قسوم: “نعمل على تكريس الحركة التجديدية الإسلامية للحد من الغلو الديني”
كشف رئيس جمعية العلماء المسلمين الدكتور عبد الرزاق قسوم، السبت، على هامش فعاليات “ملتقى الشيخين” في طبعته الثالثة، الذي احتضنته قاعة المحاضرات بقصر الثقافة بتلمسان، أن الهدف من وراء تنظيم مثل هذه الملتقيات هو العمل على “تجديد حركية الفكر الإسلامي بالجزائر للحد من التطرف والغلو الذي أصبح منتشرا في أوساط الشباب الجزائري، وذلك من خلال إماطة اللثام عن العلماء الجزائريين الذين، للأسف، يجلهم الكثير من أبناء هذا الوطن”.. وغيرها من الأهداف الأخرى التي تسعى جمعية العلماء المسلمين على ترسيخها واقعيا وميدانيا عبر “تنزيل مجهودات العلماء على أرض الواقع في شتى المجالات، سواء كانت فقهية أم صوفية أم معرفية”.
وعرفت أشغال الملتقى في يومه الأول الذي ارتأى المشرفون على تنظيمه اختيار علمين جليلين من خيرة ما أنجبت الجزائر، والأمر يتعلق بكل من “السنوسيين”، محمد بن يوسف التلمساني أصيل منطقة تلمسان، والشيخ العالم محمد بن علي السنوسي أصيل منطقة تنس. وهو الملتقى الذي شهد حضورا متميزا للعديد من الدكاترة والمشايخ، من بينهم الدكتور الهادي الحسني والدكتور عمار طالبي والدكتور ونيس ميروك وغيرهم.. بحضور السلطات الولاية، ممثلة في السيد بن يعيش علي المسؤول الأول عن الجهاز التنفيذي، الذي أعطى إشارة الانطلاق الرسمي لفعاليات الملتقى، الذي تناول من خلاله المشاركون أهم نقاط القوة والضعف بما في ذلك نقاط التشارك والاختلاف بين عالمين جليلين قدما إسهامات كبيرة في العديد من الحقول الفقهية والشرعية وغيرها من المجالات الأخرى.
ولعل ما أثاره الدكتور الهادي الحسني في الجلسة المسائية، حينما تناول السيرة الذاتية أو مسار العالم الجليل محمد بن علي السنوسي، شكل نقطة فارقة في مسار الجلسة المسائية بعد التطرق إلى العديد من المواقف التي تميز بها الشيخ محمد بن علي السنوسي، خاصة موقفه من إحدى الفتاوى التي تجيز أن يحكم البلاد الإسلامية حاكم أجنبي على أن يسمح للمسلمين بممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية، حيث رفض الشيخ محمد بن علي السنوسي جملة وتفصيلا هذه الفتوى عكس بعض المشايخ في تونس ومصر الذين أجازوا ذلك. وهو ما فتح على الشيخ محمد بن علي السنوسي العديد من الجبهات ومحاصرته في ليبيا من قبل دول أجنبية للحد من تحركاته، بعدما تمكن بمساعدة أتباعه من نشر الطريقة السنوسية داخل ليبيا وغيرها من الدول العربية الإسلامية، ليصبح أحد القادة الكبار ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، كما حول إحدى المدن الواقعة بجنوب لبيبا إلى مكتبة كبيرة، ما يعكس مدى اهتمامه بالفكر الإسلامي، وحرص أيضا، بحسب ما كشف عنه الدكتور الهادي الحسني، على ألا يتم إقصاء أي شخص يريد الالتحاق بالطريقة السنوسية كيفما كان توجهه الديني. ويعد، بحسب ذات المتحدث، من بين العلماء القلائل الذين فتحوا الزاوية السنوسية في وجه جميع من يريد العمل وممارسة الطريقة السنوسية، كما جعل من الزاوية فضاء مفتوحا على النقاش المعرفي والديني، قبل أن يخرجها– الزاوية- من كونها فضاء يتصدق عليه بالمال إلى مكان يمنح المساعدة المالية للمحتاجين. وعكس ما هو متعارف عليه لدى الطرقيين، فإن الزاوية السنوسية لم تكن تسمى أتباعها بالفقراء، كما هو شائع، لكون الشيخ محمد بن علي السنوسي ألغى هذه التسمية عن أتباعه، معتبرا أن جميع الناس فقراء إلى الله وليس فقط أتباع الزوايا من الطرقيين، كما كان يحث أتباعه من المريدين على ضرورة العمل من أجل كسب القوت اليومي، رافضا أي شخص لا يؤمن بالعمل من أجل توفير قوت يومه، وهو ما جعل الأستاذ محمد الهادي الحسني يستخلص في نهاية المداخلة أن الطريقة السنوسية التي كان يقودها الشيخ محمد بن علي السنوسي كانت أبعد من أن تكون طريقة صوفية وأقرب إلى كونها حركة، داعيا الحضور من باحثين ومشايخ إلى ضرورة دراسة ما وصفه بـ”الحركة السنوسية”.
من جهته، أبرز الدكتور التهامي إبراهيم أهم المحطات المضيئة في حياة العلامة الشيح محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، أصيل منطقة تلمسان، حيث كان هذا العالم غزير الإنتاج العلمي والمعرفي، إذ بلغ عدد مؤلفاته 73 مؤلفا، وهو الذي توفي عن عمر ستين سنة. وكان يجتنب السلطان ولا يحضر مجالسه، عاكفا على التأليف بعدما ترعرع في أحضان عائلة كان ولي أمرها عالما.
وكشف نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين، الشيخ بن يونس آيت سالم، في تصريح لـ “الشروق”، على هامش فعاليات الملتقى، أن تنظيم مثل هذه الملتقيات من قبل جمعية العلماء المسلمين يعد سنة حميدة، تهدف من خلالها الجمعية إلى ترميم المرجعية الدينية الجزائرية التي أصابتها بعض التشققات، في إشارة ضمنية إلى بعض التيارات الدينية والمذاهب الإسلامية الدخيلة على المجتمع الجزائري، بالرغم من وجود العلماء الذين أنجبتهم الجزائر، الذين يمكن أن يكونوا قدوة للأجيال الصاعدة.