-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قيد الانتظار

مروان ناصح
  • 3802
  • 6
قيد الانتظار

من جنايات الواقعية الاشتراكية، على الأدب والفن في بعض البلدان العربية، التي وقعت في ظلال النظام السوفيتي الشمولي، أنها أحلّت المستقبل مكان الحاضر..!! وقد أشار إلى هذه الحقيقة “الواقعية” الشاعر السوفيتي الشهير “يوفتوشينكو” وهو يتحدث إلى مجموعة من المثقفين العرب في القاهرة متسائلاً: “ماذا يفعل أحدكم لو كان رساماً، وطلب إليه أن يرسم لوحة لأحد أعضاء اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوفييتي، فذهب إليه، وفوجئ بأن ذلك المسؤول الكبير “أعور”؟؟!! إنها مشكلة عويصة بالطبع!. فما الحل؟؟ هل يرسمه وهو كذلك، فتكون اللوحة من الواقعية القبيحة!! أم يصوره بعينين سليمتين؟ وتكون اللوحة مزورة، ولا علاقة لها بالحقيقة ولا بالواقعية..!! أم يتخلص من هذه المحنة بأن يرسمه في وضعية “بروفيل”؟!

وهكذا اختط عديد من الفنانين والأدباء العرب لإبداعاتهم “الواقعية” طريقاً عريضاً يمكن أن ندعوه “شارع البروفيل” أو شارع “اللقطة الجانبية” أو “شارع الواقعية الممكنة”!! وقد يغالي بعضهم فيدعوه: “شارع الأمل”!!

وما إن بدأ زمن “واقعية البروفيل” هذا بالانسحاب حتى تنبه بعض كتاب الدراما إلى أن هنالك عالماً آخر مختلفاً يحيط بالمدينة العربية، ويتغلغل أحياناً إلى جوار القلب منها.. إنه عالم “العشوائيات”.. تلك الأحياء التي نشأت خارج الرقابة والتنظيم العمراني، تحت ضغط الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدينة، وتلبية لحاجات مئات الألوف من أبناء الطبقة الوسطى الذين كانوا يعيشون في المدينة أصلاً، ويحملون على اكتافهم مهمة تطوير المجتمع، ولكن التخبط السياسي والإداري، وانتشار النزعة الاستهلاكية، ثم الفساد الذي استشرى في معظم مجالات الحياة في المجتمع، لم تلبث جميعاً أن رمت بهم إلى قاع المدينة، بعد عملية غربلة عنيفة وجاهلة..!! 

إنه العالم الجديد الذي أصبح يضمّ في جنباته نسبة كبيرة من أبناء المجتمع.. ويمتاز باختلاط عجيب في “الثقافات” و”الرؤى” و”الطموحات”، وبوحدة عامة في ضعف الوعي، والفقر، وسوء الخدمات، والتلوث البيئي بكل مظاهره: الصحية، الاجتماعية، العمرانية، الجمالية والأخلاقية..!! كما تجمعهم حالة الانتظار المديدة دون جدوى..!! فقد جاء كل منهم وفي رأسه حلم كبير بالنجاح في المدينة.. ولابد من مرحلة تربص، يقضيها في هذه العشوائيات “العابرة”..!! ولكنهم لا يلبثون أن يملَّوا من الانتظار، فيبدؤون بالبحث عن تسلية.. عن تزجية للوقت الضائع.. فيحبون.. ويتصارعون على الفُتات.. وينقسمون إلى شريرين وخيرين.. ويتزاوجون.. وينجبون.. ويطلقون.. ويرتكبون الجرائم.. ويبنون قصوراً في الهواء، ويهدموها.. وتزحمهم مشكلات الأولاد.. وتتوازعهم الدروب الضيقة نحو اللقمة.. والكرامة.. وبقايا الإنسانية..!! ثم تنكشف الأيام عن الوهم الفاجع: ما ظنوه مجرد مرحلة “عابرة”..!! إنما هو الحياة التي مضت، وتسربت من بين أصابعهم كالماء.. ولن تعود..!! كل هذا الوضع البشري، وجدناه مجسداً في أول عمل درامي  سلط أضواءه الكاشفة على أحياء “العشوائيات”، وجال بنا على مظاهرها البارزة، وأسرارها العميقة، وهو يقدم لنا حكايات كل الناس فيها: البسطاء، المتعلمون، الفقراء، الأشد فقراً، الأيتام، المهملون، الناظرون إلى النجوم، الباحثون عن مطالبهم في  الخرائب والمجاري،  العاقلون،  الحثالة،  السماسرة،  وبائعو الأحلام..!! وكان هذا العمل الرائع يحمل اسم “الانتظار”،  كتبه أديبان من أصحاب الخبرة في فن الدراما هما: “حسن سامي اليوسف” و”نجيب نصير”، وأخرجه “الليث حجو” عام 2006.

ولعل مما يحسب لهذا العمل المفصلي في الدراما السورية أنه لم يقع تحت عجلات أفلام العشوائيات المصرية، حيث الإثارة المجانية، والاستعراض السطحي، والتأثير الآني، والميلودراما الغارقة في الدموع، ولا هدف لها إلا الضحك على الذقون.. ذقون المتفرجين..!! كما إن ما يحسب في صالحه _ أيضاً _ أن عنوانه المشع يذكرنا بأجمل مسرحية رمزية عرفها القرن العشرون.. تلك التي كتبها الأديب الإيرلندي “صمويل بيكيت” بعنوان “في انتظار غودو”، حيث بطلا العمل “فلاديمير” و”استراغون” لا يملان من الاستغراق في حوارهما الطويل الممل، وهما في انتظار شخص اسمه “غودو”.. قد يجيء ولا يجيء..!! لكن مسلسل “الانتظار” لا يعرف الملل.. ولا الثرثرة، ولا نمطية الشخصيات، ولا عبثية الرؤى، ولا ضياع الهدف!! وككل الأعمال المتفردة.. صار نقطة انطلاق تتابعت بعدها أعمال عديدة صُنفت تحت “دراما العشوائيات”، وخرجت جميعاً من “معطف” الانتظار..!! غير أن الإجماع الجماهيري على نجاح هذا العمل _ داخل سورية وخارجها _ لم يمنع أصوات عديدة من أن تتعالى، هنا وهناك.. تستنكر ما جاء فيه من “تجنٍ” على الحقيقة، وتتهمه بالمبالغة، والخروج عن وظيفة الفن السامية: بثّ الأمل والطمأنينة في نفوس الناس حاضراً ومستقبلاً، لا تركيز “الكاميرا” على مظاهر الخلل والنقص، والكشف عن مخالب الفساد المتكالبة على كل شيء..!! وكان هؤلاء المستنكرون من بقايا جوقة واقعية “البروفيل” إياها..!! وأذكر أن أحد هؤلاء الواقعيين “البروفيليين” الحانقين على صدقية “الانتظار” وصفه بأنه “ظُلمٌ” لكل شيء في البلد!! متجاهلاً الظلم الكبير المخيم على العشوائيات” وسكانها الذين ربما كانوا في ضمير الشاعر “حافظ ابراهيم”، عندما رفع صوته رافضاً ظلم الدولة” للشعب في أيامه: 

لقد كان فينا الظُلمُ فوضى فُهُذِّبتْ      *     *     *        حواشيهِ حتى باتَ ظُلْماً “مَنَظَّما”!!  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • اخر من يعلم

    خلاص فهمت .. الروح عندها جماعتها ونستعرف بلي فور هاو مع جماعة قادرة ولا بطلنا

    لاكن الا يبدوا هذا مشهد درامى مضحك .. الروح بعقلها و بذكائها سباقة والعقل الا واعي من ورائها يركض والعقل الواعى من ورا العقل الا واعى يجرى والجسد المسكين هو الاخر يجرى املا فى اللحاق ما راه فاهم فيها والوا

    والكارثة هى الجمع الغفير من الناس يركضون من وراء هذا المسكين ..ليكتشف هذا المسكين ان طفولته ومراهقته وشبابه راح كامل فى الجري

    اجماعة تؤمنون بالتقاء الارواح والذاكرة الجمعية التى تربط نشاطهم جماعي

  • قيادة الروحية العليا

    صدقونى علينا استرجاع التاج المفقود والتربع على عرش المعرفة و الحضارة الانسانية من جديد وتحييد القيادات الدرويشية التى دمرت وجداننا وانسانيتنا ماذا يفعل الله بناس مجانين متخلفين فقدوا دورهم فى الاستخلاف

    والا لماذا قلوبنا شتى لا نكاد نجتمع على شيئ بينما كل الامم التى صنعت زعامات روحية كلها انطلقت انطلاقة قوية بقلب رجل واحد بريطانيا تحت تاج الملكة واليابان تحت الامبراطور والهند بغاندى وجنوب افريقيا بمنديلا والصين "نسيته" امريكا وغيرها من الامم التى الفت بين قلوب مواطنيها حتى جعلت تنتج اكث

  • قيادة الروحية العليا

    فهناك تعمد في تحيز القيادات الروحية عن القيادات الوطنية والاولى ليست سوى فرق استطلاع وتنوير تفتح المسالك الحضارية للقيادات الوطنية التى عاجلا ام اجلا محكومة لقانون السلبية المتخمر بفقدان احد ركائزها الموجب الروحى المحرك والملهم الاجتماعى ليجد المجتمع قد انسل من انسانيته باسر روحه فيتحول الى كائن بيولوجي كما تسربت تقارير احد المخابر وهو تحوير الانسان الى كائن بيولوجي منزوع الفطرة قابل للسيطرة والركوب وبالتالى يصبح انسان قاصر لا فرق بينه وبين الحيوان

  • قيادة الروحية العليا

    انا نقولك كيف تعمل القيادة الروحية .. لاشك ان عالم الروح لاجنس له ولا لون ولا حدود ولا ضوابط ولا حتى اخلاق سوى مسارين يعمل عليهما القائد الروحى
    - تثبيت الهوية
    -الاتجاه نحو الهدف
    القائد الروح لديه قدرة لولوج الارواح الاخرين الذين يصنفون اما زميل او مضلوم او ضالم لنفسه ومن هنا تبدء معركته التى خلق من اجلها

    يستدرج المستقبل الى الماضي ليتفادى الواقع املا فى الوصول الي الهدف

    غرف العالم الحسى ذات التخصص الابداع التحليل الفكر الاستنتاج استحضار التاريخ استدراج المستقبل القدرة على تنضيم الاتجات

  • قيادة الروحية العليا

    اخ مروان تقصد ما وراء المادة .. الا تعتقد ان هاته الشريحة ذات القدرات الحسية فقدت الزعامات الروحية وبالتالى هي تتخبط وبالكاد تجد نفسها بين المادة والروح

    لانوا انا متابع جيد هناك علماء ودكاترة يبصمون شهادات ودورات وفلسفات والله كلها دجل وبالتاليلا يفرق بين فلسفة الذكاء الروحي وحيثيات ودهاليس النفس وهناك خلط عجيب

    ولان عالم ماوراء المادة عالم حقيقى حسى ليس ملموس وبالتالى لا يفقهه الا اذا كان من نفس الزمرة الحسية "o+" عالم عجيب محجوب عن الزمرة البصرية 0- التى تؤمن بالمادة جنس سالب ليس فاعل

  • نبيل

    نحن شعوب سطحية ورؤيتنا قصيرة لا تتعدى فراستها المظاهر الخارجية للأشياء. مراكز الرؤية فينا مقيدة بنمطية صورة واقع صلب ثابت لا يقبل المساءلة. ليست لدينا مخابر العلم والمنطق لفحص المظاهر والظواهر، وإن وجدت فهي تفتقد للأدوات الضرورية لقراءة شفرتها الجينية ومعرفة إفرزاتها المجتمعية حاضرا ومستقبلا. تفادي رؤية الأشياء من خلال وجهاتها واللجوء لتفحصها من خلال منظرها الجانبي سواء كان ذلك خوفا من معرفة حقيقتها أو تفاديا لإحراج الحس العام، هو جبن ونفاق، ولا يفيد المجتمع في شيء بل العكس، يزيد التلف فينا.