-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا لا يستعرض الجيش المغربي قوته في الشارع؟

لماذا لا يستعرض الجيش المغربي قوته في الشارع؟

 فوجئتُ عندما شاهدت استعراض الجيش الملكي المغربي لقواته المختلفة في حفل نُظم في إحدى الثكنات بالرباط بعيدا عن أعين الرعايا، وهذا بمناسبة الذكرى الـ70 لتأسيس الجيش الملكي المغربي. لماذا نُظّم هذا الاستعراض العسكري وراء الأسوار؟ ولماذا لم يحضره الملك محمد السادس؟ ولماذا لم يستعرض مختلف الأسلحة التي يمتلكها الجيش الملكي المغربي والذي يتحدث عنها في مواقع التواصل الاجتماعي ليلا ونهارا؟

في لغة الجيوش والسيادة، لا تُقاس القوة بصفقات السلاح المودعة في المخازن، بل بمدى “التحامها” بالأرض والإنسان؛ وهنا تبرز مفارقة ديبلوماسية وميدانية تختصر المشهد المغاربي في عام 2026، فبينما تحولت شوارع الجزائر العاصمة إلى ساحات فخر مهيبة، إذ خرج الرئيس عبد المجيد تبون ليتوسط شعبه في احتفالات ضخمة، مستعرضا ترسانة الجيش الجزائري أمام العالم وأمام ملايين الجزائريين الذين صفقوا لصواريخهم ودباباتهم وطائراتهم وجنودهم في مشهد يكرس عقيدة “الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني”، نجد على المقلب الآخر مشهدا يلفه الانكسار والغموض.

     في الرباط، وفي ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية، لم يرَ “الرعايا” المغاربة جيشهم إلا من خلال صور باهتة ومسربة من خلف أسوار ثكنة حي الرياض المغلقة. هناك، وفي غياب ملكي طويل يبرره المرض، نُظم استعراضٌ صامت بعيدا عن أعين الرعايا، وتحت حراسة مشددة داخل جدران إسمنتية، وكأن القوة العسكرية في “المملكة المغربية” ليست مِلكا للوطن، بل هي أداة لحراسة النظام الملكي الذي يخشى حتى من خروج دباباته إلى الشوارع العامة.

     إن هذه المفارقة تطرح سؤالا وجوديا على “الذباب المغربي” الذي يروِّج لإشاعات العزلة: من هو المعزول عن شعبه فعليا: هل هو الرئيس تبون الذي يصافح جماهيره تحت هدير الطائرات الحربية في فضاء مفتوح، مؤكدا أن الجزائر هي مكة الثوار وقبلة الزوار من شرق الأرض وغربها؟ أم هو ذلك النظام الذي يختبئ جيشُه خلف الأبواب الموصدة، ويغيب ملكه عن المحافل، بينما تُدار ديبلوماسيته عبر الوكالة وصور الذكاء الاصطناعي؟

بين استعراض السيادة في الجزائر و”احتفال الثكنة” في الرباط، تتضح الحقيقة: الجزائر تسير بجيشها وشعبها نحو القمة، بينما يغرق الجار الغربي في عزلة فرضتها أسوار القصور، وخوف المؤسسة من الرصيف الذي لم يعد يثق في الوعود.

في فلسفة الحكم، يظل الشارع هو الاختبار الحقيقي لشرعية السلطة، فإما أن يكون ساحة للالتحام والاعتزاز، أو يتحوَّل إلى حقل ألغام يثير رعب الحكام الذين انقطعت حبال الود بينهم وبين شعوبهم. إن امتناع بعض الملوك والحكام المنبوذين عن إقامة استعراضات عسكرية في الفضاءات المفتوحة، وتفضيلهم الانكفاء خلف أسوار الثكنات المغلقة، ليس مجرَّد خيار تنظيمي، بل هو إقرارٌ ضمني بأزمة ثقة عميقة وانعكاس لـفوبيا المنصات التي طاردت الأنظمة السلطوية منذ لحظة السادس من أكتوبر 1981، إذ تظل حادثة المنصة (عملية اغتيال الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر 1981) الكابوس الأكبر الذي يؤرِّق مضاجع الحكام المعزولين عن شعوبهم؛ فهي لم تكن مجرد خرق أمني، بل كانت درسا قاسيا في التاريخ يقول: “إن السلاح الذي يُراد به استعراض القوة أمام الشعب، قد يرتد إلى صدور المستعرِضين في لحظة غفلة”. هذا الهاجس حول الغدر من الداخل جعل الحاكم الذي يفتقر إلى الظهير الشعبي يرى في جنده خطرا محتملا وفي شعبه شاهدا على نهايته، فيقرر حبس جيشه خلف الجدران الإسمنتية، خوفا من أن تتحول فوهات المدافع من التحية إلى التصويب.

إن المفارقة اليوم تكمن في المقارنة بين الحاكم الواثق الذي يحوِّل شوارع عاصمته إلى عرس وطني يلتحم فيه الجيش بالمواطن، وبين الحاكم المنبوذ الذي يرتعد من فكرة الظهور في فضاء مكشوف، مفضِّلا احتفالات صامتة داخل حصون منيعة، إذ لا يسمع صدى صوته إلا حاشيته، بعيدا عن هتافات الجماهير التي قد تتحول في أي لحظة إلى صرخات تمرد، وبعيدا عن “رصاصات المنصة” التي أصبحت رمزا لنهاية كل من اعتقد أن الجيش يحمي العرش ولا يحمي الوطن ولا الرعايا.

في الوقت الذي تصدح فيه جنازير الدبابات وهدير الطائرات في شوارع الجزائر العاصمة الواثقة بنفسها كرسالة سيادة وفخر شعبي، يختار النظام في الرباط الانكفاء خلف أسوار ثكنة حي الرياض، ليقيم احتفالاته العسكرية في غرف مغلقة بعيدا عن أعين المغاربة. هذا الإصرار على حبس القوات المسلحة الملكية داخل الجدران الإسمنتية ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو هروب مركَّب من حقيقتين مرّتين تلاحقان العرش: فوبيا الاغتيال وفضيحة السلاح.

من جهة، يعيش الملك محمد السادس هاجس انقلابات 1971-1972، و”عقدة المنصة” وتكرار سيناريو السادات؛ إذ يدرك الحكام المنبوذون أن خروج السلاح إلى الشارع في ظل أزمة ثقة مع الرعايا هو مخاطرة قد تتحول فيها طلقات التحية إلى رصاصات حسم. ومن جهة أخرى، يبرز العائق التقني الذي يحاول الإعلام المخزني التغطية عليه؛ فأغلب الترسانة التي يتباهى بها “الذباب” ليست سوى أسلحة مستعملة، وقديمة، ومنتهية الصلاحية التكنولوجية، جُمعت من مخازن الخردة الغربية لتعطي انطباعا وهميا بالقوة.

إن الخوف من تعطل آلية عسكرية وسط الشارع أمام عدسات الكاميرات، أو انكشاف حقيقة “الخردة” المستورَدة أمام الجماهير، دفع بالنظام إلى حصر العرض في فضاءات ضيقة ومتحكم فيها، إذ يمكن تلميع الصورة بعيدا عن الواقع الميداني المرير. هكذا، يظل الجيش الملكي سجين الثكنات، لا لحماية الوطن والرعايا، بل لحماية صورة نظام يخشى أن يفضح الشارع هشاشة سلاحه، وتكشف “المنصة” عمق عزلته عن شعبه.

في كل عام، تحاول الآلة الإعلامية في الرباط تصوير مناورات الأسد الإفريقي على أنها استعراضٌ لعضلات الجيش الملكي، لكن الحقائق الميدانية في عام 2026 جاءت لتكشف المستور وتضع النقاط على الحروف، فخلف الضجيج الإعلامي المفتعل، بدت المشاركة المغربية باهتة ومثيرة للشفقة؛ إذ ظهرت الترسانة المشارِكة في أغلبها عبارة عن قطع قديمة ومنتهية الصلاحية، تجاوزها الزمن التكنولوجي، لتبدو كأنها ديكورات مكمِّلة لا أكثر في مسرحية تقودها واشنطن.

إن المفارقة الصارخة في هذه المناورات تكمن في التفاوت التقني الذي لا يمكن إخفاؤه؛ فالسلاح المتطور، والأنظمة الدفاعية الذكية، والقدرات النارية الضاربة كانت حكرا على الطرف الأمريكي وحده، الذي يستخدم هذه المناورات لاختبار جاهزيته هو، بينما يكتفي الجانب المغربي بدور “الكومبارس” بأسلحة مستعمَلة ومتهالكة جُمعت من مخازن الفائض الغربي.

هذا الانكشاف الميداني يفسر لماذا يهرب النظام من تنظيم استعراضات عسكرية حقيقية في شوارع المدن الكبرى؛ فالعجز عن مجاراة التكنولوجيا الحديثة، والاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية لتغطية عيوب “الخردة” القديمة، جعل الجيش الملكي قوة حبيسة للثكنات والتمارين الاستعراضية المحدودة. إن “الأسد الإفريقي” لم يعد يمثل قوة المغرب، بل أصبح الدليل الدامغ على تبعيته العسكرية، وعلى حقيقة أن السلاح الذي يمتلكه ليس سوى صدى لماضٍ سحيق، في حين تظل القوة الحقيقية والحديثة حكرا على أصحابها في الضفة الأخرى من الأطلسي.

في الوقت الذي كانت فيه الأبواق الإعلامية في الرباط تحاول صياغة ملاحم وهمية حول مناورات الأسد الإفريقي 2026″، جاءت الوقائعُ الميدانية في منطقة “تان تان” غير بعيدة عن أكادير، لتصفع هذا الغرور وتكشف عن هشاشة بنيوية وفشل عملياتي ذريع؛ فالعجز الصارخ عن تأمين المناورات، والذي أدى إلى فقدان عسكريين أمريكيين في عرض البحر، لم يكن مجرد حادث عرضي، بل كان فضيحة عسكرية متكاملة الأركان، إذ وقف الجيش الملكي مشلولا وعاجزا عن إدارة عمليات البحث والإنقاذ في مياهه الإقليمية، تاركا المهمة برمتها للوحدات الأمريكية التي تولت العبء الأكبر في البحث المضني الذي استغرق أياما قبل العثور على الجثة الأولى، بينما لا يزال مصير العسكري الثاني مجهولا تحت وقع العجز المغربي.

إن هذه الفضيحة الميدانية تطرح تساؤلات مشروعة ومؤلمة حول معنى الاحتفال الذي نُظم خلف أسوار ثكنة حي الرياض بالرباط. كيف يحق لمؤسسة عسكرية أن تقيم مراسم الفخر وتوزع الأوسمة، وهي التي فشلت في أبسط مهام التأمين اللوجستي والعملياتي لشركائها في مناورة استعراضية؟ إن العجز عن العثور على جثث مفقودين في منطقة مناورات محددة يُسقط ورقة التوت عن دعاية “الاحترافية” ويكشف أن هذا الجيش، الذي يختبئ خلف الثكنات، يفتقر إلى أدنى مقومات الجاهزية والتحكم في الميدان.

بدلا من تقديم كشف حساب عن هذا التقصير الذي مسّ سمعة الدولة المضيفة، اختار النظام الهروب إلى الأمام باحتفال صامت ومعزول عن الرعايا، وكأن جدران الثكنات قادرة على حجب شمس الحقيقة. إن جيشا غرق في رمال الصحراء الغربية منذ أكثر من خمسين سنة، ويفشل في تأمين تمرين ويقف عاجزا عن إنقاذ حلفائه، لا يملك من أسباب الاحتفال سوى الوهم، في حين تبقى الحقيقة مدفونة في أعماق المحيط، شاهدة على سقوط “الأسد” في أول اختبار حقيقي للسيادة والسيطرة.

المفارقة اليوم تكمن في المقارنة بين الحاكم الواثق الذي يحوِّل شوارع عاصمته إلى عرس وطني يلتحم فيه الجيش بالمواطن، وبين الحاكم المنبوذ الذي يرتعد من فكرة الظهور في فضاء مكشوف، مفضِّلا احتفالات صامتة داخل حصون منيعة، إذ لا يسمع صدى صوته إلا حاشيته، بعيدا عن هتافات الجماهير التي قد تتحول في أي لحظة إلى صرخات تمرد، وبعيدا عن “رصاصات المنصة” التي أصبحت رمزا لنهاية كل من اعتقد أن الجيش يحمي العرش ولا يحمي الوطن ولا الرعايا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!