-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غابة “مولاي إسماعيل” مقبرة جيش عبيد البخاري

بقلم: أمين كرطالي
  • 3061
  • 0
غابة “مولاي إسماعيل” مقبرة جيش عبيد البخاري

في شمال مدينة معسكر وعلى الحدود مع ولاية وهران، توجد غابة كثيفة الأشجار، متّسعة الأرجاء، كانت مسرحا لأحداثٍ مهمّة في تاريخ الجزائر الحديث، هذا الحدث جعلها تُعرف بـ”غابة مولاي إسماعيل” فما هو هذا الحدث؟

في سنة 1672م بويع إسماعيل بن الشريف بالسّلطنة في المغرب الأقصى، وثار عليه الكثير من أبناء البيت العلوي رافضين لسلطانه، كما تمرّد ضدّه أعيان القبائل من العرب والبربر، لكنّ  مولاي إسماعيل -كما كان يسمّيه المغاربة حينها- استعمل مع القبائل المتمرّدة وخصومه أشدّ أنواع الشدّة، سالكا معهم سياسة السيف والعنف لا سياسة اللين واللطف، وحين فقد ثقته في ولاء شيوخ القبائل له، سارع إلى تأسيس جيش جديد، يتشكّل من العبيد والحراطين، وسمّاهم “جيش عبيد البخاري”.

كان مولاي إسماعيل لا يهمّه مع من تحالف في سبيل تقويض دولة الجزائر، فتجده أحيانا يتحالف مع ملك فرنسا أو ملك إسبانيا وأحيانا مع بايات تونس ضدّ دايات الجزائر، وربّما استغلّ الثورات والأزمات الداخلية في الجزائر فيُرسل جيشه، بعد التنسيق مع حلفائه من الانجليز والهولنديين، لكنّ شبح الهزيمة ظلّ يُطارده، ووصم الخيانة يُلاحقه.

وبعد أن أخضع مولاي إسماعيل القبائل المتمرّدة ضدّه، رأى أن يُشغل جيشه الجديد بمعارك خارجيّة، وراوده حُلم آبائه في توسيع حدود سلطنته شرقا، بدل الجهاد ضدّ الإسبان من أجل تحرير مدن سبتة ومليلية وغيرها من الأراضي.

وقُبيل تحريك مولاي إسماعيل لجيشه نحو الجزائر، سعى إلى  تحريض ساكنتها، فاتصل ببعض المرابطين بتلمسان وشجّعهم على الثّورة ضدّ حكّام الجزائر، وفعلا اندلعت ثورةٌ بتلمسان فأغار جيش عبيد البخاري على قبيلة سقونة سنة 1085هـ/1674م، تمهيدا للاستيلاء على تلمسان لكن الثورة فشلت، فعاد جيشُ العبيد من حيث أتى.

ومنذ ذلك الحين تكرّرت مساعي المولى إسماعيل الرامية إلى توسيع حدوده،  وكلّها باءت بالفشل الذريع، والخسران المبين، وكان دائما يُمهّد لمحاولاته التوسعية بعقد معاهدات مع ملوك أوربا مثل معاهدته مع لويس الرابع عشر من أجل تعزيز موقفه تجاه الجزائر، والتي على إثرها هاجم قبائلَ بني يزناسن وكانوا رعايا لدولة الجزائر، ثم أغار على تلمسان في نفس التوقيت الذي أغار فيه الأسطولُ الفرنسي على الجزائر بقيادة دوكين سنة 1632م، لكنّ الدّاي حسن تمكّن من صدّ الأسطول الفرنسي وأرسل عقب ذلك جيشا عن طريق البحر لنجدة تلمسان، فهُزم جيشُ عبيد البخاري شرّ هزيمة وانسحب يجرّ أذيال الخيبة نحو المغرب مملكة فاس.

كان مولاي إسماعيل لا يهمّه مع من تحالف في سبيل تقويض دولة الجزائر، فتجده أحيانا يتحالف مع ملك فرنسا أو ملك إسبانيا وأحيانا مع بايات تونس ضدّ دايات الجزائر، وربّما استغلّ الثورات والأزمات الداخلية في الجزائر فيُرسل جيشه، بعد التنسيق مع حلفائه من الانجليز والهولنديين، لكنّ شبح الهزيمة ظلّ يُطارده، ووصم الخيانة يُلاحقه.

كلّ هزائم المولى إسماعيل كانت تنتهي بمعاهدة صلح يتعهّد فيها هذا الأخير لدايات الجزائر بالموادعة ويعترف بسيادة الجزائر على شرق وادي ملوية، ثمّ ما يلبثُ أن ينقض تلك المعاهدات، مثل ما فعله أيضا سنة 1695م عندما تعاون مجددا مع لويس الرابع عشر ملكِ فرنسا، واغتنم مولاي إسماعيل فرصة انشغال الداي شعبان بحرب محمد باي تونس، وأيضا حادثة تمرُّد جيش الحدود الشَّرقية الذي رفض العودة إلى محاربة الباي محمد، فأرسل إسماعيل حملةً من فاس للإغارة على الحدود الجزائرية والتي انتهت كسابقتها بهزيمة نكراء ولاذ فرارا نحو فاس، ومعه العبيد والأوباش.

إنّ الزّحف المقدّس نحو الجزائر لم يتوقّف إلى هذا الحدّ، ففي سنة 1699م أبرم المولى إسماعيل معاهد صداقة مع لويس الرابع عشر، كما عقد حِلفا مع باي تونس مراد بن علي بن حمودة، على أن يُهاجما الجزائر في زمن واحد من الغرب والشرق، وفعلا هجمت قواته على تلمسان، وتقدّمت شرقا فخرّبت مدينة معسكر مقر باي الغرب مصطفى بوشلاغم، مستغلّة غيابه في بعض غزواته، ثم تقدم إسماعيل بقواته إلى الشرق فوصل إلى وادي جديوية، وهناك تصدى له الباي مصطفى بوشلاغم وهزمه وأُصيب سلطان المغرب بجراح في رأسه، وكاد أن يقع أسيرا في أيدي العثمانيين، وتكبَّد خسائر كبيرة، وعاد هاربا نحو المغرب مدحورا.

وبعد سنوات من هزيمة جديوية، وبالضبط في سنة 1707م، وبينما كان باي الغرب مصطفى بوشلاغم يُجهّزُ جيشا لأجل تحرير وهران من الإسبان، عاود السُّلطان إسماعيل زحفه المقدّس وهاجم الجزائر، وحتّى يُموّه على جيشه وعلى الجزائريين ادّعى أنّه يقصد الإسبان الذين يحتلّون مدينة وهران، ويهدفُ إلى تحريرها من قبضتهم، رغم أنّه كان بإمكانه أن يُحرّر سبتة ومليلية فهي الأقرب إليه، والأقربون أولى بالمعروف؟

ثمّ أظهر مولاي إسماعيل عجزه عن تحرير المدينة، وزحف نحو مرسى أرزيو فتصدى له الباي مصطفى بوشلاغم وطارده الجزائريون إلى أن أدركوه في موضع يُعرف بالزبوجة، وذلك بسبب كثرة أشجار الزيتون التي يُسمى خشبها وأغصانها في الدّارجة الجزائرية إلى الآن بـ”الزبوجة”، وفي ذلك المكان مزّقوا قواته وشتّتوا شمله، وامتلأ الموضع بدماء جيش عبيد البخاري، وتكدّست الجُثت في كلّ مكان، وفرّ المولى إسماعيل الذي يستحقّ لقب “السلطان الهارب” أو “سلطان الهزائم” فقد حطّم رقما قياسيا في عدد الهزائم التي لم يتعلّم منها قداسة الأرض بالنسبة للجزائريين وأنّ الخيانة والتآمر مع الإسبان والفرنسيين وبعض خونة الدّاخل لن تُفيده شيئا، فظلّ يكرّر نفس الخطأ، ويصل إلى نفس النتيجة.

ولا يزال إلى اليوم من يحلمُ بتحقيق مشروع “مولاه إسماعيل” ويُنادي بالزحف المُقدّس، وما الرّيسوني عنكم ببعيد.

وبسبب شُهرة معركة الزبوجة، صار الأهالي يسمّون تلك الغابة “الغابة التي انهزم فيها مولاي إسماعيل”، ولا يزال اسمها كذلك إلى الآن، وقد أطلعني بعض سكان قرية “غابة مولاي إسماعيل” عن مقبرة قديمة جدا، دُفن فيها جيشُ المخزن وعبيد البخاري، لتبقى الجزائر دوما مقبرة للغزاة والمعتدين، والخونة والمتربصين.

وبعد سنة من هذه الموقعة الشهيرة، قاد الباي بوشلاغم جيوش الجزائريين نحو قلعة وهران، وتمكّن من تحريرها سنة 1708م، وكان ذلك هو التحرير الأوّل، وشارك في حملته آلاف المتطوّعين من علماء وطلبة مستغانم ومعسكر ومازونة وغيرهم من الجزائريين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!