-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لن نتوب..!!

مروان ناصح
  • 1292
  • 1
لن نتوب..!!

-1-بعد انتهاء أحد المواسم الدرامية، دفعني خاطر عابث، إلى استطلاع آراء بعض المخرجين، في بعضهم الآخر، وأعمالهم الجديدة المعروضة، فسألت المخرج (أ) عن عمل المخرج (ب)، فمط شفتيه قائلاً:- وهل هذا مسلسل..؟! إنه كارثة! وهل هذا مخرج؟! إنه أكذوبة!ورسم المخرج (ب) على شفتيه ابتسامة هازئة، وهو يبدي رأيه، في عمل المخرج (أ):- عمل تافه!! ومخرج فضيحة!!

وتحدث المخرج (ج) عن عمل المخرج (د) وهو يهز برأسه يمنة ويسرة:

 لقد أبحر بعيداً إلى الماضي هذه المرة.! ما علينا.. دعه “يسترزق”..! 

وتلعثمت الكلمات في شفتي المخرج (د) ثم تماسك، وضبط أعصابه، متحدثاً عن المخرج (ج):

لا أنكر أنه من الرواد الأوائل.. وأنني تعلمت على يديه هذه الصنعة.. ولكنه الآن مجرد مسكين، يغمس لقمته في الدبس العتيق..!! 

وضحك المخرج (هـ) ضحكة المتشفي، وقال عن المخرج (و):

عمل ساذج لرجل مظلوم.! فقد ظلمه من “توسط” له ليكون مخرجاً..!!

وحدثتني نفسي بفضول الخائبين: في كلِّ هذه السنين الطوال التي أمضيتَها في صفوف جوقة الفن الدرامي، لم تقرأ، ولم تسمع، لأحد من أفراد هذه الجوقة  نقداً ذاتياً، يلقي فيه شعاعاً من الحقيقة على تجربته العملية، أو يسأل نفسه “المتعملقة” عن مواطن الضعف، ومزالق الخطأ، في أعماله، أو يعترف بأنه “ظلم” نفسه، و”ظلم” الآخرين معه، وظلم الجمهور أيضاً، حين ارتكب إحدى الحماقات الفنية التي لا يخلو منها تاريخ أحد.. حتى العباقرة..!!

فهل سيظل الشاعر نزار قباني هو الوحيد  بين المبدعين العرب الذي جلس على كرسي الاعتراف أمام نفسه، ليدلي بأخطر تصريح ذاتي، يميط به القناع عن حقيقة نظرته إلى ذاته، وهو يختتم رحلته “الشعرية” في “ساعة” صدق:

“إذا رجعتُ ساعةً لنفسي

أحس أنني مُهرج عجوز

يقذفه الجمهور بالصفير والشتيمة..!!”

2

إذا كانت الحكمة العربية الموروثة تقول: “إن إرضاء الناس غاية لا تدرك” فإن إرضاء الوسط الفني، في مسألة الاتفاق على الأعمال “المميزة” تبدو لنا ضرباً من السباحة في “نهر الجنون” الذي عرض لنا حكايته الكاتب توفيق الحكيم، في مسرحية بهذا الاسم، حيث يضطر العاقل الوحيد الذي لم يشرب من ذلك النهر في مدينة الحكاية إلى الانخراط في ذلك الجنون الجماعي الرهيب…!!!

وما أقل أصحاب الآراء البريئة في هذا الوسط…!!

بعض النقاد لا يعدون غياب الموضوعية بين الفنانين نقيصة أو انحداراً في سلم الجماليات التي يسعى الفنانون أنفسهم إلى تأكيدها في حياة الناس..!! وإلا فلن يكون هناك معنى للحكمة الشعبية: “باب النجار مخلوع”..!! وبعض المراقبين للحياة الفنية يرون أن غياب الموضوعية عند الفنانين هو الأوضح.. مع أن كثيرين سواهم من الأوساط الاجتماعية الأخرى يفوقونهم في الأحكام الذاتية والعاطفية..!! وما أجمل تلخيص الكاتب الروسي “دوستويفسكي” لأزمة الفنان مع عواطفه ومصالحه، حين كتب في يومياته: “لقد أحببت وتعذبت..!! وكرهت وتعذبت..!! ووقفت على الحياد وتعذبت..!! ولكنني عشت..!!”.

3

كان صديقي الفنان الكوميدي الراحل “الفاضل سعيد” يزور دمشق كثيراً لهدفين: الاستشفاء من مرض “ملعون” على حد تعبيره، والبحث عن فرصة للظهور في الدراما السورية.

وكان في بلده “السودان”، أشهر من بعض الفنانين الكوميديين العرب، وله في مسرحه شخصيتان عُرف بهما، ويؤديهما معاً في كل مسرحية، وهما شخصية “العجب” التي تشبه في ملامحها العامة كلاً من شخصيتي “غوار الطوشة” و”الواد سيد الشغال” والشخصية الثانية هي “أم قضيم” وهي نسخة سودانية عن شخصية العجوز الشامية “أم كامل” التي ابتكرها واتخذها قناعاً مضحكاً الفنان السوري الراحل “أنور البابا”.

وكانت للفاضل سعيد فرقة صغيرة، ومسرح “فقير”، يتجول بهما في مدن وقرى السودان فسيح الأرجاء.. حيث “يتجمّع” عنده الصغار والكبار، الأميون والمتعلمون، ليمارسوا معاً طقساً من الضحك الجماعي الموجّه ضدّ الفقر والجهل والكآبة، والوقاحة الجارحة للروح؛ في وسائل الإعلام التي تمطر الناس ليل نهار، بمرادفات لا حصر لها لجملة واحدة: “كل شيء تمام..!!” وكان يردد في كل مكان جملته الأثيرة: يجب أن يدخل الضحك بنداً أساسياً في بنود حقوق الإنسان..!! كما كان يعتبر النظر إلى العالم بعين الفكاهة والنقد والسخرية هو “الذنب” الذي لا يرجو له مغفرة من أحد..!! فقد كان يحب نجاة الصغيرة وهي تغني منفعلة بأبيات “كامل الشناوي”، في قصيدة “لا تكذبي”: ورأيت أنكِ كنت لي ذنباً سألتُ الله ألا يغفره..!! ولما كان الشاعر يقصد “المعشوقة”.. فإنّ “الفاضل سعيد” كان يعني “الفكاهة والسخرية”..!!

ومرّة كنت بصحبته في رحلة من رحلاته الفنية، ضمن ولاية “ود مدني” في وسط السودان، فواجهتنا “لافتة” على مشارف جسر على النيل الخالد، تعلن عن وصولنا إلى مدينة اسمها “حَنتوب” ففاجأنا بطلبه من السائق أن يتوقف، ويعود بنا من حيث جئنا، وحين سألته:

لماذا؟.. وما الذي حصل؟!!

أجابني وهو يشير بإصبعه نحو تلك اللافتة ضاحكاً:

لأننا “مشْ حَ نتوب”..!!

 

رحم الله الفنان السوداني الكبير “الفاضل سعيد”.. فما تذكرته يوماً إلا تذكرت عالم اللغة العربية “الفراء” الذي قال: أموت وفي نفسي شيء من “حتى”.. ذلك أن صديقي “الفاضل” رحل عن الدنيا وفي نفسه شيء من الدراما السورية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • حنصالي

    "لقد أحببت وتعذبت..!! وكرهت وتعذبت..!! ووقفت على الحياد وتعذبت..!! ولكنني عشت..!!".

    هاذا هو الصراع المفضل لدى الموهوب "صراع المسخرة مع القدر" كانه شيئ من الضحك والعجب ولو تلاحض ان الموهوب والعبقرى يسخر من نفسه ومحيطه كثيرا .. القدر يبعث بسخريته المعهودة والموهوب يقاوم بسخريته المعتادة وحاشى "الله هو القدر"

    اشياء حقيقة تحير ويصعب فهمها نتعايش معها فقط

    وتبقى افضل منطقة للعيش هي بين ضفتي بحيرة العقل "العضو "وبحر الجنون" الدهاليز" يستحيل تصنيفك هل انت عاقل ام مجنون وتكون محل رهبة وتقدير وتميز