-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" في جولة استطلاعية بمعرض الصين الدولي لتجارة الخدمات:

في بكين شاهدْنا…. روبوتات تُغنّي “الأوبرا” وتلعب رياضة وتشتغل بالمصانع! 

مبعوثة "الشروق" إلى بكين: إيمان كيموش
  • 75
  • 0
في بكين شاهدْنا…. روبوتات تُغنّي “الأوبرا” وتلعب رياضة وتشتغل بالمصانع! 
الشروق

آلات بشرية للحراسة والدوريات الأمنية وأخرى للفرز اللوجستي والعروض والترفيه 
أرخص روبوت بـ30 ألف دولار والروبوتات المنزلية حاضرة بين الأسر الصينية
 
في مجمع شوقانغ الصناعي ببكين، تلك المصانع للحديد التي تحولت إلى مدينة للمعارض، انطلقت الدورة الـ13 لمعرض الصين الدولي لتجارة الخدمات من 9 إلى 13 سبتمبر الجاري، لم نقطع سوى أمتار قليلة بين الأجنحة حتى بدأ الذكاء الاصطناعي يلفت انتباهنا، روبوتات تقدم لنا القهوة والمشروبات، وتقنيات للترجمة والمساعدة، ونظارات ذكية جربناها لترجمة الحديث إلى العربية، ومجسمات آلية للكشف الصحي، ألعاب أطفال بالذكاء الاصطناعي وروبوتات تصافحنا، كان المشهد بسيطا، لكنه جعلنا نتساءل عما تخبئه بقية أجنحة المعرض..

روبوتات تغني وتبيع وتحرس

توغلنا أكثر لنجد غناء الأوبرا الصينية، التحدث مع الجمهور، بيع المنتجات، حراسة المواقع، فرز السلع، للوهلة الأولى تبدو هذه مهام بشرية لا يجمع بينها شيء، لكن جولتنا في معرض الصين الدولي للخدمات “سيفتيس” كشفت لنا أن الروبوتات الصينية بدأت تدخل كل واحدة منها بطريقتها الخاصة، في قسم المنتجات الموجهة للاستهلاك. كانت الروبوتات حاضرة بأشكال ووظائف مختلفة، وبعضها لم يعد مجرد نموذج تجريبي يلفت أنظار الزوار، وإنما آلة صممت لأداء مهمة محددة في الحياة اليومية أو في فضاء تجاري وخدماتي، وبين عشرات النماذج، توقفنا عند جناح شركة “سيتي لينك” للتكنولوجيا، حيث كشف لنا مديرها العام شيه تشينغ هنغ أن الشركة قامت بدمج أكثر من 30 روبوتا من علامات تجارية وأنواع مختلفة ضمن منظومتها، وبين هذه النماذج يقول المتحدث لـ”الشروق”، نجد روبوتات للعروض والترفيه، وأخرى للفرز اللوجستي اليومي، وروبوتات للدوريات الأمنية، إلى جانب نماذج تجمع بين التكنولوجيا وعناصر من الثقافة الصينية، فيما يضم الجناح نحو 30 نوعا مختلفا من الروبوتات، لكن العدد لم يكن أكثر ما استوقفنا، بل ما تستطيع هذه الآلات فعله عندما تعمل معا.
فقد كشف شيه تشينغ هنغ أن الشركة حققت خلال عام 2026 تقدما في تقنية التحكم الجماعي بالروبوتات، التي تسمح لها بدمج أكثر من 30 نموذجا من روبوتات تابعة لعلامات تجارية مختلفة، ثم تنسيق حركتها والتحكم فيها بصورة متزامنة، بمعنى آخر، لا يعمل كل روبوت هنا بمعزل عن الآخر، فالشركة تحاول جعل مجموعة من الروبوتات المختلفة تتحرك وتؤدي مهامها بتنسيق واحد، وهي قدرة يقول المسؤول إنها تمثل أحد أبرز إنجازات الشركة هذا العام، وتفتح المجال أمام عروض جماعية وتطبيقات خدمية أكثر تعقيدا.
ومن الواضح أن الرهان لم يعد على إبقاء هذه الروبوتات داخل المختبر، فالشركة تريد، حسب المسؤول، نقلها إلى الجمهور وإلى الاستخدام الفعلي، ولذلك تتجه في الجيل الجديد إلى تطوير روبوتات شبيهة بالبشر يمكن استخدامها في المنافسات الرياضية، إلى جانب روبوتات للعروض التفاعلية والخدمات العامة وغيرها من السيناريوهات.
لكن وسط هذه النماذج، وجدنا روبوتا يؤدي وظيفة مختلفة تماما، إذ كان بإمكانه أن يجمع في لحظات قليلة بين الثقافة والتكنولوجيا والتجارة، إنه روبوت البث المباشر، أحد المنتجات الرئيسية للشركة خلال 2026، يستطيع أداء مقاطع من الأوبرا الصينية أمام الجمهور، لكن قدرته لا تتوقف عند العرض، فقد جرى تدريبه باستخدام أحدث نموذج لغوي طورته الشركة، ليتمكن أيضا من المشاركة في عمليات البيع عبر البث المباشر، والتحدث مع المتابعين والتفاعل معهم في حوارات مرتبطة بالمنتجات والبيع.
وتعتمد قاعدة اللغة والحوارات المستخدمة في هذه العملية، وفق الشركة، على نموذج لغوي طورته ذاتيا، ليصبح الروبوت قادرا على الانتقال من أداء الأوبرا إلى التحدث مع الجمهور، ثم المشاركة في عملية تجارية عبر البث المباشر.

سعر الروبوت حسب الطراز والتجهيزات والمواصفات

وهنا يبرز سؤال آخر، إذا كانت هذه الروبوتات قادرة على الغناء والتحدث والبيع والعمل في الحراسة والخدمات، فهل أصبحت متاحة للشراء فعلا، وكم يحتاج من يريد اقتناء أحدها، يقول شيه تشينغ هنغ إن الشركة تبيع هذه الروبوتات، لكن السعر يختلف حسب الطراز والتجهيزات والمواصفات المطلوبة وحجم الطلب.
ووفق الأسعار التي قدمها لنا، تتراوح قيمة الروبوتات بين 200 ألف و600 ألف يوان صيني للوحدة، أي نحو 30 ألفا إلى 90 ألف دولار، بينما يبدأ سعر أرخص روبوت بشري لدى الشركة من 200 ألف يوان، أي حوالي 30 ألف دولار.
أما داخل المنازل، فالصورة مختلفة، فالأسر الصينية تستخدم بالفعل روبوتات بسيطة مثل المكانس الكهربائية الروبوتية، لكن الروبوتات البشرية كاملة الحجم لا تزال في مرحلة مبكرة من الاستخدام التجاري، ولم تنتشر بعد على نطاق واسع داخل المنازل العادية، وهكذا، فإن أقرب طريق لهذه الروبوتات إلى السوق حاليا يمر عبر المؤسسات والمنصات التجارية والخدماتية، روبوت يقدم عرضا، وآخر يحرس موقعا، وثالث يفرز السلع، ورابع يدخل إلى عالم التجارة الإلكترونية، فيما يجري تطوير نماذج للمنافسات الرياضية، لكن إذا كانت هذه الروبوتات تزداد ذكاء وقدرة على التعامل مع العالم من حولها، فالسؤال لا يتوقف عند ماذا تستطيع أن تفعل، بل يمتد إلى سؤال آخر، وهو كيف تتعلم كل ذلك.

روبوت يقتحم صناعة الأحذية
في جناح آخر، وجدنا الإجابة تأخذ شكلا مختلفا تماما، فبدلا من روبوت يغني أو يتحدث أمام الجمهور، كان هناك روبوت موجه إلى مصنع للأحذية، وتحديدا إلى واحدة من أكثر مراحل التصنيع تكرارا، وضع الغراء ولصق أجزاء الحذاء، لفت جناح شركة “شادو إيه آي” الصينية، المعروفة باسم “يينشينغ تجينونغ”، انتباهنا بحلولها الروبوتية الموجهة إلى صناعة الأحذية، وهناك التقينا ممثل الشركة هنري، الذي بدأ حديثه معنا من رقم يكشف حجم العمل الذي يمر به الحذاء قبل أن يصل إلى المتجر.
نحو 200 خطوة يمكن أن يحتاجها تصنيع حذاء واحد، حسب الشركة، وبين كل هذه المراحل، تستطيع تكنولوجيا “شادو إيه آي” أن تعوض العمال في خطوتين، من بينها عملية وضع الغراء ولصق أجزاء الحذاء، وهنا يصبح دور الروبوت ملموسا جدا، مهمة متكررة تتطلب الدقة والاستمرارية وتنتقل من يد العامل إلى آلة قادرة على تنفيذها آليا.
لكن اختيار عملية اللصق لا يرتبط بالإنتاج فقط، فالعامل الذي يؤدي هذه المهمة يتعرض بصورة متكررة للغراء، وهو ما قد يشكل خطرا على صحته، كما تواجه مصانع الأحذية تحديا آخر يتمثل في الحاجة المتكررة إلى تغيير أو تجديد العمال المكلفين بهذه العملية، وبالتالي البحث مجددا عن يد عاملة لهذه المهمة، الروبوت يتدخل في هذه النقطة تحديدا، فيتولى عملية اللصق بشكل آلي ومتواصل، ويقلل اعتماد المصنع على العمال في هذه المرحلة، بينما يخفف في الوقت نفسه من تعرضهم للغراء.
ولا يعني ذلك أن الآلة تصنع الحذاء بأكمله، فهي تتدخل في نقطة محددة من سلسلة طويلة تضم نحو 200 خطوة، وتؤدي المهمة التي يمكن تحويلها إلى عملية آلية.
ومن هنا بدأ يتضح لنا أن قصة الروبوتات في الصين لا تتعلق بآلة واحدة أو وظيفة واحدة، ففي جناح نجد روبوتا يغني الأوبرا ويتحدث مع الزبائن، وفي آخر روبوتا يتولى لصق أجزاء الحذاء، وبينهما نماذج للحراسة والفرز والخدمات والمنافسات الرياضية.

هكذا تتعلم الروبوتات… وهنا يتمّ تدريبها

وهنا قادتنا جولتنا إلى جناح شركة “لينغشنغ تكنولوجي”، حيث لم يكن التركيز على روبوت يؤدي استعراضا أمام الزوار، وإنما على ما يوجد خلف هذه الآلات، البيانات والنماذج التي تمنح الروبوت القدرة على التعلم والتصرف، القائمون على الجناح قدموا لنا مفهوم “الذكاء المتجسد”، وهو ببساطة محاولة نقل الذكاء الاصطناعي من شاشة الحاسوب إلى جسم يستطيع أن يرى العالم الحقيقي ويتفاعل معه.
فبدلا من أن يبقى النموذج الذكي قادرا على الإجابة عن سؤال أو تحليل صورة، يصبح مرتبطا بروبوت يستطيع استخدام ما تعلمه لتنفيذ فعل في الواقع، وتطور الشركة منظومة تحمل اسم “رودا”، تربط أجهزة الروبوت بنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة وقدرات الوكلاء الذكيين، وتعرض ضمن هذه المنظومة أدوات ومنتجات لجمع البيانات وتدريب الروبوتات، من بينها أجهزة مرتبطة باليد والقبضة الروبوتية، وأخرى لجمع بيانات حركة الإنسان.
والفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها أساسية في عالم الروبوتات، لكي يتعلم الروبوت الإمساك بشيء أو تحريك يده أو أداء مهمة معينة، يحتاج إلى أمثلة وبيانات، ويمكن جمع هذه البيانات من حركة الإنسان، ثم استخدامها في تدريب النموذج الذي يقود الروبوت، وهكذا تتحول حركة بشرية إلى بيانات، والبيانات إلى تدريب، والتدريب إلى نموذج ذكي، ثم يعود النموذج في النهاية إلى الروبوت ليترجم ما تعلمه إلى حركة وفعل.
وتشير الحلول المعروضة في الجناح إلى استخدامات تمتد من تدريب الروبوتات المتجسدة والبحث العلمي إلى تطوير حلول روبوتية وتطبيقات في الخدمات العامة والحياة اليومية، مع اختبارات أجرتها الشركة في عدد من السيناريوهات، وهنا تكشفت لنا الحلقة التي تقف خلف المشهد كله، الروبوت الذي رأيناه يغني ويبيع ويتفاعل، والروبوت الذي يدخل المصنع ويلصق الحذاء، لا يعتمد فقط على محركات وأذرع وحساسات، وإنما على عالم كامل من البيانات والنماذج والتدريب.
ومن ثم، فإن التحول الذي نشهده في الصين لا يتمثل فقط في أن الروبوتات أصبحت أكثر قدرة على الحركة، وإنما في محاولة منحها قدرة أكبر على فهم ما حولها والتعلم منه والتصرف بناء عليه، وهذا هو الجانب الذي يجعل السؤال عن مستقبل هذه الآلات أكثر إثارة، إذا كان الروبوت يتعلم اليوم كيف يؤدي مهمة محددة، فما هي المهام التي سيسرقها منا غدا، وهل سيتفوق على الإنسان.

الناس يقتربون من التكنولوجيا بلا رهبة


لكن الروبوتات لم تكن وحدها ما سرق الأضواء في معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات، فبمجرد الانتقال بين الأجنحة، يتغير المشهد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى السياحة والصحة والثقافة والتجارة الرقمية، أسماء كبيرة مثل علي بابا، تينسنت، جي دي دوت كوم، هواوي، شاومي ولينوفو حضرت بقوة، إلى جانب مؤسسات وشركات دولية، فيما قدمت جي دي دوت كوم قطاعاتها المختلفة، من التجارة والتكنولوجيا إلى الخدمات اللوجستية والصحة.
وفي جناح الثقافة والسياحة تحديدا، لم يكن المطلوب من الزائر أن يقف ويتفرج فقط. أطفال يجربون أجهزة الواقع الافتراضي، وآخرون يخوضون تجربة قيادة محاكاة، وزوار يقفون أمام منتجات تجمع بين الثقافة الصينية والتقنيات الحديثة؛ حتى حديقة معبد السماء حضرت بطريقة مختلفة، من خلال مشروبات شاي مبتكرة، فيما جذبت “بوب مارت” الزوار بمنتجاتها وشخصياتها المعروفة.
ولعل أكثر ما يلفت في المشهد هو أن الصينيين لا يتعاملون مع هذه المنتجات كأشياء بعيدة عن حياتهم، يتوقفون، يسألون، يجربون، يصورون، وأحيانا يعودون إلى الجناح مرة أخرى، هنا لا يبدو الابتكار مجرد فكرة جميلة على شاشة، بل منتجا يريد صاحبه أن يلمسه الزائر ويختبره وربما يشتريه أو يستخدمه لاحقا.
غادرنا المعرض بعد ساعات من التجول بين الأجنحة وزيارتين في يومين متتاليين، لكن الصورة التي بقيت معنا لم تكن روبوتا بعينه، ولا شاشة ضخمة، ولا منتجا جديدا، كانت صورة الناس وهم يقتربون من التكنولوجيا بلا رهبة، يجربونها كما يجربون أي منتج آخر، حيث بدا واضحا أن التكنولوجيا في الصين لم تعد قصة تروى عن المستقبل فقط، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من المنزل والعمل إلى التسوق والترفيه، وما خفي أعظم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!