مافيا الحاويات تقيم مستودعات لتسميم الجزائريين بالسلع الفاسدة
كشف ملف كامل بحوزة “الشروق” عن لجوء مستوردين مختصين في استيراد المواد الغذائية المنتهية الصلاحية، إلى تزوير وثائق ومحررات رسمية للاستحواذ على قطع أرضية بخميس الخشنة بولاية بومرداس وإقامة مستودعات عليها لاستعمالها في تخزين السلع الغذائية المستوردة المنتهية الصلاحية في انتظار طرحها في السوق بمجرد تغيير تاريخ صلاحيتها.
وتشير الوثائق الرسمية المذكورة إلى أن العملية شملت الاستحواذ على قطعة أرض مساحتها 2.75 هكتار ببلدية خميس الخشنة، بالمنطقة المسماة حوش بونوةب وفق الدفتر الصادر عن إدارة مسح الأراضي بولاية بومرداس. وهي القطعة المتكونة من 3 أجزاء وهي القطعة رقم 51 قسم 3 والقطعة 53 قسم 3 والقطعة 54 قسم 3 وفق مراجع المسح الجديدة الصادرة عن وزارة المالية. فيما يعود أصل الملكية إلى الدفتر العقاري الصادر في 26 فيفري من عام 1895. وهي الملكية التي لم يتم التصرف فيها منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم من قبل المالك الأصلي أو ورثته الشرعيين، وهم عائلة “ع. أ. بن ب” منذ تاريخه 1895 أي منذ نهاية القرن 19 على زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر.
وتبين الوثائق أن مجموعة أكليل ادعت في 26 ماي 2008 ملكيتها للقطعة، حسب تصريحات المدعي المدلى بها أمام وكيل الجمهورية المختص إقليميا، والتي مفادها أنهم استولوا على القطعة لأن أصحابها الشرعيين تخلوا عنها(؟) في مرحلة سابقة، وبالتالي اعترفوا بأنهم أقاموا على القطعة مستودعات تم تخصيصها لتخزين مواد غذائية مستوردة منتهية الصلاحية وجلب تجهيزات متخصصة في تغيير تاريخ صلاحية تلك المواد قبل إعادة ترويجها على مستوى أسواق الجملة والتجزئة على أساس أنها منتجات صالحة للاستهلاك بعيدا عن أعين جهاز الرقابة وقمع الغش المكلف قانونا بمراقبة وقمع هذه الممارسات.
ويشير الملف إلى أنه تم بيع جزء من القطعة باستعمال أسماء مستعارة منها من لحقه الأجل ومنها نساء متقدمات جدا في السن. وكان البيع يتم عند وكالة عقارية بدون اللجوء إلى إشهار العقود وعدم تسجيلها في مديرية الحفظ العقاري. في حين أن العقد الأصلي الذي تملك “الشروق” نسخة منه هو عبارة عن عقد مسجل ومشهر في عام 1895 (1895 وليس 1985). والغريب أن البيع تم لصالح طفل لا يتعدى عمره 22 سنة اسمه “غ. م”، ولد في عام 1986 وهو في الحقيقة مجرد اسم مستعار من طرف خاله (ز. أ).
وتبلغ قيمة البيع 2.6 مليار سنتيم. وهنا تطرح سلسلة من الأسئلة عن مصدر ثروة طفل لا يتعدى عمرة 22 سنة؟ ليتم تحويل القضية إلى العدالة في 23 أكتوبر 2010 وعينت المحكمة خبيرا عقاريا تحت الفهرس 5532/10 وقام الخبير (غ) بمهامه قبل أن يخلص إلى أن “غ. ع” استولى على القطعة بدون وجه حق وخارج القوانين، لتقرر المحكمة طرد المدعي من القطعة التي احتلها، وصدرت صيغة نهائية للحكم الذي تم تنفيذه من طرف القوة العمومية وبحضور 300 دركي بعد عدة إشكالات في التنفيذ بلغت 6 من المدعى عليه، وتم تنفيذ الحكم يوم 24 مارس الماضي بالقوة العمومية مع تنصيب المالك الحقيقي للقطعة وهم ورثة “ع”.
ووفق محضر متابعة صادر في 1 أفريل الماضي، قام المدعى عليه بغلق الممر نحو القطعة باستعمال أتربة ونفايات صلبة وأسلاك حديدية لمنع مرور الورثة إلى ملكيتهم مع وضع لافتة كتب عليها أن الأرض ملك لـ “ا“.
وفي 4 أفريل الماضي جاء “غ. ع” لوضع أتربة على الطريق ومعه 60 شخصا. وبعد إخبار الدرك بالحادث تنقل رئيس فرقة الدرك إلى المكان، وبعد أن تأكد من الأحداث عاود مغادرة المكان بحجة عدم وجود العدد الكافي لتفريق الجموع، على الرغم من احتجاز الحراس في الداخل باستعمال السلاح البيض والسلاح الناري، ولما همّ بمغادرة المكان قال إنه لا يستطيع فعل أي شيء بسبب العدد الكبير للمحتجين. وتم رفع شكوى ضده على مستوى قيادة الناحية العسكرية الأولى بسبب عدم تقديم مساعدة لأشخاص في خطر.
وحسب الملف، فإن وكيل الجمهورية تدخل مجددا بإصدار أوامر بسماع المتهمين. وهو ما لم يحدث على الرغم من تنقل رئيس مجموعة الدرك إلى عين المكان، وتم تقديم المجموعة أمام المحكمة وقدم لهم وكيل الجمهورية 6 تهم منها التهديد بالسلاح والحجز وتخريب أملاك الغير، مع اعتراف 2 من المتهمين بالتهم المنسوبة إليهم.
النتيجة أن جميع المتهمين استفادوا من البراءة على الرغم من أن بعضهم كان في حالة فرار ولم يحضر جميع جلسات المحاكمة ولا مراحل التحقيق المختلفة ولكنه استفاد أيضا من البراءة حيث لا يتم عادة منح البراءة لشخص تخلف عن المحاكمة في جميع أطوارها ومراحلها.
ويوم 24 سبتمبر الماضي وخلال الجلسة، قال رئيس الجلسة إنه لا يستمع إلى أقوال الأطراف لأنها مقيدة في محاضر الاستماع التي قدمها الدرك خلال التحقيق، مضيفا: ما دام السماع تم عند الدرك، فإنه لا يعيد سماع الأطراف، وهي سابقة أيضا لأنه خرق لقانون الإجراءات الجزائية الذي يلزم بإعادة السماع في الجلسة العلنية، لأنه لا يوجد ما يمنع الناس من التعبير داخل الجلسة العلنية ما دام الحكم يتم على أساس ما يحدث في الجلسة، مما دفع بالدفاع إلى طرح السؤال، لماذا استدعاء الأطراف للجلسة العلنية إذن قبل منح البراءة للجميع الحاضر والغائب؟ وهو ما يطرح عدة نقاط استفهام.. وهو ما دفع بالضحايا إلى رفع شكوى رسمية إلى رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، ووزير العدل حافظ الأختام والمفتشية العامة للوزارة المعنية بشأن ما يعتبرونه خرقا لقانون الإجراءات، ملتمسين من الرئيس وهو القاضي الأول بإعادة فتح تحقيق في القضية مع استعدادهم لتحمل جميع التبعات في حال تبين عدم صحة ادعائهم.