتكامل
لا قيمة لكل التكنولوجيا والتشريعات إن لم يترسخ في الوعي الجمعي أن الغابة هي أمانة ومرآة لهوية الأجيال. هذا الوعي يبدأ من العائلة بغرس حب الأرض، مرورا بالمناهج المدرسية التطبيقية وليست النظرية، وصولا إلى دور الإعلام والمجتمع المدني في حماية الشارع والبيئة.

4- الوفاء للدم والرماد
إن الغابة الجزائرية بتاريخها، وجمالها، وثرواتها البيئية والاقتصادية، والأهم من ذلك، دماء أبنائها وبناتها التي أُرقت على تخوم هذه الجحيم، تستحق منا وقفة صدق تنهي عصر الإهمال والارتجال. إن بناء نموذج وطني ذكي، يدمج بين حكمة الأجداد في حب الأرض وذكاء العصر في الرقمنة والانضباط الميداني والردع القانوني، هو الوفاء الحقيقي لأرواح من رحلوا.
وحين تلتقي إرادة الدولة بوعي المجتمع، وحين يتحول العامل الغابي إلى تقني ميداني مدجَّج بتكنولوجيا، وحين يعود الإنسان المحلي ليرتبط بثروته، سنرى قريبا صيفا جزائريا تظلِّل فيه الأشجار الخضراء جبالنا العالية، وتعود الغابة رئة تنبض بالحياة، لا رمادا يروي مآسي الأرواح الضائعة وقصص الندم المتكررة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!