فرنسا خذلت الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي
كشف علي هارون، عضو المجلس الأعلى للدولة عن خبايا واحدة من أصعب وأعقد الفترات التي عاشتها الدولة الجزائرية الحديثة، وهي سنة 1991 التي شهدت فيها البلاد عزلة دولية غير مسبوقة، على خلفية قرار وقف مسار الانتخابات التشريعية، التي كانت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أبوب انتصار كاسح.
-
علي هارون وفي كتاب جديد تحت عنوان “التوضيح حول التخوفات من ترقية حقوق الإنسان (1991 ـ 1992)”، عرض بشيء من التفصيل المساعي التي قام بها كوزير لحقوق الإنسان في بداية التسعينيات، من أجل فك العزلة التي كانت تعيشها البلاد، وسجّل صاحب الكتاب، الصعوبة الكبيرة التي واجهها في مد الجسور مع السلطات الفرنسية، في عهد الرئيس الراحل، فرانسوا ميتران.
-
يقول علي هارون في كتابه “يوم السبت 20 جويلية، وعلى الساعة الـثالثة مساء استقبلني السيد جيل ميناج، رئيس ديوان الرئيس فرانسوا ميتران”، غير أن الكاتب يثير جانبا مهما في هذه الزيارة، وهي أنها لم تكن رسمية، بقدر ما كانت مبادرة شخصية من أحد أعضاء ديوان الرئيس الفرنسي الأسبق، لاعتبارات خاصة، كون صاحب المبادرة من أصول جزائرية.
-
ويعرض صاحب الكتاب مقاربة بسيطة بين الموقفين الإسباني والفرنسي من السلطة التي جاءت بعد استقالة الرئيس الأسبق، الشاذلي بن جديد، فيعتبر الموقف الإسباني الأكثر تفهما لموقف السلطة الجديدة، ممثلة في المجلس الأعلى للدولة (1992 ـ 1994)، مقارنة بالموقف الفرنسي الذي كان أكثر تشددا، جسده الانتقاد الشديد للرئيس ميتران لوقف المسار الانتخابي.
-
وفي هذا الصدد، يقول صاحب الكتاب، إن الزيارة التي أداها لمدريد كانت بدعوة رسمية من وزارة الشؤون الخارجية عبر سفير إسبانيا بالجزائر، كوند دوسارو، وتجسدت الحفاوة بنزوله في إقامة وزير الخارجية، فرانسيسكو فيرنانديز أوردوناز، الذي استقبله قبل سفره لحضور القمة الإيبيرية ـ الأمريكية بمدينة غوادلاخارا، بالمكسيك، وهو ما مكن، حسب علي هارون، من استثمار الزيارة في تحسين العلاقات الثنائية، عكس الزيارة لفرنسا التي كانت بمبادرة معزولة من مسؤول (رئيس ديوان ميتران) يريد مساعدة دولة يشده إليها حنين آبائه وأجداده.
-
ويقول عضو فدرالية جبهة التحرير بفرنسا إن المسؤولين الإسبان كانوا منشغلين كثيرا بالوضع الداخلي للجزائر في ظل حالة الحصار، وتجسد ذلك من خلال الأسئلة التي طرحت على الوفد الجزائري، والتي تركزت حول: درجة تحرر الحكومة من المؤسسة العسكرية، وكيف يمكن التوفيق بين وضع يرزح تحت حالة الحصار ووزارة حقوق الإنسان؟ والموقف والأهمية الفعلية للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وآفاق الديمقراطية في الجزائر.
-
ورد على هذه التساؤلات، قال علي هارون إنه أوضح لوزير الخارجية الإسباني، إن المؤسسة العسكرية في الجزائر تشكل عاملا فاعلا في حماية المسار الديمقراطي الذي باشرته البلاد، مشددا على ضرورة استقرار الجزائر كشرط لتأمين استقرار الحوض الغربي للبحر المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية.
-
وبالعودة إلى الموقف الفرنسي، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة سابقا، إن رئيس ديوان الرئيس ميتران وجه إليه ذات الأسئلة التي وجهها إليه المسؤولون الإسبان، مع أسئلة إضافية هي: كيف يمكننا مساعدتكم؟ ماذا يجب علينا فعله من أجل حماية الديمقراطية في جنوب المتوسط؟
-
ويعترف علي هارون بأنه لم يأمل من وراء أسئلة المسؤول الفرنسي الكثير، وأن زيارته لباريس لم يكن لها أثر، ويرجع ذلك إلى الموقف الحاسم الذي صدر عن الرئيس متيران غداة وقف المسار الانتخابي في 26 ديسمبر 1991، والذي اعتبره “انتهاكا للديمقراطية”، فضلا عن الأخبار السيئة التي تتواتر لدى المسؤولين الفرنسيين عن الجزائر.
-
ورغم فشل زيارته الأولى التي كانت في 20 جويلية، قرر علي هارون العودة ثانية في الرابع سبتمبر، على أمل إقناع المسؤولين الفرنسيين في تغيير موقفهم مما يجري في الجزائر، فطلب مقابلة أحد مستشاري ديوان الرئيس ميتران، وهو بيار ميتي، فرنسي من أصل جزائري (ولد ببرج الكيفان بالعاصمة وكان والده رئيسا لهذه البلدية حتى 1962)، كان مكلفا بشؤون المسلمين في فرنسا، غير أن المساعدة التي عرضها المسؤول الفرنسي لم ترق إلى المستوى السياسي واقتصرت على المساعدة في مجال قطاع المياه(؟).
-
الحصار الأوروبي امتد حتى لدولة صغيرة بحجم بلجيكا، التي رفضت بدورها تخصيص استقبال رسمي لوزير حقوق الإنسان، فرغم الجهود التي بذلت على هذا المستوى، إلا أن علي هارون لم يتمكن سوى من مقابلة نائب الوزير الأول البلجيكي، فيليب مورو، في منزله بتاريخ 8 سبتمبر 1991، غير أن اللافت في هذه المقابلة هو أنها كانت “غير رسمية”، ولاعتبارات خاصة، على اعتبار أن المسؤول البلجيكي، كان من أصدقاء الثورة الجزائرية، وشقيقه كان من بين مؤسسي هيئة المحامين البلجيكيين المدافعين عن جبهة التحرير.
-
وتكشف شهادات وزير حقوق الانسان في 1991 – 1992، عن حجم العزلة الدولية التي كانت تعيشها البلاد غداة وقف المسار الانتخابي مطلع جانفي 1992، وإلقاء ما يقارب 20 ألف جزائري ممن اتهموا بالانتماء للجبهة الإسلامية للإنقاذ في ذلك الوقت، في محتشدات بالجنوب، مواقف لازالت تداعياتها ماثلة إلى غاية اليوم في ما عرف بـ”المأساة الوطنية”، التي عالجت الحكومة جوانب منها بقانوني الوئام المدني والمصالحة الوطنية.