قيادات من كارتون!
.. هزني أحد القرّاء الذي أرسل لي قنبلة عنونها بـ”أحزاب وقيادات ورقية تتحدث باسمنا”، فأطلق قنابل تقول: رحمك الله العربي بن مهيدي، رحمك الله ديدوش مراد، رحمك الله زيغود يوسف، رحمك الله أحمد زبانة، رحمكم الله مصطفى بن بولعيد ولطفي وعميروش وسي الحواس وعشرات القادة الذين كان مجرد ذكر أسمائهم يهز الوجدان بالعنفوان ويملأ السماء رعباً وفخراً، ويعلو بهم اسم الجزائر ويزهو مختالاً بعزة.
.. قادة لو قـُدر لهم أن يعيشوا ويروا حالنا هذا، لاختاروا القبور مأوى حماية من شرور الجنون الذي نكاد أن نصاب به، وحالة الهذيان من أمورنا وزماننا، زمن لم نعد نعلم به من هؤلاء الذين يتحدثون باسم الجزائر.
..أشعر بحالة من الغثيان والاستفزاز الداخلي العميق جدا عندما استعرضت الأسماء التي تناور في المجالس والمؤتمرات للإقرار بمصير الجزائر، من أين هبطوا علينا؟ ومن نصبهم قادة لنا؟ وكيف التصقوا بمسمى قيادات وأصبح لهم باعٌ في السياسة والتفاوض وتحديد مصيرنا؟
عبث بل قل عدس، ما نشاهده من هؤلاء الذين بعلم السياسة والقيادة لا يمكن منحهم أكثر من كلمة سعاة بريد أو بالكاد شخوص للزينة تصطف على أبواب المؤتمرات إن فلحوا في ذلك.
تجاوزت الأسماء لأبحث في أجندتي الخاصة عن أسماء الأحزاب التي يمثلها البعض ممن أصبح قائدا لي ولشعبي في وطني، فلم يسعفني الحظ في أن أجد مسمى أو عنوانا يمكن الارتكاز عليه بمشروعية التمثيل سوى بأنهم أدوات ورقية ودمى بشرية.
.. لا يسعني سوى القول رحم الله باجي مختار وسويداني بوجمعة ومحمد بلوزداد وعبد الرحمن ميرة وعلي لابوانت وحسيبة بن بوعلي ومليكة ڤايد ووريدة مداد والطفل عمر ورحم الله أبي وأباك وأخي وأخاك وجدي وجدَّك، ورحمنا الله ورحم الجزائر.. وأحمد الله أن هؤلاء ذهبوا شهداء قبل أن يُقدر لهم رؤية ما نرى.. ولك الله يا شعب الجزائر.
..نعم، صدقت، الله يرحم الشهداء، فمصيبة البعض أنهم نسوا التضحيات والأهداف التي التحم بسببها ومن أجلها كلّ الجزائريين، ومنـّا من يتناسى البارود الذي أطلقه بن مهيدي ولابوانت وزيغوت وعميروش، ولذلك يتهافت “الثوار الجّدد” على ملئ جيوبهم والتأليب على التكسار وإشعال النار، بعدما ناضل وجاهد الأولون من أجل تحرير الجزائر والجزائريين!
كم نحن في حاجة إلى أن نعود إلى عقول وقلوب الذين قدّموا حياتهم قربانا لجزائر حرة ومستقلة وذات سيادة، وكم نحن بحاجة إلى أن نتخلص من الخزعبلات والهرطقات التي توقظ الفتنة والقلاقل والتفرقة، وتوزع الثروات والمسؤوليات توزيعا غير عادل !
إن القياديين الحزبيين الذين يتحدث عنهم صاحبنا، دفنوا الأمل والتفاؤل، وقتلوا الإرادة والتضامن والتعاون، لأنهم لا يقتبسون أهدافهم من أهداف زيغود وسي الحواس ولطفي، وإنـّما يستنسخونها من أهداف ملء “الشكارة” وتأميم المناصب والمكاسب، ولذلك يتكاثر مفتو الديار، فيحللون لأنفسهم ما يحرمون على غيرهم!
كم هو مؤسف ومؤلم ومدمّر، أن يتسابق السياسيون – إلاّ من رحم الله – على التنابز بالألقاب وتصفية الحسابات، ولا يتسابقون على تعزيز الوحدة وزرع بذور الأمل، وربط “جيل الثورة” بـ “جيل الاستقلال”!