-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرص الديمقراطية لاستبداد القلة بالثروة

حبيب راشدين
  • 2285
  • 5
فرص الديمقراطية لاستبداد القلة بالثروة

في أعقاب الانهيار العظيم للاقتصاد العالمي سنة 1929، صدر أفضل تقييم لأصول أزمة النظام الرأسمالي على لسان لويس برينديس (قاضي بالمحكمة العليا الأمريكية) يقول: “باستطاعتنا امتلاك الديمقراطية، أو تركيز الثروة بأيدي القلة، لكن حتما يمتنع الجمع بينهما”.

أحد كتاب الرأي بواشنطن بوست: شتاين رينغن (أستاذ بجامعة أوكسفورد)بشر الغرب منذ يومين”بقرب انطفاء شعلة الديموقراطية بموطن النشأة” بسبب “استحالة التوفيق بين استمرار الديمقراطية، وتعاظم تجميع الثروة بيد القلة”، وقد أحال القارئ إلى ذات الأسباب التي انتكست بالديمقراطية الإغريقية الأولى، التي سقطت وتفككت حين استبدت القلة بالثروة.

القاضي والأستاذ الجامعي لم يذهبا بهذا الاستنتاج إلى مآله المنطقي، وهو أن النظام الديمقراطي، لم يحم الديموقراطية ـ لا في طبعتها الإغريقية الأولى ولا في نسخها الغربية الحديثة ـ من نشوء استبداد مستدام للقلة بالثروة، إن لم تشكل الديموقراطية في الواقع دمنة خصبة يتغذى منها الاستبداد بالثروة.

ما بين التجربتين أكثر من ألفي عام، استعاد خلالهما الاستبداد سلطان الحكم وسلطان الثروة، بما قد يبشر بالضرورة بحقبة قادمة، سيستعيد خلالها سلطانه المزدوج على إدارة توزيع ريع الحكم وريع المال لصالح القلة، بعد أن تهزم جيوب الممانعة، وتفكك آخر معاقل المقاومة عند الشعوب، لتدشن ألفية استبداد “العقب الحديدي” كما وصف الأديب جاك لندن عصابة “الأوليغارك” من الصيارفة وأرباب المال.

الشعوب الوافدة من مجرة الاستبداد المزدوج، مثل شعوبنا العربية، تكون قد التحقت بقطار الديمقراطية من العربة الخطأ، في التوقيت الخطأ، بعد أن كانت “القلة” قد أحكمت استبدادها بالثروة، حتى أنها لم تُقبل على فتح المسارات التعددية إلا حين أيقنت أن الديمقراطية تمنح لها فرصة التمكين الآمن للاستبداد المطلق بالثروة.

فالضعف الذي ظهر على الحكومات المتعاقبة منذ بداية التعددية السياسية في الجزائر، وفي كثير من دول العالم الثالث، كان مؤشرا قويا على أن مؤسسات الحكم كانت وستبقى مسخرة حصريا لضمان تركيز الثروة بأيدي صفوة مجتمع القلة، حتى أن أعظم الثروات والإمبراطوريات المالية، إنما نشأت ونمت بوتائر هندسية في زمن التعددية، وأنه ما كان لأمثال خليفة وربراب، ولا لزمرة الذئاب المفترسة للمال العام، أن يزدهر سوقهم في أسوأ أيام الحزب الواحد، كما ازدهر في زمن التعددية.

ولأجل ذلك أراني أعجب لمن يصر على الترويج لخرافة التمكين للتوزيع العادل للثروة عبر هذه الديمقراطية النافقة، التي تمنح للقلة أفضل الفرص للسطو على الثروة تحت شعار كاذب اسمه: “حكم الشعب بالشعب للشعب”. ولمن أراد قطع الشك باليقين، نحيله إلى سخاء الحكومات الديمقراطية لفائدة الزمرة من المضاربين والمرابين، بضخ أكثر من 4000 مليار دولارفي أعقاب انفجار الأزمة المالية سنة 2008، فيما “أنعمت” على مواطنيها بقوانين فاشية مثل “الباتريوت آكت” أو أحيله إلى خلاصة مقال الأستاذ رينغن: “إن الإجحاف الحاصل في توزيع الثروة قد تعزز بلا مساواة في السياسة، مع حكومات فاقدة للقوة والسلطة أمام سلطان استبداد القلة بالثروة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • محمد ب

    أرجو ألا تنفر من كلامي.إن الاستبداد أساسه شرذمة ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين أي الذين خضعوا لحكام لم ‏يحضوا من المعرفة ما يسمح بتسيير وطن استعبد أكثر من قرن.ثم جاءت مرحلة البناء ففتحت المدرسة بمعلمين ‏ليس لهم من المعرفة إلا ما يتلونه من الكتب الرخيصة.لكن لو ارتكز هؤلاء على الجد والمثابرة لتمكنوا من تهيئة ‏جيل يفرق بين الحق والباطل لكنهم مالوا إلى التزوير والغش والحصول على المال الحرام فكونوا بشرا يكره ‏العمل ويمقت العلم ويتخذ ممن فازوا بثروات السرقة نموذجا للحيلة وخضعوا للصوص للوصول إلى مآربهم. ‏

  • احسن

    يا استاذ صحيح أن النظام الديمقراطي تعتريه الكثير من الإختلالات الجوهرية لكنه يبقى نسبيا أفضل من الإستبداد الذي تعاني منه مجتمعاتنا .وشكرا على موضوعاتك الثرية.

  • sociologue

    أريد أن اقول لك وجهة نظري.مشكل الجزائر هو الحرب الباردة القائمة اليوم بين الروس و الغرب. وزير خارجية روسيا حذر الجزائر من تونس من المخطط الغربي. وهناك سياسيون يريدون أحضان أمريكا..هنا أصل المشكل بين الساسة و الجيش. أرجوا أن تكتب حول موضوع الحرب الباردة وعلاقة الغاز اللذي هو ورقة رابحة في يد الروس. ولهذا الجزائر وقطر هم في صلب المعركة. من جهة الغرب لإضعاف الورقة الرابحة ومن جهة رسيا لعدم ترك مجال للإطاحة بها.

  • Youcef

    Il faut que l'origine du mal (la propriété privée) soit complètement bannie, et si c'est possible aussi éliminer beaucoup des institutions étatiques d'oppression. Donc, retour à une ancienne forme de gouvernance humaine sociale et coopérative. Sinon, je ne vois aucune autre issue avec l'existence du mal original.

  • صالح / قسنطينة / الج

    ان ما يحمي الاسلام والعلمانية معاً هو اعتماد النظام الديمقراطي، وأن ما يحمي الديمقراطية من التحوّل إلى أداة للاستبداد باسم الدين او العلمانية هو دستور متوافق عليه سياسياً وشعبياً وليس منزّلاً من فوق، ومؤسسات تشريعية وقضاء لا تتلاعب فيهما السلطات الأمنية والعسكرية والتنفيذية، وخضوع المؤسسة العسكرية للدولة ومؤسساتها لا الحاقها بها، ومنع تحويل الأغلبية الديمقراطية الى دكتاتورية تحت أي عنوان