لهف أم لهفة؟
عندما يفوق عدد المسجلين في موقع وكالة “عدل” الـ200 مسجّل، في يومين، ويتجاوز عدد المحاولين أو المستفسرين 16 مليونا خلال يومين أيضا، فعلينا جميعا، شعبا وحكومة، أن ندقّ ناقوس الخطر، فهل هو لهف أم لهفة!
قال لي أحد المخضرمين، وأعتقد أن له نسبة كبيرة من الحقّ والأحقية، أن الأرقام المعلن عنها رسميا وغير رسمي تؤكد مجموعة من المؤشرات والقرائن، حتى وإن كان بعضها حقيقة والآخر سرابا:
أولا : تكشف الأرقام والطوابير والتهافت، أن هناك أزمة سكن خطيرة، سرعان ما تحوّلت إلى “مأساة وطنية” تستدعي “مصالحة مع الذات” لتجاوز آثارها وأحقادها!
ثانيا: ثمّة أزمة ثقة، بين المواطن والإدارة، فالجميع يتسابق لتسجيل نفسه، وكأنّ الدنيا ستنتهي والعياذ بالله، وستقوم الساعة في الساعة التي تنتهي فيها آجال أو مهلة التسجيلات الالكترونية!
ثالثا: هذه اللهفة تؤكد أن هناك جحافل من النصابين والمحتالين والسماسرة والبزناسية والباندية، ممّن يريدون ركوب باخرة “عدل” لبلوغ الضفّة الأخرى وتعمير “الشكارة” خارج القانون والأخلاق!
..عندما يسجّل شخص نحو 20 مرّة، فهذا دليل على “اللهفة” والحاجة والمحنة والارتباك والخوف من الغد والتسابق على “الغنيمة” قبل أن تنتهي!
..عندما يسجّل كلّ أبناء العائلة الكبيرة والصغيرة إلكترونيا في مثل هذه البرامج الجديدة، فهذا دليل على تفكّك الأسرة والرغبة في “الاستقلالية” أو التمرّد والعصيان، أو البحث عن مخارج النجدة للتحرّر من مشاكل عائلية تحوّل مع تغيّر الأجيال إلى حرب باردة وساخنة!
..عندما “ما يحشمش” المستفيد سابقا من سكن بإحدى الصيغ التي توفرها الدولة، ويسجّل نفسه مرّة أخرى وعاشرة ضمن برنامج “عدل”، فهذا دليل على “اللهف” وحبّ الذات والأنانية وخرق القانون!
..عندما يتسابق العزّاب مع المتزوّجين للحصول على سكن، ونحن في عام 2013، فهذا دليل على أن البلاد تعيش أزمة أولويات، وأن كلّ طرف يرفض التنازل للطرف الآخر مهما كان محتاجا!
..عندما يتزاحم عزاب على تسجيل أنفسهم في برامج سكن، وقد تجاوزوا سنّ الأربعين، ومنهم من أصبح كهلا أو شيخا، دون أن يُتمم نصف دينه، بسبب عدم استفادته من مسكن، فهذا دليل آخر على أن الأزمة هي أزمة مجتمع يمارس “الحڤرة” ضدّ أفراده!
..عندما تزاحم النساء و”البابيشات”، معشر الرجال و”المساطيش” في طابور السكن بمقاهي الأنترنيت، فهذا دليل على أن السكن لم يعد أزمة تُبكي حصريا الجمع المذكـّر السالم، فقط، وإنما أضحت أو تكاد تتحول إلى مودة وامتياز ووسيلة ضغط وسلاح كيماوي تستخدمه الأنوثة لبسط المساواة وتحتمي به أيضا من غدر الرجال وبطش المجتمع!
لا غرابة، لو أحصى نظام الإعلام الآلي، اكتتابات أبناء وزراء وولاة ورؤساء دوائر ومسؤولين كبار وأولاد رجال المال والأعمال والبورجوازية، طالما أن الأغلبية تعتقد أن من لم ينتزع “هبرة” اليوم لا يلوم إلاّ نفسه”!
إن الأرقام التي فجّرت شبكة الأنترنيت، هي أرقام مفزعة ومخيفة ومرعبة بكلّ المقاييس، وتستدعي وقفة شجاعة وتحليلا نفسيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، عميقا ومعمّقا ومدققا، قبل استفادة كلّ هؤلاء الآلاف من مسكن، حتى يتم وضع النقاط على حروف تراجيديا السكن التي لا تريد أن تنتهي!