-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في انفصال الفكر العربي عن فضائه التصحيحي

في انفصال الفكر العربي عن فضائه التصحيحي

ثمة فارق جوهري، كثيراً ما يمرّ دون أن تتوقف عنده الدراسات السوسيولوجية بما يستحقه من تأمل، بين امتلاك القدرة على السؤال وامتلاك القدرة على الإجابة، إذ ليسا ملكةً واحدة تسكن في عقل واحد بالضرورة، بل كثيراً ما يتوزعان على مشربَين فكريَّين لا يلتقيان إلا في ساحة الاشتباك الحضاري. فالسؤال المعمَّق فعلٌ معرفي يقتضي جرأةً على خلخلة اليقينيات المستقرة، وشجاعةً على الوقوف أمام المناطق الغامضة دون أن يُصاب العقل بالدوار أو يلجأ إلى الهروب نحو إجابة مريحة، في حين أن الإجابة الموضوعية تقتضي شيئاً مغايراً تماماً: تقتضي التجرّد من الأهواء، وتعليق الميول، وإخضاع الذات لسلطة ما هو أكبر منها، أعني سلطة الواقع والدليل والمنطق الذي لا يُساوم. وما يكشف عنه المشهد الفكري في الفضاء العربي المعاصر هو أن هذين الشرطين نادراً ما يجتمعان في التجربة الواحدة، وأن الانفصال بينهما ليس حادثةً عارضة بل بنيةً راسخة تعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الفكر والواقع.

يتمتع العلمانيون في الغالب بقدرة لافتة على صياغة الأسئلة الجذرية، أسئلة تمس الأسس لا الفروع، وتجرؤ على النبش في المسكوت عنه واستدعاء المهمَّش من تخوم الخطاب الرسمي. وهذه القدرة لا تُنكَر ولا ينبغي الاستهانة بها سوسيولوجياً، لأن ثقافةً لا تنجب أسئلتها بنفسها محكوم عليها أن تستعير أسئلة الآخرين فتقع في التبعية المزدوجة: تبعية العقل وتبعية المصطلح. غير أن ما يعتري الإجابة عند هؤلاء كثيراً ما يُفسد ذلك البناء الرصين الذي أقامه السؤال: إذ تتسلل الذاتية من نوافذ الموقف الأيديولوجي، وتُلوّن الإجابةَ بسابق القناعة لا بلاحق الدليل، فيصبح السؤال أداةً للتأكيد لا للاستكشاف، ومدخلاً لإثبات ما تمّ الاقتناع به قبل أن تبدأ رحلة البحث. وهنا تكمن المفارقة الحادة: الذاتية التي ظنّ أصحابها أنهم تجاوزوها حين تخلّوا عن المرجعية الدينية لم تتراجع بل انكمشت إلى داخلهم وأخذت طابعاً أكثر خفاءً وأشد استعصاءً على النقد، لأنها ذاتية تتشح بأثواب العقلانية وتتكلم بلسان الحداثة.

في المقابل، يعيش كثير من المتدينين في حالة من الاطمئنان المعرفي المبكر، حالة يُؤتى فيها بالإجابة قبل أن يُطرح السؤال، وتُقدَّم النتيجة في غياب المسار الذي يُضفي عليها معناها ويُسبغ عليها سلطتها التدليلية. وهذا لا يعني أن الإجابات الدينية خاطئة في جوهرها، لكنه يعني أن إجابةً لم تمرّ بنار السؤال الحقيقي تفقد نضجها الداخلي، وتصبح قشرةً فارغة من الوزن الاستدلالي حتى لو كانت صحيحة في مضمونها. فالتدين الذي يُتقن الإجابة ولا يُحسن السؤال يُنتج نمطاً من الوعي المغلق الذي يُبصر الخاتمة ولا يُدرك الطريق، ومن المفارقات العميقة أن هذا النمط بالذات هو ما يجعل صاحبه عاجزاً عن مواجهة السؤال حين يُطرح عليه من الخارج، فيلجأ إلى الدفاع العاطفي أو الإسكات السلطوي بدلاً من المجابهة الفكرية الهادئة.

هذا التوزيع غير المتوازن بين ملكتَي السؤال والإجابة ليس بنيةً نفسية فردية بقدر ما هو ظاهرة سوسيولوجية ذات جذور في التربة التاريخية والسياسية لمجتمعات اتسم فضاؤها العام بالضيق والرقابة والإقصاء. فالفضاء العام ليس ساحةً جغرافية أو منصةً إعلامية فحسب، بل هو المختبر الاجتماعي الذي تُختبر فيه الأفكار وتُقاس بمقياس الواقع وتُعرَّض للنقد ولتجربة التطبيق ولحكم الوقائع الصارم. وحين تغيب هذه الساحة أو تُصادَر أو تُحوَّل إلى فضاء للأداء والاستعراض لا للمساءلة والاختبار الحقيقي، يبقى عالم الأفكار معلقاً في فراغ أنيق لا يُطاله الإفساد ولا ينبته التصحيح، فتتكاثر النظريات الباهرة وتتعدد الخطابات الرنانة بينما يمضي الواقع في مسار موازٍ لا يلتقي بها إلا التقاءً عرضياً يُفضي في الغالب إلى خيبة مزدوجة.

إن الانفصال المعرفي الذي يسم الفكر العربي في حركته وديناميكيته ليس في جوهره انفصالاً عقلياً، أي ليس قصوراً في قوة التجريد أو ضعفاً في الملكة التحليلية، بل هو انفصال بنيوي تصنعه القيود السياسية حين تُحاصر مناطق بعينها ولا تُتيح للأفكار أن تُبلّل أحذيتها في طين الواقع. فالفكر الذي لا يُختبر لا يتطور لأن التطور لا يأتي من التراكم الكمّي للمفاهيم بل من التصادم النوعي بين الفكرة والتجربة، ومن تلك اللحظة المؤلمة حين يُفيق المفكر على أن منظومته الجميلة تتصدع أمام واقعة واحدة لم يحتسب لها. هذه اللحظة، التي هي في عمقها لحظة نضج معرفي وتجديد حقيقي، لا تُولَد إلا في فضاء عام حرّ، فضاء تتنافس فيه الأفكار على مقياس الفعالية لا على مقياس الانتساب، وتُصحَّح فيه الأطروحات بقوة الحجة لا بسلطة المؤسسة.

وإذا كانت الموضوعية هي الأفق الذي يجب أن تسعى إليه كل إجابة صادقة، فإنها لا تتحقق في شرط الفراغ الاجتماعي بل تتحقق في شرط الضغط النقدي المتبادل، في الجدال المنهجي، في مواجهة الاعتراض بدل تجنّبه، في القبول بإمكانية الخطأ قبل البدء في البحث عن الصواب. وهذه الشروط جميعاً مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بوجود مجال عام يتسع للتعددية الحقيقية لا التعددية الشكلية التي يُسمح فيها بالاختلاف على الهامش بينما يبقى المركز محمياً بالحراسة السياسية والاجتماعية. وهنا تلتقي السوسيولوجيا بالإبستيمولوجيا في نقطة واحدة: إن التفكير يحتاج إلى فضاء كما يحتاج النبات إلى تربة، والتربة المسمومة لا تُخرج إلا ثماراً معطوبة بصرف النظر عن جودة البذرة.

فإلى أيّ حدٍّ يمكن القول إن الأزمة ليست أزمة تديّن ولا أزمة علمانية ولا إلحاد، بل هي في جوهرها أزمة شرط وجود الفكرة، أزمة الفضاء الذي يُنضجها ويُطهّرها ويُجيز لها أن تنكسر كي تُبنى من جديد؟ وهل يظل الجدل بين السائلين والمجيبين، بين المتدينين والعلمانيين والملحدين، مجرد صراع على مواقع الإجابة في غياب الاتفاق على شروط السؤال، وفي غياب ذلك المختبر الاجتماعي الذي يمنح كلَّ طرف فرصة أن يواجه نفسه قبل أن يواجه الآخر؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!