.. في ذكرى وفاة محمد الغزالي
محمد الغزالي، رحمه الله، من علماء القرن العشرين الأجلاّء، والدّعاة إلى دين الله الإسلام “ولد سنة 1336 هـ الموافق لسنة 1917م. ونشأ في بيئة متديّنة بين إخوة سبعة، وكان أكبرهم، ووالده كان تاجرا صالحا وهو الذي وجّهه إلى حفظ القرآن بل إنّ من فضله على الولد “محمّد” أن باع ما يملك لكي يذهب به أو يذهب معه إلى أقرب مدينة يقع فيها معهد أزهريّ، حيث هاجر من قريته “نَكْلاَ العِنَب” بمحافظة البَحِيرة إلى الإسكندريّة كي ينتسب إلى الأزهر وعمره عشر سنوات (*)” (1).
وقد تخرّج الدّاعية محمّد الغزالي في جامع الأزهر سنة 1360هـ. الموافق لسنة 1941م. ومنذ ذلك وهو يدعو إلى دين الله الإسلام، ويخدمه بكل من أوتي من علم شرعيّ وثقافة واسعة، وقد تلقّت عنه الدّنيا ما لم تتلقّ عن أحد من معاصريه في أمور دينهم وشؤون الحياة، إنّه ظاهرة بحقّ، وداعيّة من الطّراز الأوّل، فخدم الإسلام بالتدريس، وخطب الجُمَعِ، وإلقاء المحاضرات والقيام بالمُنتَديات والحضور إلى المؤتمرات وتأليف عشرات من الكتب تحت عناوين جذّابة، وعالج فيها أحوال الإسلام والمسلمين، والمتربّصين بهما في كلّ أصقاع العالم، في العصور القديمة والحديثة والمُعاصرة.
– ولقد عرفته عن بُعد، وذلك حينما كان يشارك في “ملتقيات الفكر الإسلامي” في الجزائر في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي خصوصا، إضافة إلى قراءتي لبعض كُتبه التي أصبحت تُباع في المكتبات وإنها كتب تستحقُّ القراءة لما فيها من علم ينفع وفكر يَرفع وأدب يُمتع، وأسلوب كتابة شيّق.
وفي سنة 1984م، جيء به عندما افتتحت الجامعة الإسلامية بقسنطينة أبوابها والتي حملت اسم “الأمير عبد القادر” فأشرف على مجلسها العلميّ، فكان نعمةً وبركةً على الجامعة، فتكوّن على يده طلبة علمٍ وصاروا فيما بعد أساتذة أفْذادًا في الجامعة نفسها، ودعاة على منابر المساجد وكان يشهد لهم بالعلم والورع أيضا.
– وأذكر أنّه في سنة 1985م بُرمجت له محاضرة بالمسجد الكبير لدائرة الميليّة، وإذّاك كنت أدرس في المرحلة الثانوية، فسعدت بذلك، ورحت أسابق زملائي للظَّفر بمكان قريب من الشيخ وكان لي ما أردت، وبعد صلاة العصر بدأ يحاضر فينا، وكان عنوان المحاضرة هو تفسير لسورة “الحَشْر“… ففسّر السورة وأبْدع، وركّز على طبائع اليهود في السّلم، ومكرهم وجُبنهم في الحرب إذْ لا يُقاتلون إلاّ من وراء جُذُر، وقد مرّت مدّة المحاضرة كلمحٍ بالبصر، وفي نهاية المحاضرة طُرحت على الشيخ أسئلة من طرف الحضور، ومن بين الأسئلة التي قرأها مسَاعِده، هل التّدخين حلال أم حرام أم مكروه؟، فأجاب إجابة ذكيّة فقال بالحرف الواحد: “إنّ بعض الناس يعتقدُ أنّ الرجولة في التّدخين، ولكنّ الرّجولة في الرّأس، وذلك بإشارته بأُصبعه إلى رأسه…” وودّع الحضور بلباقة وسلام.
– والذي زادني حبّاً هو حديثه الأسبوعي الذي كان يقدّمه كل يوم إثنين مساءً ومباشرة على التلفزة الوطنية، فيشاهده ويستمع إليه العام والخاص، وفي كل مرة يتحدث عن قضية أو موضوع أشغل الناس قديما أو حديثا وبأسلوب يجذب ولا ينفّر ويبعث على الأمل، ويبشّر بمستقبل الإسلام الواعد. فكان أشبه بالحكيم الذي يشخّص الأدْوَاء، ويصف لها الدّواء المناسب، ولقد جُمعت تلك الأحاديث في كتاب وطُبع، ثم عُرض في معرض الكتاب الدّولي بالجزائر لسنة “2013م” وقد بِيع بثمن معقول، تعود عائداته على فئة مُعوزة في المجتمع.
– وفي سنة 1989م قرّر الشيخ “محمّد الغزالي” العودة إلى مسقط رأسه “مصر؛ بسبب مرضه وقد ذكر ذلك في رسالة نُشرت بخطّ يده في إحدى الجرائد الوطنية. فقضى بقيّة عُمُره في مصر موطنه الأول وإن كان لا يشعر بالغُربة في موطنة الثاني “الجزائر“.
– وفي يوم 9 مارس 1996 التحق بالرفيق الأعلى إلى جوار ربّه، بعدما أمضَى أكثر من نصف قرن في الدّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان منْهجُه في الدّعوة الوَسَطِيّة وعدم الغُلّو أو التَّنطُّع، وكان بمحاضراته يَقُضُّ مضاجع الذين لا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة في الشرّق والغرب. وترك وراءه عشرات الكتب التي ألّفها طوال حياته وأذكر منها على سبيل الذكر لا الحَصْر: “سرُّ تأخُّر العرب والمسلمين” – “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” – “الحقّ والمرّ” – “ظلام من الغرب” – “التعصّب والتّسامح” – “الإسلام والطّاقات المعطّلة” – “الإسلام المفّتَرى عليه“. فرحم اللّه الشّيخ، وكلَّ علماء المسلمين، وكلَّ من مات على الإسلام.