-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في الجزائر.. الجهاتُ كلّها جنوب!

مصطفى فرحات
  • 3897
  • 7
في الجزائر.. الجهاتُ كلّها جنوب!

“الحراك الجنوبي” في الجزائر ـ كما يحلو لبعض المتابعين تسميته ـ لم يكن حدثا مفاجئا برز إلى الوجود من العدم، فحجم الإخفاقات الكبيرة في التسيير السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ولّدت أكثر من بركان مستعد للانفجار في أي لحظة، في مختلف ربوع الوطن.

وبدل تسيير عقلاني وخطوات عملية لاحتواء غضب الغاضبين، وهو غضب مشروعٌ يكاد يصل إلى درجة “الوجوب”، تتفنن السلطات في ممارسة هوايتها المفضلة: “الإدارة بالأزمات” وليس “إدارة الأزمات”، وهو ما سيفتح أكثر من جبهة قد تجعل الخرق يتّسع على كل ترقيع.

راهن كثيرون منذ “ثورة الياسمين” التونسية على هبوب عواصف التغيير في الجزائر، فبعد هروب زين العابدين بن علي، اشرأبّت الأعناق صوب الجزائر التي شهدت احتجاجات سرعان ما تم الالتفاف عليها، وسميت حينها ـ تسفيها ـ “احتجاجات الزيت والسكر”، لكنّ الرياح توّجهت شرقا إلى أرض الكنانة، ثم غرّبت في ليبيا، فالمغرب، وشرقت مرة أخرى في اليمن وسوريا، وهي في كل محطة تعصف بالأنظمة، لكنها لم ترسُ بعد على أساس متين يقيم دعائم الدول التي يتطلّع أهلها إلى الكرامة والحرية.

التغيير في الجزائر على إيقاع الربيع العربي أمرٌ استُبعد حدوثه بسبب عمق المأساة المتجذّرة في وعي الجزائريين ـ ولاوعيهم ـ حول مشكلات انفلات الأمن ورجوع الجزائر إلى دوامة العنف، وتجارب ليبيا (حرب خارجية) وسوريا (حرب أهلية) جاءت لتزيد تأكيد هذه المخاوف، وهذا ما تُدركه السلطة جيدا لهذا تنتهج خطة إصلاح بالقطرة، وقد لا يكون لها من الإصلاح إلا الاسم.

عندما أحس النظام الجزائري بقرب العاصفة، تدخّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأكد للجزائريين بداية عهد إصلاحات جديد، وربط المسؤولون بين الانتخابات التشريعية وبين المحطات الحاسمة في تاريخ الجزائر: ثورة نوفمبر 1954 واستفتاء تقرير المصير في مارس 1962، وأفهموا الشعب أن إدارة الظهر للمشهد الانتخابي (عزوفا ومقاطعة) تعني تحطيم الوطن. وتم إيهام الرأي العام أن كل دعوات التغيير مفادها التآمر ضد الجزائر وإرجاعها عقودا إلى الوراء.

تَوجَّس النظام من فضائيات كان بإمكانه تأسيس عشرات مثلها، وبدل فتح نقاش وطني صريح تساهم فيه كل أطياف المجتمع، فُتح الباب أمام مشاورات شكلية لم تقُد إلى أي حلول عملية، أثناء ذلك حاول النظام استدراك موقفه من “ربيع” الجيران، فاستدعى الشيخ راشد الغنوشي ووزراء المغرب الإسلاميين، وطبّع علاقاته مع المجلس الانتقالي الليبي، وتم الحديث عن بعث مشروع الاتحاد المغاربي، وقد أوحت السفريات الكثيرة للوزراء الجزائريين إلى المغرب والعكس بوجود أرضية مشتركة تؤسس لانطلاقة جديدة. وفُتح المجال أمام تجديد العناوين الحزبية التي تكاثرت كالفطريات، وقد منّى الإسلاميون أنفسهم بالاستفادة من رياح التغيير، فتجمعوا في “تكتّل أخضر” كان حصاده هشيما، لأن قادة المشروع الإسلامي السياسي أنفسهم “كهشيم المُحتظِر”، لم تكن السلطة جادّة فيما تقوم به، بل كانت تسعى لتأجيل فصل الربيع والانحناء أمام العاصفة لحين مرورها لا غير.

قدّمت الانتخابات التشريعية دليلا قاطعا على أن النظام غير جاد في الإصلاح، وجاءت نتيجة الانتخابات التي كرّست الوضع القائم بتمكين أكثر لأحزاب الريع التي تقتات على الإرث الوطني، لتؤكد أن الجزائر تسير عكس التيار، حيث تقود السلطة ربيعها ضد الشعب، وليس العكس.

بروز شبح القاعدة في الساحل بشكل كبير ثم الاستيلاء على شمال مالي، والانفلات الأمني على الحدود الليبية بعدما استفاد المسلحون من أسلحة ثقيلة، وضعف دول الساحل في مواجهة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، جعل العالم الغربي يصل إلى قناعة مفادها أن الاستقرار في الجزائر مهم للمنطقة كلها، بما فيها أوروبا، فلو تلاشت الجزائر فإن خطر الإرهاب سيطال شمال المتوسط والمصالح الغربية في دول الساحل بسهولة أكبر، كانت تلك الصفقةَ مقابل تزكية المجموعة الدولية كلها للانتخابات الجزائرية التي يُدرك الجزائريون أنفسهم أنها فاقدة للمصداقية ولا تمثّلهم، وعززت الأزمة الاقتصادية موقف الجزائر التي بدأت تعقد الصفقات الكبيرة مع فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتُقرض صندوق النقد الدولي، وبدا وكأن العاصفة مرّت على “الجزائر المحروسة” بسلام.

لو أردنا أن نعمل جردا لقائمة الفشل في التسيير الداخلي والخارجي، لرصدنا جملة من الإخفاقات المتكررة في إدارة السياسة الخارجية مثل تصريحات مدلسي حول الهوية الفرنسية للجزائريين وأداء الدبلوماسية الهش والمتناقض أمام الحراك العربي، والإخفاقات الداخلية في مواجهة المطالب الاجتماعية مثل تصريحات سلال حول “شرذمة” المحتجين في الجنوب ثم براءته منها، والإخفاق في تسيير الملف الأمني الذي أدى إلى ضرب الجزائر في قلبها النابض في (تيڤنتورين) والفشل في حماية دبلوماسييها الذين كانوا على خط تماس مع جماعات إرهابية تجاهر بعدائها للجزائر، والإخفاق في التواصل مع الشعب حول اتخاذ قرارات مصيرية تؤثر على الأمن القومي مثل فتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية (ويعرف الجزائريون ذلك عن طريق الفرنسيين!)، ثم الفشل في الحفاظ على الأمن الحضري وانتشار ذئاب بشرية تنتهك أعراض الأطفال وتُزهق أرواحهم، وبروز فضائح المسؤولين الجزائريين الذين ينهبون ثروات الجزائر ولا تجرؤ السلطات على محاسبتهم وردعهم، والإخفاق في احتواء انفجار الجبهة الاجتماعية التي تشهد احتجاجات يومية في مختلف الأسلاك الوظيفية بما فيها قوات الدفاع الذاتي! ثم الفشل في التنمية رغم الوضع المالي المريح، هذا دون أن ننسى الفشل ـ إلى حد الآن ـ في اعتماد إصلاح داخلي جدّي يقود إلى انتقال آمن للسلطة لا يمس بمؤسسات الدولة ويُجنّب الجزائر عشرية حمراء أخرى، وهاهو فشل آخر أخطر يأتينا تحت عباءة الجهوية: جنوبا وشمالا، بما يهدد وحدتنا الوطنية المقدّسة!

أمام السلطة الآن خياران: أن تحتوي الأزمة الفتيّة بتجسيد تنمية حقيقية في جميع مناطق الجزائر، وتعتمد الشفافية مبدأ في التسيير، وتستمع لنبض الشارع، أو أن تحاول الالتفاف على الأزمة لربح الوقت وتجعل من قضية الجنوب مجرد نسخة طبق الأصل عن “أزمة العروش” في مطلع الألفية الثالثة، وتخلق “عبريكا” جديدا وأجنحة متصارعة تدفع الجزائريين جميعا إلى الكفر بكل تغيير سلمي ممكن.

هذا ما جعل شباب الجنوب يثورون ويحتجون، ومعهم كل قلب نابض في شمال الجزائر وشرقها وغربها، فالجزائر على وقع التهميش والإقصاء وفقدان التنمية الجادة واحترام الشعب والتلاعب بثرواته والتسلط عليه والتعامل معه كقاصر لا يُحسن التدبير لنفسه: كلّها جنوب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • jamal kadi

    كلام جميل اردت به التعميم بمعنى انكم لستم وحدكم لست وحدكم الا انك جانبت الحقيقة في عنوانك انا اقول لك لا يوجد الا جنوب واحد يعاني الويلات والتهيش والاهمال هذا ما اريدك استاذي الكلام عليه

  • غريب

    الشعب المتقف يمكن ان تفهره لزمن أما استعباده مستحيل.1كم عندنا من رجال الثفافة )مبدعون .ناشرون مشرفون .مقيمون .ومقومون .مستقبلون)2.حين نجيب عن السؤال ندرك اننا بحاجة الى مؤسسات لصنع هؤلاء الرجال .3وماهى الوسائل الازمة4.كم يلزمنا من الوقت5. وماهى التكلفة اللتى سندفعها..مع هؤلاء الرجال سنعرف ماهو التغير المنشود وكيف يسيروماهو الهدف منه وبدونهم كمن يحاول ان يجنى من ا لشوك العنب

  • بدون اسم

    ليس هناك جديد في هذا المقال وإنما هوتكرار لكلام سمعناه من كتاب عدة هم أكبر منك سنا وخبرةوتجربة. لكن في هذا الزمان كامل وليتو فاهمين . المشكل واحد في الجزائر وفيغيرها وهو الرجال المخلصون والصادقون، هذا الذي ينقصنا ولسنا بحاجة إلى كثرة الكلام أو إلى كتابات يسترزق أصحابها منها ويشتهرون بها ينتهي عندهم هم الأمة بنشر مقالاتهم.

  • مراد

    لقد اصبت استاذنا الكريم وسوف اؤكد لك شيئا اخر هو انه بعد تعافي الأزمة المالية العالمية سيأتي الدور على الجزائر وذلك بضرب منشأتها البترولية كلها واحدة واحدة مع ضهور الفوضى في الشمال والجنوب والانفلات الامني بين الحدود مع ليبيا من جديد وموريطانيا والنيجر سوف يختل امنه كما اختل في مالي وسيشتد النزاع الى حرب بين المغرب التي تتقوى بدول الخليج يوما بعد يومن والجزائر على واقع العمل .كل هذا في اقل من 7سنوات اتية اللهم احقض الشعب يا الله ..............

  • عبد العزيز بوحقيقة

    نعم الشعب في الجنوب يريد اﻹنفصال .... لكن أنتظر... عن من؟ الشعب يريد الانفاص عن جنرالات الموت و عن الفساد و عن إدارة الدينصورات التي أفلست البلد .. يا ناس 99% صدارات من البتورل ..هذه كارثة.. بل مصيبة المصائب.. يا ناس استفيقوا من نومكم...يا ناس أستفيقوا من نومكم. البلد في كارثة ...و من كارثة إلى كارثة بسبب هؤلاء اللصوص المجرمين من العسكر.

  • souiad

    شكرا الاستاد مصطفى بهتمامك بهدا الموضوع الهام جدا واللدي يستحق الالتفاف اليه وياريت لو تعمل جريدة الشروق وقناة الشروق فضاء حيوي في مناقشة هده المواضيع التي تهم أمنا الجزائر وأتوقع أن يكون هناك مع تبادل الافكار والمواضيع تأنيب الضمير خاصة المثقفين فتصحى النفوس وكل واحد يعرف قيمتو واش تسوى هناك لابد النضام ينضر الى هادا الفضاء بعينين لا بواحدة وينتبه الى نفسه المتهالك ليقول حان الوقت لنقول الحقيقة الى شعبنا العزيز اللدي كدبنا عليه مند الاستقال الى اليوم فيستحي من نفسه ...قولو شيئا

  • بدون اسم

    حسن و نشجعك على افجتهاد أكثر لقول الحق و توعية الشعب الذي مل الإنتظار و الوعود الكاذبة و تكميم الأفواه بالقمع و المذابح و الأختطافات