-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قبل وبعد..!!

مروان ناصح
  • 2660
  • 0
قبل وبعد..!!

قبل..!!نظر الزميل الصحفي الفضولي إلى مجلد “خطتي” لقناة “سورية دراما” التي كلفت بمهمة تأسيسها، وكانت “حينذاك” قيد التأسيس والبث التجريبي، فأدهشه حجمها أولاً، ثم تبويبها، وراح يقلبها بسرعة متوقفاً عند بعض العناوين، وقال وهو يغلقها باستخفاف: – ألا ترى أنها خطة مبالِغة في “الطموح”؟!! – وهل المطلوب ألا تكون كذلك؟!! وهل تجدها مكتوبة _ على باب التلفزيون السوري _ تلك الجملة التي علقها الشاعر الإيطالي “دانتي” على باب الجحيم، في رائعته “الكوميديا الإلهية”: “أيها الداخلون إلى هذا المكان… اتركوا خلفكم كل طموح لكم نحو أي مستقبل!! واخلعوا هنا أمام هذه الأبواب كل أمل لكم بالنجاة والنجاح..!؟؟”.

  – ولكنك تبدو متفائلاً.. بل شديد التفاؤل، كمن لم يَخْبر العوائق التقليدية يوماً: التعقيدات البيروقراطية.. العراقيل “المالية” ونظمها الجامدة.. أحجار العثرة البشرية من كل صنف ولون وهدف ومأرب.. والمتطوعين لإشغالك وأمثالك بحروب صغيرة.. لا لشيء إلا لأنهم لا يريدون الكف عن “هوايتهم” في إطفاء الشموع.. والحصول على لقبهم المحبب: “أعداء النجاح”..!! كل هذا وغيره يجعل من “نجاحك” مطلباً يحتاج إلى معجزة!!

 – معجزة..!! إذاً اسمع: سطا لص ذات يوم على منزل متواضع كان يسكنه الكاتب الفرنسي فلوبير _ أيام بؤسه _ وأحدث ضجة، فاستيقظ فلوبير من نومه، وأشعل الضوء، وراح يرقب اللص وهو يفتش في الأدراج عن النقود، وتنبه اللص إلى وجود الكاتب، فسأله: ماذا تنتظر؟؟ فأجابه فلوبير: أنتظر أن تتحقق المعجزة على يديك!! فأنا لا أجد نقوداً هنا في النهار فأرني كيف ستجدها أنت في الليل!!

  والمعنى؟

 – لقد جاء في الكلام المأثور: “يجد المرء نفسه حيث يضعها”.

 –  لن ينجدك “حفظ” الكلمات المأثورة..!!

 –  الحفظ..!! إذاً اسمع: “من نكت الطفولة أن معلماً اعتاد أن يلقن تلاميذه الصغار جدول الضرب ملحناً منغماً ليسهل عليهم حفظه: (ستة في سبعة؟؟ اثنان وأربعون) وسأل يوماً أحدهم أن يسمعه جدول الضرب المحفوظ، فأجاب التلميذ (ترا لا لالالا.. لالا..لالا) وعلل ذلك معتذراً: لقد حفظت اللحن ونسيت الكلمات يا أستاذ..!!” اضحك!! لماذا لا تضحك؟!!

 –  بصراحة.. أنا متشائم لأجلك..!!

 –   أحب أن نتشاءم.. لكن برجولة..!!

…؟!

 – أن نعشق “الفعل” ونضرب صفحاً عما يردده الناس عن “الشيطان في الضواحي”.. وهذا عنوان لرواية وحيدة بديعة كتبها فيلسوف السلام الراحل برتراند راسل.. وفيها يتحدث عن طبيب “رهيب” افتتح عيادة له في إحدى ضواحي لندن، وكتب على بابها “هنا نصنع الشر”.. وراح ينصح “زبائنه” باقتراف كل أنواع الشرور مدعياً أنها السبيل إلى شفائهم من عللهم النفسية..!! ففي الضواحي _ أيضاً _ بعض الملائكة!! والكثير جداً من البشر الطيبين الرائعين المبدعين كما يؤكد برتراند راسل نفسه في هذه الرواية..!!

.

.

بعد..!!

بعد شهور من انطلاق قناة الدراما، جاءني صديقي الصحفي الفضولي إياه، وقال بلهجة شامتة:

 – كان في نيتك أن تطلق 12 برنامجاً جديداً كلّ الجدة.. فالأفكار لامعة.. والبناء الفني في كل منها فائق التشويق.. على أن يقوم بمهمة التقديم لكل برنامج نجم أو نجمة من مشاهير فن الدراما السورية.. فماذا جرى؟!!

  وا أسفاه.

 – وكان في خطتك أن تسند مهمة التنشيط في برنامج “أخبار الفن” إلى مجموعة من الفنانات الشابات المميزات الواعدات بتجديد دماء الدراما.. فما الذي حصل..؟؟!

  وا كَبِداه..!!

 – وكنت تأمل في أن تحصل على أكبر “ستوديو” (بلاتوه) موجود في التلفزيون السوري، لصالح قناة الدراما.. وها أنا لا أملك سوى الإشفاق على قناتكم الوليدة، كلما مررت بذلك الاستوديو “الصغير” المشوّه داخلاً وخارجاً..!! وأعجب منه كيف يتسع لهذا الحشد من المعدّات المتراكبة..!! فما مصير أملك هذا..؟؟

 – واحَرَّ قلباه..!!

ولقد أعلنت في الصحف عن قرارك بأن تحصل على حقوق العرض الأول لأيّ عمل سوري مميز، وأن تدفع في ذلك سعراً منافساً لما تدفعه المحطات الخليجية لقاء هذا الحق.. فلماذا فشل هذا القرار..؟ ثم انطويت أنت على يأسك وحرجك المريرين..؟؟

  وا خَيبتاه..!!

 – ولكنك لم تجبني حتى الآن بشيء مفيد..!!

 – عندي حكاية عن عربة كانت تستعد للسفر إلى بلد بعيد.. لكنها لم تتحرك من مربضها.. لأن مسماراً كسر في إحدى عجلاتها.. ولأنّ الحدّاد لم يحسب حساباً لمسمار بديل.. بل هو لم يفكر أصلاً في احتياجات السفر.. فتعطلت العربة.. وتعطل البريد.. وكانت في البريد وصفة أرسلها طبيب لعلاج مريض في حالة خطرة.. وكان المريض يجهل خطورة مرضه، فتراخى في كتابة وصية لأبنائه.. ومن بين هؤلاء الأبناء شاب كان قد وعد فتاة بالزواج.. وانتظرت الفتاة طويلاً دون جدوى.. ثم مات المريض!! وانتحرت الفتاة..!! وبقي الحدّاد لاهياً عن ضرورة تأمين المسمار لتلك العربة البائسة..!!

  وا مصيبتاه..!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!