-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا بعد ابن باديس؟

سلطان بركاني
  • 62
  • 0
ماذا بعد ابن باديس؟

مرّت بنا يوم الخميس الماضي الذّكرى السادسة والثّمانون لرحيل علاّمة الجزائر الإمام الهمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله-، وكالعادة، أُحييت المناسبة في المساجد والمؤسّسات التربوية والثقافية بدروس ومحاضرات وأنشطة تبرز جوانب من سيرة ومسيرة الشيخ ابن باديس، وتُشيد بالعلم وتُبرز مكانة العلماء.. وهذا –لا شكّ- مطلوب ومهمّ، لكنّنا -معشر الجزائريين- في مثل هذا الزّمان ومثل هذه الأعوام، أحوج لأن نسأل ونتساءل: أين نحن من ابن باديس؟ وأين نحن من ميراثه ووصاياه؟ أين نحن من القضايا التي حمل همّها ونذر حياته للدّفاع عنها؟

ابن باديس – رحمه الله – عاش زمانه، وخاض أهمّ المعارك التي كانت محتدمة في أيامه، ومات في عمر العطاء مُجهَدا بجَلده وتفانيه في خدمة قضيته، ومثقلا بالهمّ الذي أرّق ليله وأضنى نهاره.. ابن باديس، حارب الخرافة التي تشوّه بهاءَ ونضارة دين الله الحقّ الذي يربط النّاس بخالقهم العليّ الأعلى من دون وسائط أرضية لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا، وانتصب للأضاليل التي كان يعتاش عليها الاستعمار، ويقتات منها لتثبيت وجوده وبسط سيطرته، الأضاليل التي توسوس للنّاس بأنّ الاستعمار قضاء وقدر لا طاقة للأمّة بمواجهته.. وصرخ في الطرقيين ليكونوا صوفيين بحقّ، من طينة الأمير عبد القادر وبوعمامة والمقراني والحدّاد.. وصرخ في وجه الاندماجيين الذين يريدون إلحاق الجزائر بفرنسا، فقال:

شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ * وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ * أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ * رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ.

ابن باديس أدّى ما عليه، ومن واجبنا نحن أن نسأل: ماذا بعد ابن باديس؟ الإسلام الصافي النقيّ الذي عاش به ابن باديس وعلّمه ودافع عنه، أصبح شعارا نرفعه ولا أثر له في واقعنا، بعد أن أحللنا مكانه نُظما استوردناها وأعرافا قدّسناها وأهواءً اتّبعناها. والاستعمار الذي كان ابن باديس يُعدّ العدّة ويربّي الرّجال لمحاربته، أصبح قِبلة لبعضنا، وأرضه مقصدا لأهل السّلب وبعض المستلبين منّا، ولغته أصبحت فخرا عند بعضنا. اللغة العربيّة التي أحبّها ابن باديس وخطب وكتب بها ودافع عنها، أضحت يتيمة بيننا وغريبة بين أبناء الجيل الجديد الذي أحلّ محلّها دارجة مبتذلة وفرنسية مكسّرة.

ماذا لو قُدّر لابن باديس أن يخرج من قبره الآن، بعد 86 سنة من وفاته، ويرى الجزائر على حالتها التي هي عليها الآن؛ هل سيفرح لما نحن فيه ولما يشغلنا؟ هل سيفخر لحال مؤسّساتنا ومدارسنا وجامعاتنا وحتى مساجدنا؟ وهل سيعجبه لباس بناتنا وشبابنا؟ أم إنّه سيحزن ويبكي لحال رجالِ ونساء وشباب وشيب هذا البلد؟

الجزائر بلد مسلم وشعبها مسلم، لكنّنا في أمسّ الحاجة لأن يكون احتفالنا بابن باديس حقيقة وواقعا، وليس كلماتٍ وشعارات. نريد للاستعمار أن يجرَّم ويعادى ويطالبَ بالتعويض، ونريد للغة العربية أن تعمّم وتتبوأ مكانتها في المؤسّسات والإدارات والجامعات والمدارس وفي وسائل الإعلام. نريد للرّبا أن يحاصر وللزّنا أن يجرّم ويعاقب مقترفوه وللخمور أن يجرّم إنتاجها وتعاطيها وبيعها. نريد لوسائل إعلامنا أن تكون منابر لنشر الفضيلة وإشاعة الجدية وليس لإشاعة التفاهة والتحريض على كسر الطابوهات!

الإمام ابن باديس – رحمه الله – خاض معارك عصره، فاشتبك مع الخرافة وسعى لاقتلاع الجذور التي يتغذّى منها الاستعمار. ونحن في زماننا هذا مطالبون بأن نواصل مسيرة ابن باديس، فنشتبك مع الباطل الذي تجدّد في صور أخرى ولبس جلودا مختلفة؛ نشتبك مع العلمانية التي تريد لنا أن نضع ديننا وشريعة ربّنا في المتحف أو في أحسن الأحوال أن نحجر عليها بين جدران المساجد، ونعيش حياتنا كما يريد لنا الغربيون؛ بناتنا كاسيات عاريات، وشبابنا لا همّ لهم إلا المغامرات واتخاذ الخليلات واللهث خلف التفاهات. نشتبكُ مع المناهج المنبتّة التي تريد لنا أن ينشغل بعضنا ببعض وننشغل بالطعن في العلماء الربانيين والمرابطين الثابتين، ونعادي كلّ من يقاوم الاستعمار الصهيو-صليبيّ. نشتبكُ مع كلّ من يريد بالجزائر شرا ويسعى لأن تظلّ تابعة لغيرها في هويتها وثقافتها ولغتها وسياستها واقتصادها!

الإمام ابن باديس حارب الجهل والجهالة، ونذر حياته لبثّ العلم الصّحيح الذي ينبذ الخرافة والقعود والتواكل، ونحن من واجبنا أن نواصل مسيرته، فنشتبك مع الجهل الذي أصبح في زماننا هذا ألوانا وفنونا!

الجهل لم يعد يعني في زماننا هذا ألا يحسن المرء القراءة والكتابة، إنّما يعني أن يكون قارئا وكاتبا لكنّ رأسه فارغ، وهمّه نازل، وهمّته ساقطة.. كثير من شباب الأمّة في هذا الزّمان، الواحد منهم يحسن القراءة والكتابة، وربّما يحمل شهادة جامعية، لكنّه يجهل أبجديات دينه؛ لا يعلم من أمور الدّين إلا ما تعلّمه في سنوات الابتدائيّ، ولا يدري شيئا عن عقيدته وعمّا يجب عليه أن يعلمه عن خالقه ومولاه، ولا يعلم أبسط الأحكام التي يجب عليه أن يعلمها ممّا يتعلّق بالطّهارة والصّلاة والصّوم! أمّا فهم حيثيات الصراع بين الإسلام والعلمانية وخبايا الصراعات التي تنشب في هذا العالم بين أمّة الإسلام وبين الأمم الأخرى، فذاك يراه فضولا زائدا. معارك الأمّة وقضايا الدّين كأنّها لا تعنيه، كلّما حدّثته في شأن من الشؤون، قال لك: دعنا من السياسة! ما يعنيه ويهمّه هو الفريق الأوروبيّ الذي يفوز بكأس الأندية الأوروبية، والفرق التي ستشارك في بطولة كأس العالم وكأس إفريقيا.. والهمّ الأكبر له هو أن يكون محلّ إعجاب من المتسكّعات في مواقع التواصل. وإن كان فتاة فالهمّ الأكبر لها هو تكون لديها ثقافة واسعة فيما يتعلّق بالجديد في عالم الموضة والألبسة، ويكون ذوقها في اللباس محلّ إعجاب من المحيطين بها!

إنّنا في زمن تيسّرت فيه أدوات طلب العلم، وأصبح في وسع الواحد منّا أن يتعلّم ما يجب عليه تعلّمه من أمور دينه، ويفهم كثيرا ممّا يجري في هذا العالم، ويبني ثقافة واسعة في أيّ مجال يختاره، بذاك الجهاز الصّغير الذي يحمله في يده.. الهاتف يمكن أن يكون وسيلة مهمّة على طريق طلب العلم والثقافة، إن أحسن الواحد منّا استغلاله وجعل بينه وبين التفاهات حاجزا. يمكن أن يكون نافذة يطلّ من خلالها على القاذورات، كما يمكن أن يكون نافذة يطلّ من خلالها على بساتين بهيّة من الفوائد التي تنفعه في دينه ودنياه وآخرته.

كلّنا نعلم حديث النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم –: “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم”، لكنّنا – إلا من رحم الله منّا – زهدنا في العلم وصرنا نتعامل معه كأنّه مطلب زائد، بل إنّ بعض شبابنا أصبحوا يستهزئون بمن يستغلّ وقته في طلب العلم ويهتمّ بتعلّم ما به ينفع نفسه وينفع أمّته! وأصبحت كلمة “قرّاي” عيبا بين كثير من شبابنا الغارقين في التفاهة!

أشرف العلوم هو العلم الشّرعيّ الذي يوصل العبد المسلم إلى معرفة خالقه، ومعرفة ما يريده منه سبحانه. لكنّه ليس وحده الموصل إلى رضوان الله وإلى الجنّة؛ فكلّ علم ينتفع به العبد وينفع به أمّته هو علم مرضيّ يحبّه الله متى ما كانت نية طالبه أن يفهم صنع الله ويسخّره في خدمة أمّته.. وإنّها لمصيبة كبيرة ومحنة عظيمة أن تكون أمّة الإسلام التي تفخر بأنّ أول آية في كتابها هي قول الله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق))، أمّةً تصنّف أكثرُ دولها بين دول العالم المتخلّف، في التعليم والبحث العلميّ وفي الصّناعة والزّراعة! أمّةً تستورد طعامها ولباسها وسلاحها من دول لا تملك في أرضها ما تملكه الأمّة المسلمة من موارد وخيرات!

جميعنا نعلم هذه الحقيقة ونتحدّث بها، لكن هل علمنا أنّنا جميعا مسؤولون عنها وآثمون بها.. كلّ من حباه الله سلامة في عقله وجوارحه فقعد عن طلب العلم النّافع الذي يرفع الذلّ والتبعيّة عن الأمّة، فهو مسؤول بين يدي الله عن قعوده.. ولو أنّ الأوقات التي يحرقها شبابنا في اللهث خلف التفاهة قضوها في طلب العلم النّافع لكان الواقع غير الواقع.

بلدنا الجزائر التي تحتفل كلّ عام بيوم العلم، اختصّها الله بخيرات قلّ أن تجتمع في بلد آخر. وليس يصحّ أبدا أن نرضى بأن يصنّف بلدنا ضمن دول العالم الثالث. ما الذي ينقصنا حتى نحقّق ما حققته النمور الآسيوية، مثلُ ماليزيا وإندونيسيا؟ وحتى نصل إلى ما وصلت إليه تايوان؟ وحتى نحقق قفزة كالتي حققتها دولٌ أفريقية مثلُ جنوب أفريقيا ورواندا؟

الجزائر بلدنا الحبيب، نحبّ أرضه وماءه وسماءه وهواءه، ونرفض أن يتحدّث عنها أحد بسوء، لكنّ محبّة الجزائر لا تترجم فقط برفع علمها أو ترديد نشيدها أو الدّفاع عنها في المواقع.. محبّة الجزائر يجب أن تترجم إلى واقع، إلى سعي حثيث لأجل أن تنطلق الجزائر في ظل هويتها الإسلامية لتتخلّص من تبعيتها للدول الأخرى في غذاء شعبها وطعامه ولباسه. حرام وعار أن يكون 80 % من القمح الذي نأكله مستوردا من الخارج. بلد مساحته تتجاوز 2 مليون كلم2 يستورد كلّ عام أكثر من 7.8 مليون طنّ من القمح سنويا، وأسواقه عامرة بسلع الصين وفرنسا وتايوان، من الألبسة المزرية إلى أعواد الأسنان!

من المهمّ أن نحتفل بيوم العلم، لكنّ الأهمّ من هذا أن يكون العلم سلاحنا للخروج ممّا نحن فيه. الأهمّ من هذا أن نبوئ العلماء المكانة اللائقة بهم ونرفع من شأنهم ونوفّر لهم البيئة اللازمة لعملهم ونضع دفّة التغيير بأيديهم.. لقد سبقنا الغرب مئات السنين، بإعلاء شأن العلم النافع وإكرام العلماء. الغرب يهتمّ بالكرة والفنّ، لكنّه لا يجعل اللاعب والفنّان فوق العالم، ولا يَسمح بأن يُشغل طلبة العلم بالكرة والتفاهات في مرحلة التعلّم. ولذلك فهو الآن يسبُر أغوار الكون بالعلم النافع، ويتحدّث عن الأخطار التي يمكن أن تتهدّد الأرض من باطنها أو من الفضاء بعد مئات السنين. وهو الآن يسيطر على البرّ وعلى البحر وعلى الجوّ بالعلم والتقنية، ويتحكّم في ناصية البيولوجيا والجيولوجيا بالعلم. وهذا الغرب يخاطب أمّتنا بكلّ كبر واستعلاء واستخفاف واستهزاء، ويهدّد ويتوعّد ويتحرّش ببلاد المسلمين الواحدة تلو الأخرى، بما بلغه من العلم.. فهل آن لنا أن نراجع حساباتنا؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!