عنتريات أنور عشقي!
لعلّ أغرب تبرير قدّمه الجنرال السعودي أنور عشقي لزيارته القدس المحتلة منذ أيام، أنه يعتبرها أرضا فلسطينية وليست “إسرائيلية”، وقد زارها للتأكيد على فلسطينيتها وعروبتها!
وطبقا لهذا المنطق الغريب، يمكن لأيّ حاكم عربي أو مسلم زيارة “تل أبيب” أيضا والاجتماع بمسؤوليها، ثم تقديم المبرِّر نفسه.. فـ”تل أبيب” أيضا مدينة فلسطينية وكانت تُسمّى تل الربيع قبل احتلالها في 1948 وتحويلها إلى عاصمةٍ لما يُسمَّى زورا وبهتانا “دولة إسرائيل”.
إذا كان أنور عشقي ومن يقف وراءه، يؤمنون فعلا بأن القدس مدينة فلسطينية لا حظَّ للاحتلال الصهيوني فيها، فليدعموا إعادتها إلى الفلسطينيين عن طريق مساندة المقاومة والتخلي عن الهرولة والتطبيع ومشاريع التسوية الذليلة للقضية الفلسطينية.. ولكن أنَّى يحدث ذلك والجنرال عشقي يقول إنه التقى مسؤولين صهاينة لدراسة “مبادرة السلام العربية” لعام 2002، التي تقترح تطبيعا عربيا شاملا مع الاحتلال إذا وافق على قيام دولة فلسطينية على أراضي 4 جوان 1967؟
أصلاً، إذا كان عشقي قد زار القدس المحتلة بـ”مبادرة فردية” منه كما يزعم، ولا تقف سلطات بلاده وراء الزيارة، فكيف يسمح لنفسه بالتباحث مع مسؤولي الاحتلال في مبادرة السلام هذه؟ هل يُعقل أن يقدِم رئيسُ مركز دراسات على التباحث مع مسؤولين أجانب في شأن قضايا سياسية هي من اختصاصات سلطات بلاده؟ وهل كان سيجرؤ على توجيه دعوة إلى الصهاينة لزيارة الريّاض لو كان يتحدّث باسمه الخاص؟!
المسألة إذن واضحة وضوح الشمس؛ فالزيارة مرتَّبة بشكل مدروس وتهدف إلى تسريع خطوات التطبيع لنسج تحالفٍ شاذّ وغريب مع الصهاينة ضد من يسميّه عشقي والقادة الصهاينة “العدو المشترَك”؛ إيران و”داعش”. ألم يصرّح عشقي للإذاعة الصهيونية منذ أيام قليلة بأن “إسرائيل والسعودية شركاء ضد إيران والإرهاب”؟ وكأن العرب بجيوشهم الجرَّارة وأجهزة أمنهم قد عجزوا عن مواجهة إيران و”داعش”، ولا بدّ أن يُشرِكوا في المواجهة سفاحي الحروب وقتلةَ أطفال غزة!
لذلك، يحقُّ للفلسطينيين أن يقلقوا بشدّة وهم يرون عددا من الدول العربية تهرول نحو التطبيع، حتى إن نتنياهو قال قبل أيام إن هناك اختراقا صهيونيا كبيرا للمنطقة العربية، يمكن في ضوئه تطبيع العلاقات أولاً، ثم استئناف المفاوضات لتحقيق عملية السلام مع الفلسطينيين لاحقا.
حتى مجلة “إيكونوميست” البريطانية هالتها هذه التنازلات المستمرّة، فكتبت بتعجّب أن “فلسطين مهمَلة ولم تعد على أجندة العرب”. واستغربت أكثر: “كيف تحوّلت إسرائيل من ألدّ أعداء العرب إلى حليف”؟!.. حليف يُلقِي إليه عشقي وأمثالُه بالمودّة، متناسين كل جرائمه في فلسطين!
بقي أن نقول إن اتهام عشقي للمقاومة بـ”العنتريات الفارغة” وبالعجز عن “قتل ذبابة” يفتقر إلى أيّ منطق أو دليل؛ فقد جرّبت فصائل فلسطينية معروفة المقاومة في غزة، فتمكنت من دحر الاحتلال وتحرير القطاع تماما في 2005. وجرّبت السلطة الفلسطينية مفاوضات “السلام” منذ عام 1993 إلى الآن؛ أي منذ 23 سنة كاملة، فلم تجنِ إلا الخيبة والحسرة وإغراقَ الضفة بالمستوطنات وامتلاءَها بنصف مليون مستوطِن!