غزة بحاجة إلى انتفاضةٍ ثالثة
تخوض المقاومة الفلسطينية هذه الأيام معركة كرامة جديدة في غزة نيَّابة عن الأمة الإسلامية كافة.
ومع أن المقاومة تبلي بلاءً حسناً وتواجه الآلة العسكرية الصهيونية الجبارة بالكثير من الثبات والصبر، كما فعلت خلال حربي 2008 و2012، فإنها في الواقع تتجشم الكثير من الدمار والخسائر في معركة قاسية غير متكافئة، وهي بحاجة إلى دعم ونصرة، ولو على شكل انتفاضة حجارة ثالثة في الضفة الغربية.
العدو الصهيوني لا يخشى حرباً ثالثة على غزة حتى وإن تلقت مدنه ومستوطناته مئاتِ الصواريخ يومياً؛ فقد أثبتت الأحداث محدوديتها في إحداث خسائر بشرية ومادية لدى الجانب الصهيوني، وكل ما تستطيع فعله هو تعطيل الحياة العامة وإجبار المستوطنين على العيش في ملاجئ بضعة أيام، وهذه المسألة لا تقلق الاحتلال كثيراً لأنه يعلم أن الحرب في جميع الأحوال لن تطول وستتوقف بموجب وساطات إقليمية ودولية.
العدوّ يخشى في الواقع انتفاضة شعبية ثالثة في الضفة تدوم سنوات، وتُنهي الهدوء الذي ينعم به جنودُه ومستوطنوه هناك وتحوّل حياتهم إلى جحيم، تماماً مثلما فعلت الانتفاضتان الأولى والثانية.
الانتفاضة الأولى اندلعت في 7 ديسمبر 1987 ودامت 6 سنوات، وزلزلت العدو وأقضت مضاجعه، لكنها انتهت بموجب اتفاق أوسلو في 1993 الذي جاء بالسلطة الفلسطينية برئاسة عرفات، إذ أوقف الانتفاضة بذريعة فسح المجال للمفاوضات لتحويل اتفاق”غزة أريحا أولاً” إلى اتفاق نهائي يسمح بقيام دولة فلسطينية على حدود 4 جوان 1967 وحل قضايا اللاجئين والقدس والمياه… ولكن المفاوضات طالت وأدرك عرفات في أوت 2000 وهو يفاوض باراك في كامب ديفيد أن الصهاينة يريدون الحصول كل شيء دون أن يقدموا أي تنازل جدي، فوضع حدا لهذا المسار التفاوضي العبثي وعاد إلى رام الله وأشعل الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000 وعاد إلى صفوف المقاومة، وبقي ثابتاً على موقفه إلى أن استشهد في نوفمبر 2004.
وللأسف جاء بعده عبّاس وأوقف الانتفاضة الثانية، وأعلن أن “السلام” هو “خياره الاستراتيجي الوحيد” وتعهّد للصهاينة بمنع قيام انتفاضة ثالثة وتكفل بقمعها، وهو ما قامت به شرطته اتجاه الكثير من المظاهرات في الضفة، والتي قام بعضُها لنصرة غزة في حربيها السابقتين.
ومع أن المفاوضات آلت إلى فشل ذريع منذ أسابيع قليلة، إلا أن عباساً لا يبدو متحمساً لإنهاء هذا المسار العبثي والعودة إلى المقاومة عبر تفجير انتفاضة ثالثة في الضفة لنصرة غزة ولو قتل الصهاينة الآلاف من أهلها بالصواريخ والقنابل، وبالعكس، فقد بعث عباس بعض مقربيه إلى الأحياء الساخنة في القدس لمطالبة الشبان المتظاهرين الغاضبين من حرق أبو خضير حيا، بـ”الهدوء” وإيقاف المظاهرات.
غزة تعرف أنه لم يعد هناك أدنى أمل في نصرة العرب لها، فقد “ماتوا” منذ زمن، ولا يُنتظر منهم خير، وهي تراهن فقط على دعم شعبي قوي من الضفة عبر قيام انتفاضة ثالثة رغماً عن عباس والصهاينة، تزلزل الأرض تحت أقدام العدوّ مجدداً كما حدث في انتفاضتي 1987 و2000. لقد بدأت بوادر هذه الانتفاضة في شعفاط بالقدس وامتدت إلى الخليل وأحياء أخرى في الضفة قبل يومين، ونرجوا أن تتوسّع لتشمل كل أراضي الضفة وأن لا يقف عباس وشرطته في طريقها، وإلا فإنه سيخاطر بتحويلها إلى “ربيع فلسطيني” يقتلع جذور السلطة قبل أن يتفرّغ للاحتلال.