لهذه الأسباب تريد أمريكا “التحالف” مع الجزائر
يقوم وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، يومي 2 و3 أفريل، بزيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد هام بدعوة من وزير الشؤون الخارجية، رمطان لعمامرة، للمشاركة في أشغال الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي الجزائري ــ الأمريكي الذي عقدت دورته الأولى بواشنطن في أكتوبر 2012.
وعلى الرغم من تزامنها مع الحملة الانتخابية لرئاسيات الـ17 افريل القادم، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية، لا تنظر إلى الأمر بنفس الزاوية التي ينظر إليها بعض المرشحين الذين يعتقدون أن كيري، جاء لدعم بوتفليقة، وهذا بالنظر إلى المصالح الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر.
وبخصوص توقيت الزيارة، فإن الأزمة الأوكرانية التي مثلت ضغطا إضافيا على أجندة كاتب الدولة الأمريكي وتحركاته العالمية، لم تثني كيري، عن زيارة الجزائر التي توليها الإدارة الأمريكية أهمية كبرى ضمن إستراتجيتها في القارة الإفريقية، من خلال الحرص الأمريكي على تنمية محور الجزائر ــ نيجريا ــ جنوب إفريقيا الذي بدأ في الظهور إلى العلن في العام 2001، وزادت أهميته خلال العشرية الأخيرة بفضل التقارب القوي بين الجزائر وهاتين الدولتين المحوريتين في القارة الإفريقية في نظر الإدارة الأمريكية، وخاصة أنهما دولتان ناطقتان باللغة الانجليزية، فيما تتمتع الجزائر ونيجيريا بمقدرات هامة في مجال المحروقات، وتتمتع الدولة الثالثة وهي جنوب إفريقيا بالقوة التكنولوجية التي بدأت في تصديرها نحو الجزائر ونيجيريا بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، وخاصة تكنولوجيا المراقبة الجوية للأرض والطائرات من دون طيار وبعض التقنيات الحساسة الأخرى.
وبالعودة للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والجزائر، تطفو إلى السطح الرغبة الأمريكية في تحييد الهيمنة الصينية على الموارد الطاقوية التي تتوفر عليها القارة، وخاصة النفط والغاز وبعض المعادن النادرة التي لا يوجد لها مثيل خارج القارة الإفريقية، فضلا عن بروز مخاوف أمريكية من تقارب أوروبي روسي على خلفية الطاقة، حيث تراقب شركة “غاز بروم” الروسية 30 % من السوق الأوروبية للغاز، حيث تتمثل المخاوف الأمريكية في أن سيطرة الصين على منابع الطاقة في القارة الإفريقية، سيدفع بأوروبا إلى التعامل مع الدب الروسي تحت طائلة شروط جديدة، من منطلق أن تمتين العلاقات من الولايات المتحدة وإفريقيا هو ضمانة جيّدة لعلاقات قوية بين القارة الإفريقية وأوروبا في إطار التقسيم الجديد للمهام في العالم الذي هو في طور التشكل.
وبعيدا عن الشؤون “الجزائرية ــ الجزائرية”، فإن الإدارة الأمريكية تعرف جيدا جودة العلاقات الجزائرية ــ الإيرانية، وهذه أيضا ورقة على درجة عالية من الأهمية في زيارة كيري، في سياق مساعي بلاده في تحقيق تقارب هادئ وناعم مع طهران، كما يهم أيضا الإدارة الأمريكية، معرفة رأي الجزائر في ملفات أخرى تهم المنطقة والعالم وعلى رأسها ملف سوريا وفلسطين، كما يمثل ملف محاربة الإرهاب نقطة التقاء مهمة بين الإدارتين الجزائرية والأمريكية التي تربطهما في حقيقة الأمر علاقات ثقة عالية جدا تاريخيا، مثلت الوساطة في ملف السفارة الأمريكية في طهران، واحدة من النقاط المضيئة فيها، وهو ملف يؤكد أن الجزائر كانت وما تزال قادرة على لعب أدوار مهمة في العلاقات الدولية في إطار الظروف الراهنة، بفضل الثقة والاحترام الذي توفر لها مع جميع الفاعلين في العالم، من أمريكا إلى روسيا وأوروبا وصولا إلى الصين، ثم أيضا بفضل التضحيات الكبيرة التي دفعتها لمحاربة الإرهاب الدولي منفردة من أجل تحقيق الاستقرار خلال مرحلة تسعينيات القرن الماضي، والتي مثلت تحديا تمكنت الجزائر من رفعه والتغلّب عليه إلى درجة أن الجزائر كانت دائما المصدر الموثوق لتزويد شركائها الأوروبيين بالغاز الطبيعي بدون انقطاع حتى في ظل الظروف القاهرة التي مرت بها مع الإرهاب الدولي، الذي استهدفها وبعض خلافاتها مع المغرب، ومع ذلك لم نر يوما الجزائر توقف أنبوب الغاز نحو إسبانيا.