-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما تُمسي الدّعوة إلى التّوحيد جُرما!

سلطان بركاني
  • 1450
  • 0
عندما تُمسي الدّعوة إلى التّوحيد جُرما!

ينتشر على مواقع التواصل، في الآونة الأخيرة، خطاب حاد شديد اللهجة، يروّج لعقيدة انحسرت بين الأمّة في العقود الأخيرة بفضل الله أولا، ثمّ بفضل الدعوات الإصلاحية التي جعلت ضمن أولوياتها ربط النّاس بالله الواحد الأحد، وتعليمهم أنّه –سبحانه- قد فتح أبوابه للداعين والمستغيثين، ليتوجّهوا إليه مباشرة بحاجاتهم، ولم يُلجئهم إلى من يتوسط لهم إليه ويرفع إليه رغباتهم.. العقيدة التي يجري الترويج لها وتُقدّم على أنّها عقيدة السواد الأعظم من أئمّة الإسلام (!) تعتمد على اتّخاذ الوسطاء والشّفعاء إلى الله، وتغري المسلمين بعمارة أضرحة الأولياء الصالحين لنيل المطالب والحاجات! على أساس أنّها أماكن تنزل فيها الرحمات وتستجاب فيها الدّعوات!

يعتمد هؤلاء الذين يروّجون لهذا الخطاب، على ذات النّهج الذي يعتمده الشيعة والمتشيّعون، ألا وهو استدعاء المظلومية، وإذا كان الشيعة يعتمدون مظلومية أهل البيت، ليروّجوا لعقائد الغلوّ في الأئمّة ويغروا الأتباع بالضراعة إلى أعلام أهل البيت الذين ما علّموا النّاس هذه العقائد ولا ادّعوا لأنفسهم ما يدّعيه لهم المعمّمون المفتونون والمنتفعون بالنذور وانتشار العقائد القبورية؛ إذا كان هذا معتمد الشيعة، فإنّ معتمد مروّجي العقائد القبورية بين أهل السنّة هو ما يصفونه بمظلومية عموم الأمّة أمام ما يسمّونه “الفكر التيميّ التكفيريّ” على اعتبار أنّ ابن تيمية –رحمه الله- هو –بحسب هؤلاء المفتونين- هو أوّل من حذّر من الاستغاثة بالأموات، وبسببه يتّهم المسلمون اللائذين بالأضرحة والمزارات بالوقوع في الشّرك!

إنّه لمن المؤسف حقيقة أن تمهّد السّبل لهذا الخطاب، في هذا الزّمان الذي تتهدّد شبابَ الأمّة شبهات الإلحاد والعلمانية والتنوير التي تسلّط الأضواء على العقائد الخرافية التي تنسب إلى الإسلام والإسلام منها بريء، لتشكّك شباب الأمّة بدينهم؛ مؤسف أن يبرز هذا الخطاب نكاية بطائفة من الأمّة غلا بعض المنتسبين إليها في محاكمة عامّة المسلمين وبعض أعلامها، وفي المسارعة إلى تكفير من يتلبّس ببعض الأخطاء المتعلّقة بالدّعاء والاستغاثة!

ليس ابن تيمية هو أوّل من دعا النّاس إلى إنزال حاجاتهم بالله الواحد الأحد، وإلى عمارة المساجد بدل الأضرحة والمزارات؛ فآيات القرآن الكريم محكمة وصريحة في هذه العقيدة التي تعدّ من أهمّ ركائز القرآن، يقول الحقّ تبارك وتعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون))، ويقول –سبحانه-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ))، ويقول –جلّ شأنه-: ((قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)).. ويقول –تقدّست أسماؤه- منكرا على من يدعو غيره ويرجوه: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين))، ويقول: ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير)).

وأمثال هذه الآيات التي حفل بها القرآن، لم تُحكم في كتاب الله لتقرأها الأجيال على أنّها حكاية لتاريخ مضى وانقضى، إنّما لتحذّر المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه المشركون؛ فليس من أسلم وجهه لله وشهد الشّهادتين، يكون معصوما من الوقوع في الشّرك، ولهذا كان النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- يعلّم أصحابه أن يخلصوا دعاءهم لله، ويحذروا شديد الحذر من سلوك طريق الأمم التي انحدر بها الشيطان إلى تعظيم المخلوق ثمّ التوجّه إليه بالحاجات والرغبات، فكان يقول: “احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده أمامك. تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله”، وحينما أتاه رجل يقول له: ما شاء الله وشئت! أنكر عليه النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- قائلا: “أجعلتني لله نداً؟ قل ما شاء الله وحده”، ولمّا التمس منه بعض المسلمين في الطريق إلى حنين أن يجعل لهم شجرة يتبرّكون بتعليق أسلحتهم عليها، أنكر عليهم ذلك بشدّة وقال: “الله أكبر إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ لتركبن سنن من كان قبلكم”.

ومنه –عليه الصّلاة والسّلام- تعلّم الصّحابة أن يتوجّهوا بدعائهم واستغاثتهم إلى الله وحده، وكان السّابق منهم يوصي اللاحق بذلك، فهذا مثلا أمير ومولى المؤمنين عليّ بن أبي طالب –رضِي الله عنه- يوصي ابنه الحسن –رضيَ الله عنه- قائلا: “واعلم أنّ الذي بيده خزائن السّماوات والأرض قد أذن لك في الدّعاء وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة، ولم يعاجلك بالنّقمة، ولم يعيّرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدّد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرّحمة. بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة، وحسب سيّئتك واحدة، وحسب حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب. فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك. فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار وصحّة الأبدان وسعة الأرزاق”.

وهذا حفيد عليّ بن أبي طالب، علي بن الحسين –رحمه الله- كان يدعو قائلا: “اللّهمّ اجعلني أصول بك عند الضّرورة، وأَسأَلك عند الحاجة، وأَتضرّع إليك عند المسكنة، ولا تفتنّي بالاستعانة بغيْرك إذا اضطررت، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت، ولا بالتّضرّع إلى من دونك إذا رهبت، فأستحقّ بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك يا أَرحم الرّاحمين” (الصّحيفة السجّادية).

وهذا حفيد السجّاد، الإمام جعفر بن محمّد الصّادق، طيّب الله ثراه، تعلّم من أجداده أن يقول عند العلّة: “اللهمّ إنّك عيّرت أقواما فقلت: ((قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً))، فيا من لا يملك كشف ضرّي ولا تحويله عنّي أحد غيره، صلّ على محمد وآل محمد، واكشف ضرّي وحوّله إلى من يدعو معك إلها آخر لا إله غيرك”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!