-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“كي تكُونوا لِمَن خلفَكم آيةً”؟!

محمد حمادي
  • 2953
  • 3
“كي تكُونوا لِمَن خلفَكم آيةً”؟!

مظاهر البكاء والصراخ والنواح، التي كان أبطالها تلاميذ مُنعوا من اجتياز البكالوريا بسبب التأخر ببضع دقائق عن الالتحاق بمراكز إجراء الامتحانات، بقدر ما فجَّرت سيلا من مشاعر التعاطف معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أبانت حجم الإفلاس الذي أصاب منظومة القيم في مجتمعنا، فأضحى يُعالج النتائج فقط ولا يقف عند الأسباب.

لكن لماذا تغيب في كل مرّة الجدّية عن القضايا المصيرية؟ لماذا فقدنا روح المسؤولية؟ أين التحضير النفسي للممتحنين؟ وأين الأولياء من مرافقة أبنائهم  طيلة السنة الدراسية وحثهم على الانضباط؟ أين دروس الوعظ والإرشاد في المساجد لتوعية التلاميذ بخصوص قداسة الوقت؟.

ما أوردته تقارير إعلامية محلية، بخصوص إقصاء 2400  مرشح في أولى امتحانات البكالوريا، بسبب التأخر عن الالتحاق بمراكز الإجراء، وبغضِّ النظر عن الإقصاء الذي اعتبره كثيرٌ من المتابعين للشأن التربوي مجحفا وظالما في كثير من المحطات، فإنه أبان حجم الاستهتار واللامبالاة اللذين أصبحا يطبعان الحياة اليومية للجزائريين، ليس فقط في الامتحانات المصيرية، وإنمّا في سائر مناحي الحياة الأخرى.

وأمام هذا اللغط الذي جعل البعض متعاطفا مع هؤلاء المرشحين، واضعا إياهم في خانة الضحية، من حقنا أن نتساءل ونقارن: ماذا لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء؟ ماذا لو عدنا إلى الجيل الذهبي والزمن الجميل لمّا كان المقبلون على اجتياز شهادة العمر، يُحضِّرون لهذا الموعد المصيري على ضوء الشموع لانعدام الكهرباء، وهناك من يتسمَّر ساعات تحت مصباح الإنارة العمومية في الحي الذي يقطنه ليراجع دروسه؟ ألم يكن كثيرٌ من التلاميذ ممن يقطنون في الأرياف يتجشمون عناء التنقل مشيا على الأقدام ويقطعون مسافات طويلة ليصلوا مراكز إجراء الامتحانات؟ وهناك من كان يمتطي ظهر دابَّة ليصل، وبالفعل وصلوا في الوقت المحدّد وأجابوا عن الأسئلة باقتدار، ولم يشتكوا من صعوبتها، ولم ينتظروا أن تُمنح لهم الإجابات جاهزة، أو تُسرَّب لهم الأسئلة، لينالوا شهادة العمر مع مرتبة الشرف، حتى الذين فشلوا كان فشلهم مشرفا.

 لكن الآن، وبرغم توفر كل وسائل النقل والراحة التي تمكِّن من التحضير الجيد للشهادة المصيرية، إلا أن الجيل الحالي بات يبحث عن الطرق السهلة، ويلهث وراء أحدث التكنولوجيات كي يوظفها في الغش، ولا يتوانى عن تمضية ليالٍ بيضاء يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لعلّ أحدهم يجود عليه بأسئلة مسربّة.

إقصاء مرشح لأنه تأخر بدقيقة أو دقيقتين عن موعد الامتحانات غير مقبول ومُجحف في حق من تعب وسهر الليالي ليحضِّر لشهادة العمر، وكان بالإمكان أن يجنح مسؤولو مراكز الامتحانات إلى اللين في مثل هذه الحالات، لكن التمادي في غضّ الطرف عن هفوات الآخرين واتخاذ التساهل سبيلا للتعامل مع الممتحنين، مرفوضٌ كذلك، لأنّه سيؤدي إلى مزيد من الانحدار في المستوى التعليمي، وسينقل عدوى التسيّب إلى الدفعات اللاحقة، لذلك أصبحت الصرامة مع التحلي بالعدل في تطبيقها على الجميع إحدى السبل التي بإمكانها أن تعيد قطار البكالوريا إلى سكَّته الصحيحة، وتحفظ لهذه الشهادة هيبتها المفقودة؛ وهي إجراءات ردعية ستكون رسالة للمقصين “كي يكونوا لمن خلفهم آية”!.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • الجاهل/صح فكوركم

    كان من المفروض أن يبدأ الإنضباط و التحضير النفسي خلال السنة الدراسية للتعود على تقدير الوقت بما يعود به من الفوائد و في هذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:((العارف ابن وقته،فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها،فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت،وإن ضيعه لم يستدركه أبدا)).

  • عبدالله

    هذه الامووور اسبابها الاولياء .
    ما مصير التلاميذ الاحرار الذين تم استدعاءهم خارج دائرتهم اكثر من 50 كلم .
    اعلمكم انه لم يتغيبوا عن الحضور وكانوا في الموعد ابتداء من الاسعة 8 صباحا و نحن في خاتم رمضان اننا نتكلم الحقيقة .
    من ناحية ثانية كيف يتم سحب استدعاء يوم 12 ماي و في يوم 11 جوان لا اعرف مركز الذي امتحن فيه هذه اموور كلها اعتباطية من طرف الاولياء و التلاميذ بالضبط.

    لا بد من الصرامة في كل شيء

  • Benmoumene boubakre

    مقال رائع ألم فيه صاحبه بكل ما كان يختلج في نفوسنا من تحسر على أيام الزمن الجميل و الشعور بالمسؤولية عند كل من الراعي و الرعية و لكن وا ...حسرتاه الى أين نحن ذاهبون بهذا الإنحطاط و الخيانة للأمانة في زمن أصبح فيه الإمام المصلح يبحث عن سيارة بالتقسيط تحت حيلة ربوية و الله المستعان اللهم يا الطف بنا و أصلح أحوالنا دينيا و دنيويا