-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لهذا ينتقمون من غزة!

سلطان بركاني
  • 1301
  • 0
لهذا ينتقمون من غزة!

لا يزال “مثلّث القسّام” يعمل عمله في آليات العدوّ الصّهيونيّ وجنوده.. مئات الجنود الصهاينة أمسوا -بعون الله- جيفا على أرض العزّة، وأكثر من 160 دبابة ميركافا متطوّرة تمّ تدميرها جزئيا أو كليا.. صوت أبي عبيدة لا يزال يدوّي ويلقي -بإذن الله- الرعب في قلوب الصهاينة وآخرين من دونهم.. ملاحم لم يجد الصهاينة أمامها إلا أن ينتقموا من النّساء والأطفال والعزّل، ويستعرضوا أسلحتهم -التي تحارب من المسافات البعيدة ومن وراء جدر- على المستشفيات والمدارس والمساجد والمساكن!
ثمانية وثلاثون (38) يوما من القصف والتّدمير، والتّرويع والتهجير، أصاب فيها أهلَنا في غزّة ضرٌّ كبير وزلزلوا زلزالا شديدا، على مرأى ومسمع من العالم.. أصبح الحصول على الماء الصّالح للشّرب حلما صعب المنال. أمّا الحصول على الطّعام فهو أصعب وأقرب إلى المحال، وقد روى أحد أهالينا هناك أنّه حصل على 3 لترات من الماء بعد 10 أيام من الحرمان، وسعد وثلاثةٌ معه أنّهم حصلوا على بصَلة اقتسموها بعد أيام من الجوع.. الشهداء يرتقون في كلّ يوم بالمئات، وفي كلّ 10 دقائق تقريبا يستشهد طفل بريء تحت القصف الصهيونيّ!
المصيبة الأكبر ليست في البيوت التي تسوّى بالأرض، ولا حتّى في الأطفال الذين يُستشهدون، فهم أحياء عند ربّهم يرزقون.. إنّما هي في الأطفال الذين ينتشلون من تحت الأنقاض أحياء وقد امتلأت قلوبهم رعبا وأصيبوا بأمراض نفسية مستعصية. أحد الأطفال انتشل من تحت ركام بيته حيا. لكنّه خرج وعيناه جاحظتان وأجفانه لا تتحرّك، فمه فاغر لا يغلق. من هول الصّدمة ما عاد يستطيع البكاء ولا الصراخ ولا الكلام. حاول الطّبيب أن يحرّكه أو يغلق فمه فما استطاع!
ربّما لو تساءلنا: لماذا يصرّ الصهاينة على تدمير غزّة وإفناء أهلها؟ ولماذا يتعمّدون قتل الأطفال وترويعهم؟ لكان الجواب المتوقّع: إنّهم يريدون اضطرار المقاومة إلى الاستسلام.. وهذا لا شكّ أحد أهدافهم، لكنّ هناك هدفا ربّما يكون أهمّ بالنّسبة إليهم.. إنّهم يتابعون -بكلّ اهتمام- ما يحصل في غزّة من تطوّرات. ينظرون -بخوف ورعب- إلى الجيل الجديد الذي يتربّى في غزّة التي أصبحت وأمست تُعِدّ للصّهاينة أسودا ولبؤات يتربّون على القرآن والجهاد ويحبّون الموت كما يحبّ الصّهاينة الحياة.
الصّهاينة يتابعون ما يجري في غزة من كثب. آلاف الحفظة يتخرجون في المساجد كلّ عام؛ شبابهم مشاريع مجاهدين ينْظمّون إلى المقاتلين في الجبهات، يخطّون طريقهم بالأنفال والتّوبة.. وفتياتهم مشاريع أمّهات يلدن ويربين مزيدا من الأسود.. أهل غزّة هم الآن أكثر شعوب الأمّة اهتماما بالقرآن والجهاد. ولو لم تتحرّك كتائب القسام في السابع من أكتوبر الماضي لمباغتة الصهاينة، لكان الصهاينة تحرّكوا لمهاجمة غزّة.. لقد نفد صبر الصهاينة مما يرون ويعاينون في القطاع من إعداد واستعداد.
53 يوما قبل طوفان الأقصى، في الـ15 من شهر أوت الماضي، كانت جمعية القرآن والسنّة في غزّة، بالتعاون مع وزارة الأوقاف هناك، نظّمت النسخة الثانية من مشروع “صفوة الحفاظ”، شارك فيها 1471 حافظٍ لكتاب الله، سردوا القرآن الكريم كاملا في يوم واحد من بعد صلاة الفجر حتى صلاة المغرب، بينهم الطّفل الذي لم يتجاوز الثّامنة من عمره، وبينهم الشّباب والشابّات، وبينهم الكهول والشيوخ والعجائز، وبينهم عجوز في الخامسة والثمانين من عمرها سردت القرآن الكريم حفظا في يوم واحد.. كان يوما مشهود امتزجت فيه الفرحة بالدموع بالدّعوات بسجدات الشكر.. وقد انتشرت مقاطع مؤثّرة لهذا اليوم تدمع لها العيون وتخفق لها القلوب، عجائز يبكين بكلّ حرارة ويسجدن لله شكرا على أن وفّقهنّ لسرد كلامه في يوم واحد.. أطفال يعانقون آباءهم ويبكي الآباء والأبناء ويسجدون شكرا لله.. فتيات يعانقن أمّهاتهنّ وتبكي الأمّهات والبنات في مشهد كأنّه يوم في الجنّة.
أسبوعان بعد ذلك اليوم، في الـ31 من شهر أوت الماضي، أي 23 يوما قبل طوفان الأقصى، كان يوم التكريم، واجتمع النّاس في ملعب غصّ بالحاضرين.. وخرج موكب النّور، موكب مؤلف من 1471 حافظٍ وحافظة لكتاب الله.. شبابهم وجوههم كالبدر في ليلة التّمام، والفتيات كالجبال الراسيات حشمة وعفافا ووقار وعزّا وإباءً.. ليردّد الجميع قسم الحفّاظ: “نعاهد الله -تعالى- على أن نكون من أهل القرآن تلاوة وتدبرا وعملا.. نعاهد الله على أن نتخلّق بأخلاق القرآن، ونتأدّب بآدابه، ونجتهد في خدمته.. نعاهد الله -تعالى- على أن نحافظ على عهدنا مع القرآن، وأن نصاحب القرآن، ونواظب على وردنا اليوميّ.. نعاهد الله على أن نكون أمناء على هذه الأمانة العظيمة الجليلة، أمانة القرآن”.. كان مشهدا مهيبا تنشرح له صدور المؤمنين وتغتاظ له قلوب الكافرين والمنافقين.. مشهد لا شكّ أنّه قد فعل فعله في قلوب الأعداء الذين لا يعجبهم أن يروا شباب الأمّة وهم يحفظون القرآن ولا يروقهم أن يروا فتياتها يتزينّ بالحجاب والوقار، خاصّة إذا كان أولئك الشّباب والفتيات يحملون حلما كبيرا هو تحرير فلسطين واستعادة الأقصى، وقد كشف رئيس الوزراء الصهيونيّ نتنياهو عن هذا الذي يعصر قلوبهم حينما قال: “لن نسمح بأن يبقى في غزّة من يحمل العداء لإسرائيل”!
في الوقت الذي انشغل فيه أكثر المسلمين بدنياهم، كان العمل في غزّة قائما على قدم وساق، تحت الأرض وفوقها.. لأنّ أهل غزّة أدركوا الرّسالة التي شرّفوا بها، والمهمّة التي أنيطت بهم، وهم بإذن الله أهل لها: ((فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)).. رجالهم ونساؤهم وحتى أطفالهم يحملون قناعة راسخة أنّ الله اختارهم ليكونوا هناك لمهمّة عظيمة يعدّون لها: يقول الصّادق المصدوق -عليه الصّلاة والسّلام: “عليكم بالشَّام، فإنَّها صفوةُ بلادِ اللهِ، يُسكِنُها خيرتَه من خلقِه، فمن أبَى فليلحَقْ بيمنِه، وليسْقِ من غُدَرِه، فإنَّ اللهَ تكفَّل لي بالشَّامِ وأهلِه” (صحيح الجامع).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!